تقدم القراءة:

“الصدّيقة والقرآن” دعم وتعاون لهدف واحد

الأحد 14 جمادى الآخرة 1446هـ 15-12-2024م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

  

أبارك للنبي الأعظم ﷺ وآله وأهل بيت العصمة ﴿؏﴾ كما وأبارك لكن أخواتي بيوم المرأة العالمي، فيحق للعاقلات من النساء أن يتخذن من يوم ميلادها مرجعًا لكل قضاياهم الفكرية والعملية خصوصًا مع وجود التحديات التي تروج لها اللبرالية العالمية بفلسفتها لمفاهيم مغلوطة حول حرية المرأة والمطالبة بحقوق المساواة؛ سعيًّا منها لاستبدال النماذج الإلهية بنماذج تخدم بقائها لأطول فترة، ولتبسط علينا أن نتخذ من هذا اليوم موقفًا واضحًا وصريحًا وعلميًا نبرزه للعالم بديلًا عن بروق  مطامع الرأسمالية الحاكمة اليوم بقبضتها على العالم.

الجبهة الأولى:

دفاع القرآن عن الصديقة الزهراء ﴿؏﴾

إن الزهراء ﴿؏﴾ هي ما يطبق عليه من الكوثر الذي تحدث عنه القرآن الكريم الذي يذهب بزبد التشوهات والشبهات والمغالطات ويطهر العقل والقلب والإرادة من فساد المادة التي لا تنظر للمرأة إلا كحفنة تراب يتشكل منه ظاهرًا يخالف ظاهر الرجل؛ فإذا وحّدنا هذه الحفنة في الأحكام والرؤية وحتى في الظاهر نكون قد أدّينا للمرأة حقوقها كاملة واستوفينا ما سلب منها، ويرافق هذه الحملة المسعورة وفي جبهة ثانية حملة على الدستور الأصلي للإسلام وهو القرآن، فبعد أن تجرأوا بالهجوم على وحيانيّته وإلهيّته، وعجزوا عن ذلك؛ انكفأوا على إهانته وإحراقه وتمزيقه، ولربما يكون توحيد وقت هذه  الهجمة واستهداف هاتين الجبهتين؛ هو لكون وظيفتهما واحدة وأثرهما مشترك؛ يقول الإمام الخميني -قده- : “القرآن الكريم صانع شخصية الإنسان، والنساءُ أيضًا يصنعن شخصية الإنسان” وفتح هاتين الجبهتين ضد الإنسانة الكاملة والقرآن الكامل هو ما استشرفه النبي الأعظم ﷺ وآله في حياته ونقله القرآن الكريم، فقد قال تعالى على لسان النبي الأكرم ﷺ: ﴿وَ قالَ الرَّسُولُ يا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ الفرقان:٣٠ وقال ﷺ وآله  في شأن الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾: ” يا بنية أنتِ المظلومة بعدي! وأنت المستضعفة بعدي” (١)

مؤهلات واستحقاقات الزهراء ﴿؏﴾ لمرجعية الأمة

وفي مقابل ذلك الموقف من الهجران والعداء فإننا نرى في الفكر الديني تعاضد وتعاون متبادل واتحاد بين الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ والقرآن الكريم، فكلاهما يعضد الآخر ويكون له  ظهيرًا وكلاهما ضليع وجدير بهذا الدور لاتحادهما الوجودي ويكفينا لإثبات صحة ذلك -علاوةً على الواقع الخارجي- حديث الثقلين المروي بإجماع المسلمين من أنهما -الكتاب والعترة- لن يفترقا ولن يحيد أحدهما عن الآخر بل كلاهما يظاهر الآخر ويشاهره.

ونحن هنا لسنا بصدد الحديث عن دعوى ثبوتية فالأمر ممكن لا امتناع فيه؛ لذا لسنا بحاجة لبيان ذلك؛ بل نريد بيانه بالدعوى الإثباتية أي في مقام البرهان والدليل والإبراز؛ لأنه كما قيل: إن عالم الإثبات مرآة لعالم الثبوت.

