التوفيق للحجّ ليس صدفة، وإنّما الله سبحانه في ليلة القدر يصطفي من المؤمنين والصالحين من يشيّد به أمر هذا الدين، ويكون ضيفا في محطّ حمته.
شعارنا: (والحج تشييدا للدين) مقتطع من خطبة الصديقة الزهراء(ع) وهي في معرض تحليل الأحكام الشرعيّة والقوانين الإلهية، وكما هو شأن المعصومين (ع) يخصّون الحجّ بالتركيز والبيان.
في العادة أبدأ ببيان الشعار ومعناه في الجلسة الأولى، لكن في هذا العام أبدأ من الخاتمة والأثر النهائيّ للحجّ حتى نمشي خطوة بخطوة فندخل في أجواء الحجّ بوعي ومعرفة وصدق نيّة.
أسباب الشعور بالضيق بعد الحجّ
من الأمور الوجدانيّة والروحيّة التي يمكن أن تكون بعض القرائن والروايات تؤكّد عليها هي الشعور بالفراغ الروحيّ الكبير بعد موسم الحجّ. بعد الحجّ يشعر الحاجّ بنوع من الضنك والضيق ـ وإن كان مسرورا بإنجاز الفريضة ـ، نحاول في ثلاث نقاط بيان السبب والمبرّر الوجوديّ والتكوينيّ لهذا الشعور الصادق والواقعيّ.
السبب الأوّل: الحجّ طاعة تعبّديّة يشترط فيها استحضار النيّة، بحيث يستحبّ التلفّظ بها. توجد في الفقه أوامر إلهيّة توصّليّة لا يشترط في صحتها النيّة وحراك النفس، مثلا: لو كانت يد شخص متنجّسة وهو نائم ولا يشعر وجرى عليها الماء بحيث تطهر، فإنها محكومة بالطهارة ولو كان نائما ولم يستحضر النيّة. لكن الحاجّ لو غفت عينه لحظات أثناء السعي مثلا يبطل سعيه ولا يحسب له، فلابدّ أن يعيد وهو متوجّه وقاصد. إذن مناسك الحجّ يشترط فيها حضور النيّة.
النيّة تنبع من أعمق نقطة في الإنسان، والنيّة الصالحة هي التي تكسب العمل الصالح حيويّته ونضارته، ولذلك أوّل أعمال الحجّ تصفية النيّة. عن الصادق(ع): (إذا أردت الحجّ فجرّد قلبك لله عز وجلّ من عزمك من كلّ شاغل وحجب كلّ حاجب)(1). العمل يبدأ من قلبك، جرّد قلبك من كلّ شائبة. عندما يخطئ الإنسان فأوّل ما تضيق نفسه هو، وعندما تفسد نيّته فإنّه يشعر بالضنك. ولكن عندما يجرّد الإنسان نفسه في الحجّ عن كلّ النوايا والمقاصد غير الصالحة وعن غير الله تصبح نفسه منبسطة ويصبح قلبه منبسطا منفتحا على الله سبحانه، وما يقابل الانبساط هو الضنك والضيق وهو ما يشعر به الإنسان بعد الحجّ.
السبب الثاني: وهو أكثر دقّة. وهو أنّ الحجّ هو الجهاد الأصغر، فهو حركة اجتماعيّة دينيّة يقصد منها تشييد الدين. وآفة أن يكون الإنسان عضوا في مجتمع كبير هو أن يكون معطّلا غير مؤثّر. الحجّ عبادة يمكن للإنسان أن يشارك فيها في كلّ الأحوال إمّا بنفسه أو بالوساطة والنيابة ـ حتى في حال حياته إذا لم يتمكن بنفسه ـ. فلا يمكن للإنسان أن لا يشارك الحجّاج ولا يمثّل موقفا ولا رقما أصلا، ولو حصل ذلك فسيشعر بالحسرة والضيق.
عدم الحجّ يعني تعطيل الإنسان نفسه عن موقف روحيّ إيمانيّ كبير. ورد عن نبيّ الرحمة (إنما فرضت الصلاة وأمر بالحجّ والطواف وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله، فإذا لم يكن للمذكور الذي هو المقصود والمبتغى عظمة ولا هيبة فما قيمة ذكرك؟!)(2) .
