تقدم القراءة:

شطر المسجد الحرام ٢

الأربعاء 6 ذو الحجة 1440هـ 7-8-2019م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

محاضرات الحج لعام ١٤٤٠هـ

قافلة الهدى


لازلنا في الحديث عن الشعار ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وتحدثنا عن بعض المقدمات لنكون في فضاء الشعار ولنتعرف على مسؤولية الحجاج الثقافية في حمل الشعار وتفعيله ومعايشته.

المحاذاة بين البيت الحرام وحقائق التوحيد 

نريد أن نتقدم خطوة للأمام لنبين بعدا من أبعاد الشعار – الذي هو موجود في تراثنا الديني وفي الروايات الصحيحة، ويوافق المعقول وكذلك المنقول فهو موجود في القرآن أيضاً – وكمقدمة لبيان ذلك نقول: 

نلاحظ أن الخطاب في الآيات لم يكن: ولِّ وجهك شطر الكعبة ولا شطر المسجد!! وإنما شطر المسجد الحرام بالرغم من كون الكعبة هي شطر البيت الحرام، وهذه نقطة مهمة بحاجة إلى بيان، فمن المعلوم أن المسجد الحرام أعم من الكعبة، فلماذا لم تقل الآيات شطر الكعبة؟ مع أن الكعبة أوضح وقواعدها مرفوعة، كما أن توجهنا كمسلمين في صلاتنا وعباداتنا وسلوكياتنا اليومية كله باتجاه الكعبة، فهذا بحاجة لبيان كما سوف نبين أيضا ماذا يعني الفرق بين الكعبة وبين البيت الحرام.

فلنأخذ هذه المسألة على نحو المسلمات وهي: أن الكعبة يقابلها البيت المعمور، والمقابلة والمحاذاة هنا ليست جغرافية؛ لأن البيت المعمور ليس وجودًا حسيًا، فلا يحتاج إلى الزمان أو المكان أو المحل، وهو مطاف الملائكة والملائكة مجردة، كما أن البيت المعمور قائم على حقائق إلهية، فأركانه الأربعة التهليل والتكبير والتحميد والتسبيح؛ فلا مكان للتهليل ولا مكان للتوحيد الخالص، وهذه القوائم الأربع التي هي القواعد الأساسية التي رفعها إبراهيم وجعلها توازي وتقابل أركان التوحيد المجرّدة، وهذا ما يؤمن به الموحد وهو واضح في ذهنه، أما غير الموحد فهو لا يؤمن بذلك؛ فالجاهل بمعنى تسبيح الله، ووحدانيته وكبريائه وعظمته لا يعرف ما هو البيت المعمور. 

إذن نخلص إلى أن البيت المعمور هو وجود مجرد عن المكان، والمحاذاة بينه وبين الكعبة ليست مادية وإنما محاذاة وجودية عقلية؛ محاذاة في عالم الوجود المجرّد وفي عالم التوحيد وعالم الانقطاع لله سبحانه وتعالى.

غاية الحاجّ الوصول إلى حقائق التوحيد والاتصال والتغيّر بها

ولو أردنا بيان المشتركات بين البيت الحرام وخصوص الكعبة، وبين ما يوازيه من معانٍ في عالم الوجود لوجدنا أن هذه المحاذاة التي نوجه وجوهنا تجاهها (فولوا وجوهكم شطره) وأن ما دفعنا من أموال وما جعل الحج يتعلق في ذمتنا ووفودنا مع الحجاج … كل ذلك هو من أجل أن نصل إلى هذه الحقائق ونتصل ونتغير بها. 