وبالدليل الوحياني فإن دفاع القرآن الكريم عن السيدة الزهراء ﴿؏﴾ أسبغ عليها كل مؤهلات المرجعية الكاملة بأرفع درجاتها.

ويمكن أن نذكر هنا عدة عناصر عدّها أهل العلم مبررات لاستحقاق  الإنسان للمرجعية الفقهية والاجتماعية والسياسية:

  1. العلم بكامل الشريعة جملة وتفصيلًا

    ولا شك أن القرآن الكريم وبضم بعض آياته لبعض يبرز لنا المقام العلمي للصديقة الزهراء ﴿؏﴾ وذلك أنها ممن وصفهم بالسابقين للخيرات المسارعين إليها؛ حيث قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ ما آتَوْا وَ قُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلى‌ رَبِّهِمْ راجِعُونَ﴾ المؤمنون:٦٠

    ثم وصفهم بقوله: ﴿أُولئِكَ يُسارِعُونَ فِي الْخَيْراتِ وَ هُمْ لَها سابِقُونَ﴾ المؤمنون: ٦١ والسيدة الزهراء ممن يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجل.

    كما حكى الله عز وجل عنها في سورة هل أتى: ﴿إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً، إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً﴾ الإنسان: ٩-١٠.

    مما لا شك فيه أن من أهم الكمالات والفضائل التي يسارع لها هؤلاء الكمّل معرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله والتي تتولّد عنها كل العلوم والمعارف.

  2. العدالة التي تصل إلى مستوى الطهارة

    لا شك أن للسمات الشخصية التكوينية أثر بالغ على مستوى عدالة  الإنسان؛ فصِرف العلم بدقائق الأمور لا يحمي الإنسان من نقاط الضعف البشرية، كما وأن الفقاهة والأعلمية -بأي مستوى كانت- لا تخلق  ملكة التقوى ولا نزعة العدالة،  فقد خلق الإنسان عجولًا وضعيفًا، وهذه خصال في ذاتها  تسقطه من ملكة التقوى والعدالة بشكل تلقائي ما لم يسعَ للتطهر منها، سيما إذا تعلقت إرادته بالقضايا المرتبطة بالشأن  العام، فيبعد اجتماع العدالة وملكة التقوى مع صفات الخور والجبن والاستبداد والتردد والضعف والعجلة؛ يشير الشهيد الصدر في كتاب فدك في التاريخ وهو يصف حال الزهراء ساعة خروجها للخطبة التي ألقتها في المسجد لمعاتبة المسلمين ومحاكمة الغاصبين لحقها فيقول:

        “وقفت لا يخالجها شك فيما تقدم عليه، ولا يطفح عليها موقفها الرهيب بصبابة من خوف أو ذعر، ولا يمر على خيالها الذي كان جدّيّاً كل الجد، تردد في تصميمها، ولا تساورها هاجسة من هواجس القلق والارتباك، وها هي الآن في أعلى القمة من استعدادها النبيل، وثباتها الشجاع على خطتها الطموح، وأسلوبها الدفاعي، فقد كانت بين بابين لا يتسعان لتردد طويل، ودرس عريض، فلا بدّ لها من اختيار أحدهما وقد اختارت الطريق المتعب من الطريقين الذي يشق سلوكه على المرأة بطبيعتها الضعيفة لما يكتنفه من شدائد ومصاعب تتطلب جرأة أدبية، وملكة بيانية مؤثرة، وقدرة على صب معاني الثورة كلها في كلمات وبراعة فنية في تصوير النقمة ونقد الاُوضاع القائمة تصويراً ونقدًا يجعلان في الاُلفاظ معنى من حياة، وحظًا من خلود، لتكون الحروف جنود الثورة الخيرة، وسندها الخالد في تاريخ العقيدة، ولكنه الإيمان والاستبسال في سبيل الحق الذي يبعث في النفوس الضعيفة نقائضها، ويفجر في الطبائع المخذولة قوة لا تتعرض لضعف ولا تردد. ولذا كان اختيار الثائرة لهذا الطريق ممّا يوافق طبعها، ويلتئم مع شخصيتها المركزة على الانتصار للحق، والاندفاع في سبيله” (٢)

