إن الفارق بين الأنبياء والرسل وبين الناس هو الصفاء الروحيّ الذي هو بمثابة الاستعداد الكامل لتقبّل الوحي والحالة الروحانيّة والوحيانيّة والملكوتية من الله سبحانه وتعالى. وكلّما كان الإنسان أكثر استعدادا كلّما كان ملكوتيّا أكثر، بل يصل إلى أن يكون أعلى من الملائكة. إن امتياز رسول الله (ص) عن سائر الأنبياء هو أنّه الأصفى والأكثر صيقليّة والأكثر شفافيّة.
أنتم الآن ـ في الحجّ ـ بين قوّتين لا نظير لهما:
-
الأولى: قوّة ربّانيّة مفاضة من قبل الله تعالى في زمان وفي مكان واستعداد فيض كامل من الله سبحانه وتعالى.
-
الثانية: استعداد ذاتيّ شخصيّ بسبب أعمال الحجّ. فأعمال الحجّ تؤدي إلى أن يكون الإنسان صيقليّا أكثر ومرآة قلبه وفكره وعقله مستعدّة ومهيّأة لقبول الفيض الإلهيّ وأيضا لقبول العلم والمعرفة واكتساب الإدراك أكثر. وهذا ما يشعر به الإنسان وجدانيّا ولا يحتاج إلى دليل.
لا زلنا في شعارنا: (الحجّ تشييد للدين). وسنمرّ مرورا تاريخيّا علميّا على قصّة الإنسان والدين والعلاقة بينهما، ثمّ نبحث عن موقع الحجّ الذي هو تشييد للدين من هذه العلاقة.
الإنسان والدين
(علم تاريخ الأديان) علم حديث نشأ في الغرب بما يقارب المائة سنة تقريبا، وفي واقعنا الإسلامي ابتدأ المسلمون حديثا بالاهتمام بنشأة الدين أي منذ حوالي 30ـ40 سنة تقريبا.
طرحت في هذا العلم عدّة فرضيّات لنشوء الدين عند الإنسان.
-
العلاقة بالدين بسبب العجز أمام الطبيعة
فالبعض يقول أنّ الإنسان الأوّل أوّل ما وجد نفسه على الأرض كان عاجزا عن مقاومة الطبيعة، عاجزا عن مقاومة الزلازل والحرّ والبرد والحيوانات المفترسة…وهذا العجز أدى إلى أن يبحث عن قوى أكثر منه قدرة على دفع المضار والمخاطر عنه. فاتجه اتجاها روحيا ومعنويّا لكي يدفع هذه المخاطر والمضار.
ولكن لمّا اكتشف قوانين الطبيعة وعرف كيف يعالج الطبيعة وكيف يستثمر ويستفيد من الطبيعة وعبر العلم والمعرفة عرف كيف يتوقّى الحرّ والبرد والحيوانات المفترسة وكيف يعالج نفسه والبيئة من الأوبئة والأمراض…فخرج الإنسان من حالة الخوف والقلق والاضطراب التي كانت أحد أسباب بحث الإنسان عن قوى غيبيّة تطرد عنه المخاطر.
الجواب:
هذا الكلام ليس صحيحا وليس دقيقا، لأنّه لو كان كذلك لكان أكثر أهل العلم لا دينيّين. لو كان العلم يجعل الإنسان مستغنيا عن الدين لكان الإنسان كلّما كان أعلم وأكثر معرفة بأسرار الطبيعة كان أكثر ابتعادا عن الله تعالى وأكثر استغناء عن الدين، في حين أنّنا نرى الأمر تماما خلاف ذلك. فالإنسان كلّما كان أكثر معرفة بأسرار الطبيعة كلّما وجّه نفسه إلى ما لم يكتشفه من الطبيعة وأنّ ما لم يعلمه أكثر بكثير ممّا علمه. عندما يكون العلم قويّا والقدرة العلمية قويّة يجد عجزه عن الطبيعة وعجزه أمام موجود غائب مهيمن على كلّ هذه الطبيعة. الإنسان كلما اشتد علمه زاد ظمأه الروحيّ والدينيّ أكثر وكلّما توهّج حبّه للدين وحبه للتوحيد ولما وراء هذه الطبيعة، وحبّه لموجود هو أقوى وأكثر هيمنة وأكثر خبرة ومعرفة، موجود مطلق تنحصر فيه كلّ الخصائص الجماليّة والكماليّة أكثر.
-
العلاقة بالدين بسبب الخوف من المستقبل
الفرضيّة الثانية هي أنّ علاقة الإنسان بالدين تنشأ من خوفه من المستقبل ومن الموت ومن الآخرة …
الجواب:
حالة الخوف لا تولّد دينا ولا تنشئ حسّا إيمانيّا عميقا ولا ميلا وعشقا للدين في الإنسان، نعم قد تكون محفزا ومحرّكا للحالة الدينيّة ووضوحها، ومحركا له تجاه التوحيد، وهذا لا ننكره ويقرّه القرآن ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ العنكبوت/65.
إذن حالة الخوف ليست سببا أصيلا لميل الإنسان إلى الدين بدليل أننا نرى الإنسان كثيرا من الأحيان يلقي بنفسه وماله وإمكانياته في سبيل الدفاع عن الدين. وهذا ليس أمرا جديدا في الدين الإسلامي، بل حتى البوذي وكل من يعتنق دينا معينا ويعشقه فهو يقدم هذا الدين وربما يضع نفسه في مواضع الهلاك من أجل دينه.