المراد من الحجّ هو أن تحيي وتشيّد دين الله، وهو يقوم على سعي الإنسان وهؤلاء المؤمنين، ولذلك فالحاجّ يحدث له انبساط روحيّ خاصّ يختلف عن سائر العبادات، لأنّه لا يقوم بعمل مقطعيّ بل المقصود إحياء قيمة عظيمة أشبه ما تكون بالجهاد. لذلك إذا لم يتمكن من الحجّ فيجوز له أن يرسل غيره فيشارك الحجّاج تلك المواقف الكريمة (ولا تخلني يا ربّ من تلك المواقف الكريمة والمشاهد الشريفة)(3).
السبب الثالث: الحج إمطار من السماء بأحكام وتفاصيل وتقييدات كثيرة تدخل الإنسان في جوّ العبوديّة.
نحن نخطأ عندما نتصوّر أن الإنسان عندما يتحرّر يرتاح، المسألة بالعكس تماما، الإنسان كلّما يتقيّد ببرنامج غيبيّ منظّم أكثر يرتاح أكثر.
أطول وأصعب المباحث العلميّة والفقهيّة ومن أكثرها تعقيدا وتدقيقا هي مسائل الحجّ، وكلّها تمثّل قيودا تجعل الإنسان يخرج من أرض التيه والمادّة إلى عبوديّة الله سبحانه. ومن عالم الفلتان إلى عالم الانضباط والتقيّد بقيود العبوديّة لله، وهذه القيود الذي وضعها واختارها هو الله سبحانه.
الحجّ يشبه القماط للطفل، القماط يحفظ الطفل الرضيع من أن يؤذي نفسه، فهو لا يحسن تحريك يديه ورجليه، ولكن القماط يعينه على أن ينضبط ويحميه من أن يخمش وجهه مثلا. الحجّ يعلّم الإنسان كيف يكون مقمّطا عن المحرّمات، فهذه القيود تسبب راحة، كثرة القيود والضوابط ـ خصوصا إذا لم تكن من إنسان آخر بل من الله ـ تخرج الإنسان من عالم الفلتان إلى عالم العبوديّة لله. وميزة الأنبياء عن سائر الناس هي شدّة تقيّدهم ﴿إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ الحجرات: 13.
﴿وتزوّدوا فإنّ خير الزاد التقوى﴾ البقرة: 197 يعني كلّما استطعتم أن تتقيّدوا تقيّدوا، وكلّما استطعتم أن تلتزموا التزموا.
نقرأ في دعاء الإمام الحسين(ع) يوم عرفة: (اللهم وأغنني بتدبيرك لي عن تدبيري وباختيارك لي عن اختياري وأوقفني على مراكز اضطراري) من سعادة الإنسان وحاجته أن يختار له الله. فعندما يستغني بوابل من السماء وتمطر عليه الأوامر والنواهي الإلهيّة فإنّه سيرتاح أكثر ويتسع.
عندما يشكّ الإنسان في صلاته ولا يعلم ماذا يعمل وكيف يصلحها فسيقع في الضيق والحرج، لكنه عندما يتقيّد بالحكم ـ سجدتي السهو مثلا ـ سيرتاح.
فرق بين أن تصبح وبين يديك برنامجا مفصّلا بين يدي الله سبحانه، وبين أن تضع أنت برنامجا، فأنت تعلم أنك سوف تصيب أحيانا وسوف تخطيء أحيانا، سوف تستقيم أحيانا وسوف توفّق أحيانا وسوف لا توفّق أحيانا.
الحجّ صبّ من القيود الإلهيّة التي تجعل الإنسان في طريق معيّن لا يخرج عنه، ويجعل الحاجّ جنديّا من جنود التشييد، فلا يكون معطّلا.

1. مصباح الشريعة ومفتاح الحقيقة، الإمام جعفرالصادق،ص59
2. إحياء علوم الدين، أبي حامد محمد الغزالي الطوسي، ج1، ص199
3. دعاء أبي حمزة الثمالي

0 تعليق