    يبدو إن الدافع لوصف الصدّيقة الزهراء ﴿؏﴾ بهذه الأوصاف القطعية هو الاعتقاد بطهارتها التكوينية وإلا فإن مفهوم العدالة النفسية مفهوم واسع ومشكك، ومتشابهاته أكثر من  محكماته؛ ولذلك فإن الطهارة التي نسبها القرآن للصديقة -عليها السلام- ليست من السمات المكتسبة ولا من الملكات التحصيلية؛ بل هي موهبة تكوينية، ومنّة من المنن الربانية التي يستحيل صدور أيَّ عمل من الصدّيقة الطاهرة لا يتماهى معها، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً﴾ الأحزاب: ٣٣.

  3. الكفاءة وتحمل دور قيادة الأمة

    إن مما يشترط في صلاحيات المرجعية العليا تحمّل دور قيادة الأمة؛  بحيث تُذعن الأمة أنهم تبوأوا مقام الحجية والكفاءة، وهذا شرط له الأرجحية في اتخاذ المواقف العملية وتحديد مسار الأمة، وهو يرجح على شروط كثيرة؛ لأنه من شؤون العقل العملي الذي يتواصل به الشخص مع المجتمع والأمة، ونعني بالكفاءة هنا المهارة والتدبير وقوة الإدارة بالإضافة إلى عنصر الإيمان بالغيب لإخراج الأمة من ظلمات الحيرة ولوابس الأمور إلى نور الهداية والترشيد.

    والقدرة العملية على الزعامة والتدبير في الشأن العام الاجتماعي والسياسي والثقافي، وتقديم الأهم على المهم.

    والقيادة الحكيمة والكفؤ هي ليست من تستعجل الانتصارات السطحية والتي كثيرًا ما تكون حبلى بالخسائر، بل قد يستدعي الوصول للقمم وبلوغ أعلاها وضع القدم في أسفل الجبل للاتكاء عليه؛ إذ لا يتأتى اليسر إلا بالمرور بالعسر وهذه سنة إلهية حفظت سيرة الأنبياء، فنجدها مثلًا في سيرة النبي موسى ﴿؏﴾ حيث  قامت أم موسى بدورها وأرضعته ثم انتهى دورها وبدأ دور الغيب ﴿وَأَوْحَيْنا إِلى‏ أُمِّ مُوسى‏ أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَ لا تَخافِي وَلاتَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَ جاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ القصص:٧

    فالكفاءة التدبيرية قد تظهر في أعين البعض -لجهله بمنطق الإدارة العقائدية- أنها خسارة وتضييع وغرم، وإلقاء للطفل الرضيع في اليم،  وكما حدث في صلح الحديبية الذي سمّاه الله بالفتح المبين وظنه  البعض دنية وضعف وخضوع واستكانة.

    وقد ورثت الصديقة الزهراء ﴿؏﴾ أباها في عمق النظر للقائد الذي لا يعتمد الرؤية الاجتماعية الساذجة التي تشكل عليه ضاغطًا  يثنيه عن قراراته النيرة، بل تجعله مستبشرًا مطمئنًا بعدالة قضيته ونجح حاجته، يقول الشهيد الصدر الأول في ذلك:

       “وإن في بعض الفشل الآجل إيجابًا لنجاح عظيم وكذلك وقع، فقد قامت أُمّة برمتها تقدس هذه الثورة الفائزة بل تستمد منها ثباتها واستبسالها في هذا الثبات” (٣)

    لقد رسمت هذا النصر بدقة وفصلت كل مواقفها بمقاس الأمة التي حولها ثم ألقت بحبل الأمور على الغيب.(٤)

  4. الموقع الوجداني والمقبولية من المجتمع

لا فائدة من كل المقومات السابقة وتوفرها في أي قيادة ما لم يكن للقائد موقع وجداني وثقة عالية من المجتمع ومقبولية لحقانية القائد  وصفاته ودوره؛ إذ لا يكتمل شأن الزعامة إلا بمقبولية الأمة، ولعل أول من طرح هذا المقوّم والشرط هو الشهيد الصدر -قده- كما أنه لا فارق في ذلك بين الحجة المنصوب من الله على نحو القضية الحقيقية أو على نحو القضية الخارجية؛ فالناس هم الناس وهذا هو دورهم وقرارهم وانتخابهم، في حين أن الدور الإلهي هو إعطاء المبررات الكاملة والحجية التامة لدعم هذا القائد وإلقاء الحجة من الله المفيض الذي بيده بقاء كل موجود وفنائه، إذ أنه لولا إفاضة الله لأصبح الموجود ملعونًا مطرودًا من الرحمة  الإلهية.