هناك أمور مشتركة بين بيت الله الذي هو الكعبة -الذي نذهب باتجاهه – وبين البيت المعمور، إذ هو في حقيقته يشطر الأرض إلى شطرين، فكل شيء أصبح شطرا ويقابله التوجه وإقامة الوجه وإرادة وجه الله وهو شطر البيت الحرام. توجد مشتركات واضحة بين هذا البيت وبين البيت المعمور هناك. لا يوجد عندنا في القرآن عن البيت المعمور إلّا آية في سورة الطور ﴿وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ (4)﴾ لكننا نجد في المأثور من الروايات ما يشير إلى أن هذه الكعبة والبيت الحرام يقابل البيت المعمور وقد ورد في الروايات أنه بيت في السماء(١). وليس المراد أن البيت المعمور بيت في السماء الجغرافية، وإنما المراد بالسماء هو عالم الغيب وعالم المعرفة والحقيقة، وهو الأمر الواقعي الذي يبحث عنه كل عاقل، وعندما  يذهب الإنسان باتجاه هذا البيت الذي أمره الله سبحانه وتعالى وأمر رسوله (ص) أن يتجه له ويولي وجهه شطره فهو يفعل كما فعل نبي الله موسى (ع) عندما ذهب شطر الوادي الأيمن، وهناك سمع كلام الله سبحانه وتعالى وتلذذ بمناجاة الله تعالى؛ موسى (ع) الذي كان قبل أن يصل إلى الطور يختلف عن موسى الذي وصل إلى الطور والذي سمع كلام الله تعالى. فقد أصبح كليم الله تعالى بعد أن عاش (ع) مرحلة من الامتحانات والمطاردات والابتلاءات ومن التشريد ومن العمل كأجير عند نبي الله شعيب ــ لم أطلع على نص ديني يقول بأن نبي الله موسى قد عمل أجيرا عند نبي الله شعيب ــ وصل نبي الله موسى (ع) إلى شاطئ الوادي الأيمن – لاشك أن هذا الشطر وهذا الوادي لا يبلغ من القدسية ومن المقام الرفيع العالي إلا لأن الله تعالى كلم موسى (ع ) فيه، وهذا يختلف عن شطر المسجد الحرام – إذن شطر المسجد الحرام يراد به ما يحاذي هذه المعاني التي نسميها بالبيت المعمور والذي تزوره وتحجّ له الملائكة.

الأركان الأربعة للبيت المعمور هي خلاصة وعصارة التوحيد، ولم يكن ظهورها في هذا العالم وبروزها إلا لمحمد بن عبدالله (ص)، وإن كان آدم (ع) قد حج إلى الكعبة وإبراهيم بناها والأنبياء قد قصدوها، لكن ظهور هذه المحاذاة على نحو الكمال وعلى نحو الإضاءة والوضوح التام – حيث كانت متدرجة تنطوي على مراحل – ولكن المرحلة الأخيرة هي ما ظهرت لرسول الله وهي ما يرتضيها ويريدها وما يقلب وجهه في السماء ابتغاء لها. بمعنى أن أوضاعه صلوات الله عليه وآله كانت تتغير، فهو يبحث في وجوده ثم ينتقل ثانية وثالثة و… فلم يكن هناك مجال لظهور هذا الانشطار التام الكامل إلا ببركة هذا التقلب وهذا الاعتناء المحمدي، فكان يوجّه طاعاته وشؤونه وطاعات أمته وشؤونها تجاه الجهة التي يجب أن يتوجّه إليها. كما لو كان الواحد منا يبحث عن شيء بكل وجوده واهتمامه وبكل وقته، ويعرف أين يوجه وجهه … 

ولو أردنا أن نضرب مثالا عرفيًا: كالشباب الذين يبحثون عن وظيفة، تارة يذهبون هنا وتارة هناك، لأن هذه هي آمالهم وأمانيهم، وكذلك الحال بالنسبة للناس فهي تتقلب في همومها الحياتية. أما ذلك التقلب لرسول الله فقد كان تقلبًا في ذاته، فهي تتطور وتتبدل وتتغير وليس العكس، يقلب وجهه تجاه السماء ليحصل على ما يقابل ويحاذي البيت المعمور والذي قامت قوائمه على خلاصة التوحيد التي يمكن أن يصل لها موجود؛ إذ أن  شخصية الإنسان، تدينه، ودينه يصاغ بناءً على التوحيد وبناءً على إدراكه ومعرفته وقدرته على التعاطي مع التوحيد؛ لأن مشكلة الإنسان الكبرى هي أنه يتصور أن التوحيد هو أن يقول لا إله إلا الله ويهتم بالرسالة والأصول الخمسة، بينما هو ليس كذلك! التوحيد هو أن ينضج الإنسان – وعلى حد تعبيرنا العرفي أن يطبخ الإنسان – في هذه الحقائق بحيث يذيب وجوده ويرجعه ليأخذ له لونًا وشكلًا  آخر. فحقيقة التوحيد الكامل: أن يسيخ وجود الإنسان. وليس معنى أن يسيخ وجوده هو أن تكون حياته كلها عذاب مثل الموجود الحسي؛ فالمحبة التي هي غاية اللذة للإنسان والمعارف العقلية التي هي سبب معيشة الإنسان هذه كلها لذة! فليس كل انصهار هو انصهار في الحرارة؛ بل قد يكون الانصهار بسبب الجاذبية وبسبب العلم، والذي يحدث للإنسان هو أنه ينصهر في التوحيد وفي التهليل والتحميد والتكبير والتسبيح وفي هذه الحقائق التي ظهرت بالتدريج واكتملت في توحيد رسول الله (ص) بحيث ظهرت مبثوثةً في أقواله وأفعاله وأقوال الأئمة (ع) من بعده وفي حركاتهم وأدوارهم وأنشطتهم عليهم السلام؛ كل هذه الحقائق أرادوا بها إظهار وبيان أركان التوحيد، ومن الطبيعي أن هذه الأركان للتوحيد ليست موجودات من عالم المادة، فمن الواضح عندما نقول أن هذا الإنسان وصل إلى التوحيد فلا نعني أنه وصل إلى جدار أو بناء.