-
العلاقة بالدين بسبب العلاقة بالأقوى والأكثر تأثيرا
الفرضيّة الثالثة في علاقة الإنسان بالدين هي القول بأنّ الإنسان عادة يحبّ أن يقيم علاقة مع الإنسان الأقوى والأكثر تأثيرا على نفسه. فالأنبياء مثلا في الأعمّ الأغلب كانوا هم الحكماء وهم الأخلاقيّون وهم المؤثّرون، والناس عادة تنجذب للشخصيّة الجذابة ـ الكاريزما ـ فيكون ذلك سببا لقبول كل ما تقوله هذه الشخصيّة. وعادة من يؤمن بالشخصيّة الكاريزما والجذابة هم الناس الضعفاء البسطاء الفاقدون لخصائص وإمكانيّات هذه الشخصيّة. وهذا أكبر مؤثر في تكوين طوائف متديّنة من الناس تميل إلى الدين.
هذه الفرضية ليست جديدة، فعندما يستجيب الناس للأنبياء كان الجبابرة والطغاة واللادينيّون يقولون للأنبياء ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾ هود/27.
الجواب:
هذه الفرضية ليست صحيحة أبدا، لأنّنا نرى أكثر الناس انجذابا للدين والأنبياء والتوحيد هم أعقل الناس وأكثرهم فهما ووعيا واستقلالا، بل كثير من الأحيان أكثر الناس غنى.
آسيا زوجة فرعون كانت الآمرة الناهية، وأكثر الذين آمنوا برسول الله (ص) من الأنصار كانوا زعماء أسيادا في قومهم.
أمير المؤمنين(ع) ماذا ينقصه حتى يدافع عن الدين الإسلاميّ ويضحّي في سبيل الدين؟!
الدين ليس وليد الجهل ولا وليد الخوف ولا بحثا عن القويّ والكاريزما.
نتيجة البحث العلمي التاريخي: أصالة الحسّ الدينيّ عند الإنسان
يوجد كتاب قيّم جدا لباحث عراقيّ (خزعل الماجد) حول (علم الأديان) مكوناته، منهجيّته، مستقبله…يتحدّث عن ما هو الأصيل؟ ويبحث بحثا علميّا تاريخيا مجرّدا عن المسبقات العقائدية والفلسفية. وينتهي إلى نتيجة: أنّ الدين هو الأصيل عند الإنسان. الميل للدين ليس مرتبطا بعامل الجهل أو الخوف أو العلاقة بالقويّ والكاريزما. والإيمان أعرق عند الإنسان حتى من حاجته للمأكل والمشرب، لأنّ الإنسان يتخلّى عن المأكل والمشرب حتى يدفع عن دينه.
عراقة هذا الحس الديني لدى الإنسان وقدمه هو ما توصّلت إليه الأبحاث العلميّة والتاريخيّة وهي علوم مجرّدة تهدف إلى كشف الحقيقة تماما كما الطبيب حينما يأتي إليه مريض ويريد أن يعرف سبب الآلام.
لدينا حقيقة قرآنية تتفق مع هذه النتيجة العلمية ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الروم: 30.انفطر يعني: انشقّ. أي أن الدين هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها.
علاقة الحسّ الدينيّ بالحجّ
ما ارتباط أصالة هذا الحس في الإنسان والحجّ؟! الارتباط وثيق جدا.
في تاريخنا الدينيّ أوّل ما نزل آدم إلى الأرض أوّل ما وضع فيه قدميه هو أرض عرفة، أوّل شيء فعله آدم هو أنّه (وقفَ بعرفة). عندنا مفهومان: الوقوف وعرفة. في هذا الدرس نشرح أحدهما.
فلنأخذ مفهوم (الوقوف)، تلاحظون أنّ الإنسان عندما يفكّر في أمر عميق أو قضيّة مصيريّة بالنسبة إليه وعندما يكتشف حقيقة ما فإنّه يقف! يقف ليتفكّر وليركّز ويتفهّم ويتعرّف، ثم يقول: وقفت على هذه الحقيقة. مثلا عندما يكون ماشيا فإنّه يقف. الوقوف ليس مجرّد حركة جسديّة، الجسد يحكي شيئا عميقا في النفس. الوقوف في عرفة ليس بالضرورة أن يكون على القدمين ـ وإن كان الأحوط ـ ولكن آدم أوّل شيء فعله هو الوقوف في عرفة. الإنسان عندما يريد أن يحدّد مصيره أوّل ما يخطر على باله تساؤلات من قبيل: من أنا؟ لماذا وجدت؟ ماذا يراد بي؟ وهذه التساؤلات لا يجيب عليها إلّا الدين. هذه الأسئلة تكشف عن ظمأ للتوحيد.
أوّل الدين هو الوقوف. أن تقف على بعض الحقائق، تقف على نفسك، ماذا يراد بك؟ لماذا أنت موجود؟ ما هو الشيء الذي في أعماقك ويدفعك تجاه واحد أحد؟ ما هذا الاندفاع تجاه كشف الحقيقة ومعرفة الحقيقة؟!
وهذا أوّل دليل على كون الإنسان متدينا ويبحث عن الدين ولديه استعداد أن يشيد و يعمر الدين، إذ (أوّل الدين معرفته).
إذن الحجّ تشييد للدين، لأن الحجّ لا يقبل بفرضيّة أن علاقة الإنسان بالدين بسبب الجهل أو الخوف أو الميل للأقوى. وهذا لا يقبله العقل ولا العلم الحديث. بل العلاقة بالدين هي بسبب التوقف والعلم والانتباه واليقظة. الدين ظمأ روحيّ عميق في الإنسان يجعل الإنسان أوّل ما يقوم به هو التوقف والتأمّل والتدبّر حتى يصل إلى المرحلة الثانية: وهي المعرفة. وهو ما سنشرحه في الجلسة القادمة.

0 تعليق