يقول أستاذنا الجوادي في شأن آية المباهلة والآية السابقة لها ﴿الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّنَ الْمُمْتَرِينَ ۞ فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ آل عمران: ٦٠-٦١

أنها لم تبقِ أيّ ريّب في حقانية محور المباهلة من جهة الإثبات، أمّا من جهة السلب فقد قالت الآيات “فلا تكونن من الممترين”.

وبإجماع المسلمين فقد كانت الصديقة الزهراء ﴿؏﴾ عنصرًا محوريًا في المباهلة، وأن إبراز القرآن في آيات المباهلة لموقعية الصديقة الزهراء ﴿؏﴾ وكون إثبات التوحيد يدور مدار دعائها هو مما يعطيها شرط المقبولية التامة العامة في المرجع لحقانية الزهراء.

إذن فإن كل هذه الشروط والمقومات إنما هي جزء من دعم القرآن الكريم للصديقة الزهراء ﴿؏﴾ وإبراز لموقعها الريادي بشرطه وشروطه.

الجبهة الثانية: 

دفاع الزهراء ﴿؏﴾ عن القرآن الكريم وحمايتها له

أما في مقام الحديث عن الجبهة الثانية وهي دفاع الزهراء ﴿؏﴾ عن القرآن وحمايتها له وذودها عنه فيتمثل في أدوار كثيرة من أهمها تسليط الضوء على الدور الأهم لهذا الكتاب الذي يشتمل على صناعة أمة متقدمة في موقعها وموقفها ومعارفها على سائر الأمم ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ آل عمران:١١٠

تقول الآية أخرجت للناس وليس على الناس، مما له دلالة كونها أخرجت وفق مقاس التكوين الخارجي كله، فإذا كان القرآن يصف ذاته بأنه تبيان لكل شيء ﴿جِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى‏ هؤُلاءِ وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ﴾ النحل: ٨٩ فمن هذا الموقع للقرآن انطلقت الصديقة الزهراء ﴿؏﴾ في خطابها وخطبتها تفصل مكانة القرآن كما جاء فيه فقالت ﴿؏﴾ وهي في معرض المدافعة والذود عن القران ورفع اللوابس التي يُتهم بها القرآن الكريم والقصور الذي يُرمى به كاتهامه -تقدس وتنزه عن ذلك- بالإهمال والفتور، أو النقص في فاعليته والتي تنتهي بإلقائه خلف الظهور فانبرت ﴿؏﴾ تقول في توصيفها للقرآن: “وزعيم حق له فيكم، وعهد قدّمه إليكم، وبقيّة استخلفها عليكم: كتاب الله الناطق والقرآن الصادق، والنور الساطع،  والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائداً إلى الرضوان أتباعه، مؤدٍّ إلى النجاة استماعه، به تنال حجج الله المنوّرة، وعزائمه المفسّرة، ومحارمه المحذّرة، ورخصه الموهوبة، وشرائعه المكتوبة”

وهذا أبلغ بيان وأكثره روعة؛ لإيضاح أغراض القرآن وغاياته وأهدافه وشمولية رسالته؛ حيث وصفته بأنه زعيم حق قد بيّن بوضوح كل ما يحتاجه أي متشرع لأي قضية ثابتة أو متغيرة بما يتناسب و قضايا الحياة.