هناك بناء يغسل ويعطر و… كما يصرّون على إبراز هذا الجانب فقط – ولا عيب في أصل هذه المسألة إذا كان الإنسان مريداً بها وجه الله تعالى – لكن الإصرار على إبراز هذا الجانب المادي فقط هو تضييع للجانب الأساسي لحركة الإنسان، واتجاه الإنسان وتولي الإنسان للبيت الحرام وحجه وطوافه، وحسب ما ذكر وتم بيانه، فإن كل المناسك سوف تتغير إذا لم نقل ونعرف وندرك هذه الحقيقة، فالأركان الأربعة: التهليل والتكبير والتحميد والتسبيح، هي التي تصنع إنساناً بحيث يكون له منهج ومدرسة معينة؛ إذ أن أي مفكر وأي عبقري – خصوصاً من يرى فلسفة الغرب – فإنه سوف يرى أن هناك انتقالات حادة جدًا في فهم أولئك الفلاسفة لأمور هي من أصول الحياة ؛لأن كل إنسان يتغير بمقدار ما يصل له من حقائق. 

قد نتصور أن ما كان من الغرب فليس جيدا، لا، هذا ليس صحيحا، ففي العلوم الأمر مختلف، فالعلوم العقلية هذه لا تتوقف على غربي وشرقي، وإنما بمقدار ما يسعى الإنسان للوصول إلى الحقيقة فإنه سيتغير بمقدار طيه وتقليبه وجهه ووجوده في أعلى سماوات الغيب والعقل وعالم التأمل والتدبر والتفكر حتى يصل إلى أعلى مستوى.

إذن هذا المسجد الحرام وما يحاذيه وما يقابله هو التوحيد الخالص الذي ظهر بالتدريج، وهو ما جاء به رسول الله(ص) وهو المنطوي على الأركان الكاملة للتوحيد، وهذا ما ينبغي للحاج أن يطلبه وأن يدركه ويصل إليه ويتغير به… 


١. سأل ابن الكوا أمير المؤمنين (عليه السلام) عن البيت المعمور والسقف المرفوع قال (عليه السلام): ويلك ذلك الضراح بيت في السماء الرابعة حيال الكعبة من لؤلؤة واحدة يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه الى يوم القيامة فيه كتاب أهل الجنة عن يمين الباب يكتبون أعمال أهل الجنة وفيه كتاب أهل النار عن يسار الباب يكتبون أعمال أهل النار بأقلام سود فاذا كان مقدار العشاء ارتفع الملكان فيسمعون منهما ما عمل الرجل فذلك قوله تعالى: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون) . وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قال: لما عرج بي إلى السماء انتهيت مع جبرئيل إلى السماء الرابعة فرأيت بيتا من ياقوت احمر فقال جبرئيل هذا هو البيت المعمور خلقه الله تعالى قبل السموات والأرض بخمسين ألف عام ثم قال قم يا محمد فصل وجمع الله النبيين فصليت بهم. وقال الرضا (عليه السلام): علة الطواف بالبيت ان الله تبارك وتعالى قال للملائكة (إني جاعل في الارض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) فردوا على الله تبارك وتعالى هذا الجواب فعلموا أنهم أذنبوا فندموا فلاذوا بالعرش واستغفروا فأحب الله عزوجل أن يتعبد بمثل ذلك العباد فوضع في السماء الرابعة بيتا بحذاء العرش يسمى الضراح البيت المعمور ثم أمر آدم (عليه السلام) فطاف به فتاب الله عليه فجرى ذلك في ولده إلى يوم القيامة. وفي رواية: جعل لهم البيت المعمور في السماء الرابعة فجعله مثابة وأمنا ووضع البيت الحرام تحت البيت المعمور فجعله مثابة للناس وأمنا). [بحار الأنوار ج2]

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 198٬392 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 0 (0)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (1)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.