التقسيم الرباعي لآيات القرآن بلحاظ قانوني

قسّمت ﴿؏﴾ آيات القرآن بلحاظ قانوني إلى أربعة أقسام وهي قسمة  حاصرة – كما يعبر المناطقة- وحين يقسّم القانون بلحاظ حاجة الإنسان يكون كاملًا يغتبط به أشياعه، قائد إلى الرضوان أتباعه، ويضمن  السعادة العظمى لمن اتبعه.

وهذا الدفاع النوعي عن القرآن قد صدر من أعلى مقام وعى القرآن بكل مراحله ومراتبه ومقاماته وهذا مما يمكن أن نعده نقطة علمية لخطابها -عليها السلام-

إذ أن شرط قبولنا لهذا التقسيم يستلزم وجود عنصرين رئيسين:

  • أولهما: تصوير أحكام الإسلام  بشكل  صحيح وواضح؛ لأن الغموض في اتباع أي قانون ينتهي بالإنسان للخروج عن الهدفية.
  • ثانيهما: القدرة على وضع أسس وأطر أفضل للتوجّه الإسلامي والسياسة الإسلامية العامّة.

فإذا كان التصوير يحوي هذان البندان سيكون ساندًا ومؤيدًا لسلامة هذا التنظير؛ إذ أن هذان البندان يضمنان عدم الخلط بين مساحات الأحكام بأقسامها الأربعة -التي بينتها ﴿؏﴾ في خطبتها- وذلك بتطبيقها على مصاديقها بحدود منطقية، معللة بروح الأحكام الشرعية، كما فعلت ﴿؏﴾ في المقطع الثاني من الخطبة؛ حيث ذكرت النظرية أولًا ثم تطبيقاتها حين قالت: “بِهِ تُنالُ حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ، وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ، وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ، وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَةُ.” (٥)

إن هذا التقسيم القانوني للأحكام في القرآن الكريم هو مما يضمن بقائه حيًا ومتحركًا دائمًا وسيالًا في كل أرجاء الوجود.

وبحسب قول أستاذنا الجوادي فإن أول من قسّم آيات القرآن -وبحسب ما وصلنا من العترة الطاهرة- وفق هذا المنهج التشريعي هي الصديقة الطاهرة.

هذا التقسيم يحمل في طياته حلًّا نقضيًّا وإبطالًا لتلك الشبهة الموهمة والتي مفادها خلو الأحكام الشرعية من  القدرة على حلّ مشكلات الإنسانية، أو محدوديّة هذه القدرة مع تزايد احتياجات البشرية وكثرة أزماتها، وأن الثابت من الأحكام لا يمكنه تلبية تلك الاحتياجات المتفاقمة، ورفع الصعوبات المتزايدة وإدارة المجتمعات المعقّدة.

فهذا التقسيم الرباعي للأحكام في القرآن الكريم يجلّي قدرة الإسلام على إدارة المجتمعات المعقّدة، وسوف نستعرض هذا التقسيم الرباعي بشيء من التفصيل.

  1. حُجَجُ اللهِ المُنَوَّرَةُ، وَعَزائِمُهُ المُفَسَّرَةُ

    جعل الحجج والإلزامات التي تنور الحقائق للإنسان، وتخرجه من ظلمات الانحراف والضلال والتيه بكل أشكاله، وتجعله عبدًا للحق فقط  لا لأي قوىً أخرى غيره وبيّناته الجلّية، وبراهينه الكافية، وفضائله وهذه حاجة لا تتغير ولا تنتفي عند الإنسان إلا بفرض الانقلاب المحال وتحول العبد إلى غني صمداني أحدي، وعلى ضوء هذا التقسيم من الأحكام يمكن أن نفسر قولها عليها السلام “به تنال حجج الله المنورة وعزائمه المفسرة” فالعزائم من الأمور التي ليس لها مراتب ولا درجات، ولا فيها غموض ولا إبهام ولا ارتباك ولا اشتباه، ولا تردد أو تعقيد، أو عجمة، ذلك أنه في كل قانون لا بد من وجود أحكام يفهمها السوقي بنفس الظاهر الذي يفهمه أهل التخصص والمفكرين، وإلا فكيف يكون إلزاميًا لا رخصة فيه؟ وهل هناك أجلى وضوحًا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النحل: ٩٠

    وهل هناك حكم عقلي أوضح من قبح الظلم وحسن العدل؟!

    إن هذه القواعد هي ضوابط عقلائية لفهم جميع الآيات القرآنية، والضوابط العقلائية هي أهم آليات فهم التنزيل، يقول تعالى: ﴿لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ كِتاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الأنبياء: ١٠

    جاء في توضيح هذه الآية (٦): إن لسانها لسان امتنان بإنزال القرآن على هذه الأمة، فالمراد بذكرهم الذكر المختص بهم اللائق بحالهم وهو آخر ما تسعه مدركات الإنسان من المعارف الحقيقية العالية وأقوم ما يمكن أن يجري في المجتمع البشري من الريعة الحنيفية، و الخطاب لجميع الأمة ولكنها منزلة إلى مستوى جميع العقلاء، لا عجماوية فيها، هذا التنزيل هو من الله -عز وجل- على هذه الأمة “زعيم حق له فيكم وعهد قدمه إليكم”.

    ولتأكيد هذه النكتة وهي أن وضع القوانين تفضّل وتكرّم من  الله وأنها حقوق صيغت صياغة قانونية نضرب عدة أمثلة؛ فالصلاة مثلًا حق للإنسان بأن يناجي الله فينظر له ويزكيه، والحج حق للمجتمع أن يتلاقى في مؤتمر سنوي في مكان معين وزمان معين لبناء مجتمع متماسك، وتجديد لإحياء الروح الجمعية وإنعاشها وتعميرها، وكلها للإنسان والمجتمع.

    قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ المائدة : ٣

    فالتشريعات لكم، وتمامها لكم، وإن كانت تظهر بجمل إنشائية وأمرية وقانونية ودستورية كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ۚ أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ ۗ إِنَّ اللهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ۞ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾ المائدة:١-٢ لكنها حقوق للناس افترضها الله على نفسه.

  2. وَمَحارِمُهُ المُحَذَّرَةُ، وَبَيِّناتُهُ الجالِيَةُ

    إن الممنوعات والمحاذير العقلائية التي ينهى عنها الشارع أو تشتمل عليها الدساتير والقوانين الإلهية إنما تتحقق أهدافها الراجحة بالإمساك عنها حينما لا يكون فيها إجحاف أو إساءة أو استبداد اد أو إضرار واضطهاد لأحد، أما إذا أخذ فيها مراعاة الإنسان، وتخويفه من السقوط في الضرر  الواقعي، وتربية الإنسان وترويض عقله العملي لمقاطعة ما يشوه فطرته ويطمسها فإنها تكون نعمة إِحْسان و بِرّ، إن الحذرين المشفقين من عذاب الله، النازعين عن أنفسهم أن تتصرف بهم أهوائهم، هم الذين يشعرون بأن من وهبهم تلك التحذيرات إنما قام بذلك لإشفاقه عليهم، وكذلك فإن تلك التحذيرات لها أثر آخر غير الالتزام بها؛ فهي تجعل الإنسان يتشبث بربه أكثر فأكثر ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ ۞ فَمَنَّ اللهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ۞ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ ۖ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ الطور: ٢٦-٢٧-٢٨

    إن هذا التعبير العميق -إنا كنا في أهلنا مشفقين- يعكس لنا النظرة  الواقعية لرؤية الإنسان ومعرفته لحجمه الحقيقي، وحدّه الوجودي فلا يتخطاه؛ لأن المؤكد وبحسب التجربة الحسية أن الإنسان محاط بعوامل القلق والاضطراب والفزع، وكلما تقدمت تجربة الإنسان ورأى آثار تفلته من قيود الطبيعة والقوانين تبينت له الخسائر الكبرى التي يقع فيها.

    ومن الغريب أن يطالب الإنسان بالحرية المطلقة وهو يعلم بالبداهة أنه يتكلم بلغةٍ معينةٍ، ويتعلم بطرق معينةٍ، وينظر بعينين، ويسمع ويحس بأدوات تحبسه وتقيده وتوثقه عن الوصول للحقيقة كلها، بل أحيانًا لأكثر الاحتياجات بساطة وبداهة، ويعلم أيضًا أنه محجوز في نظام وجودي معين، نعم؛ هذا هو الإنسان فلسفيًا وعلميًا، وأما من حيث  الدليل والنص الديني فقد قال الله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي كَبَدٍ﴾ البلد: ٤

    وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ فاطر: ١٥

    وها نحن نرى الإنسان  في عصر الصناعة ما إن ينتهي من صدمة إلا ويقع في أخرى ﴿لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسّ﴾ البقرة: ٢٧٥

    ولا يفوتنا أن نشير في ذات السياق إلى أنه ليست فوائد وملاكات ومصالح المحذورات الشرعية بأقل أهمية من فوائد الواجبات والإلزامات، وكما يقول فلاسفة الأخلاق لا تكون التحلية إلا بالتخلية ولا التربية إلا بالتزكية ولا نماء الأشجار المثمرة إلا بقطع الحشائش الضارة؛ فإذا كان هذا حال النبات ضيق الإدراك المرتبط بحيز مكاني ضيّق فكيف بحال الإنسان؟!

  3. وَبَراهِينُهُ الكافِيَةُ، وَفَضائِلُهُ المَنْدوبَةُ

    وضع الفضائل المندوبة بمعنى جعل المستحبات والنهي عن المكروهات كنوع من وضع ما يتناسب واختلاف مراتب الناس الروحية والمعنوية، واختلاف قواهم البدنية وطبيعة أطوار الناس، فالفضائل لها أهل يعرفون بانتسابهم لها وانتسابها لهم قال أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في وصف أهلها: “فالمتقون فيها هم أهل الفضائل” (٧)

    لأن التزام الفضائل والمستحبات وترك المكروهات تعيد صياغة الإنسان وتحوله إلى موجود روحي متأله ففي الرواية عن الرسول ﷺ وآله: “لا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فأكون أنا سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، وقلبه الذي يعقل به، فإذا دعاني أجبته، وإذا سألني أعطيته” (٨)

  4. وَرُخَصُهُ المَوْهُوبَةُ، وَشَرايِعُهُ المَكْتُوبَةُ

    إذ أن أقوى نقطة في أي تشريع هي ترك الإنسان حرًا في قضايا ليس لها ملاكات إلزامية بأي مستوى، وهي في نفسها ليست معدومة المصلحة، بل المصلحة تكمن في كونه مُخلّى السرب ومتروك العنان؛ ففي هذه الدائرة يظهر الإنسان نفسه ويتعرف عليها وفي ذلك هناك بحث مهم في فلسفة الأديان يعود جذره لعدة معارف منها تنوع التدين وهو نتيجة علمية مهمة لعدة أبحاث .

    إن اقتدار الدين الإسلامي الحنيف على التوازن في احتواء كل مستويات التدين تؤكد لنا أنه الدين الخاتم الذي يمشي بالإنسان ما مشى به، ويجسر للإنسان حياته ليكون مرضيًا عند ربه.

وهكذا ومن خلال كل ما سبق يتطابق القرآن النظرية والدستور والقانون مع الصديقة الطاهرة القدوة والميزان والأنموذج. 


  1.  بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٢٨ – الصفحة ٧٦.
  2.  فدك في التاريخ- الصدر ، السيد محمد باقر –  الصفحة ١٠.

  3.  المصدر السابق- الصفحة ١١.

  4.  للاستزادة، الرجوع للمصدر السابق “فدك في التاريخ”.

  5.  يمكن الرجوع لبعض مصادر الخطبة الفدكية: ابن طیفور، ابو الفضل أحمد بن أبي طاهر، بلاغات النساء، ص ١٢/ ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة، ج ١٦، ص ٢١١ /المجلسي، بحار الأنوار، ج ٢٩، ص ٢٢٢.

  6.  تفسير الميزان – السيد الطباطبائي – ج ١٤ – الصفحة ٢٥٥.

  7.  من خطبة لأمير المؤمنين في وصف المتقين، شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ١٠ – الصفحة ١٣٢.

  8.  ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ٢٥٤٠.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 198٬389 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 0 (0)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (1)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.