تقدم القراءة:

لاتمحو ذكرنا هو القول السديد

الثلاثاء 23 صفر 1446هـ 27-8-2024م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

السلام عليك يا رسول الله، السلام على أمير المؤمنين، وعلى الصدّيقة الطاهرة، وعلى الحسن بن علي، “السَّلامُ عَلَيكَ يا أبا عَبدِ اللهِ وَعَلى الأرواحِ الَّتي حَلَّت بِفِنائِكَ، عَلَيكَ مِنّي سَلامُ اللهِ أبَداً ما بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَيلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ العَهدِ مِنّي لِزيارَتِكُم. السَّلامُ عَلى الحُسَينِ وَعَلى عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ وَعَلى أولادِ الحُسَينِ وَعَلى أصحابِ الحُسَينِ”

السلام عليك يا سيدتي ومولاتي يا عقيلة الطالبيين، يا لسان الله في أرضه، يا قلب النبوات وصبر الأولياء ﴿؏﴾، السلام عليك وعلى المؤمنين الواصلين لعشقك وحبك، الساعين لرؤية القبة الساطعة فوق القبر المطهر، والمتنعمين برؤية الضريح الأنور. 

فهنيئًا لك يا مولاتي هذا الطوفان البشري الذي يبحث عن وصالك وحبك ومواساتك، وهنيئًا لهم كونهم مظهرًا لمنطق الحقّ الذي أقسمتي على أنه لن يمحى ولن يموت أبدًا، وإن سعي هؤلاء العشّاق هو سعي وحياني وربّاني، وهو سعي مؤثر في كل فطرة سليمة وقلب حيّ. 

العقيلة زينب والإفصاح عن مقامات الإمام الحسين﴿؏﴾

لقد صدحت زينب بنت أمير المؤمنين ﴿؏﴾ بكلمة الحقّ الصراح وأقسمت “لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا”(١)، ونطقت بالبيان البليغ في المكان والوقت المناسبين، ولذا نجد نداءها قد دوى عاليًا، وقفز فوق الزمان والمكان، حيث كان خطابها وبيانها بل وقسمها خاضع لكل عناصر الحقّ التكويني، ومطابق للواقع الوجودي الذي ما صارعه باطل إلا وصرعه. 

ولتفسير هذا القول السديد والعميق -المقسوم به- في مقولة السيدة زينب ﴿؏﴾ فإن هذا يحتاج إلى مقدمات: 

أولها: موقع الدنو والقرب الخاص لرسول الله ﷺ وآله وانبساط الوجود المحمدي ﷺ وآله 

فالنبي الأكرم ﷺ وآله هو النور الأول(٢)، والصادر الأول، وَالخاتِمِ لِما سَبَقَ وَالفاتِحِ لِما استُقبِلَ فإن هذا الموقع الخاص لنبي الله محمد ﷺ وآله حيث لا يشاركه فيه غيره من الأنبياء والرسل ﴿؏﴾؛ كونه مقام “مَن دَنى فَتَدَلَّى فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَو أَدْنى دُنُواً وَاقتِراباً مِنَ العَلِيِّ الأعلى”(٣)، وهذا المقام هو الحاكم على كل المقامات، وعلى ذلك فإن واقع الاتصال بين النبي الأكرم ﷺ وآله وبين المقام الإلهي هو الاتصال بلا واسطة، فإن هذا النحو من الدنو هو بمعنى سقوط أو تلاشي كل الوسائط والفاعليات والقوى التي يمكن أن تحدّ وتقهر نفوذ رسول الله ﷺ وآله في موقع القرب من العزيز الأعلى؛ حيث يكون وفي ذاك الموقع القريب انبساط للوجود المحمدي الأقدس ﷺ وآله.

المقدمة الثانية: أن الإمام الحسين ﴿؏﴾ هو نفس رسول الله ﷺ بالتبع 

ثبوت هذه المقامات النورانية والمراتب العليا لنفس(٤) رسول الله ﷺ وآله وهو أمير المؤمنين ﴿؏﴾، نعم فهي لرسول الله ﷺ وآله بالأصالة، ولأمير المؤمنين ﴿؏﴾ بالتبع، ومن ثم للأئمة المعصومين ﴿؏﴾، سيّما الإمام الحسين بن علي ﴿؏﴾ والذي قال رسول الله ﷺ وآله في شأنه: “حسين مني وأنا من حسين”(٥)؛ وبناء على هذا فالإمام الحسين ﴿؏﴾ هو نفس رسول الله ﷺ وآله.

ثالثًا: بذل الإمام الحسين ﴿؏﴾ مهجته في الله ﷻ خاضع لنظام العندية 

وذلك باعتبار أن روح النبي ﷺ وآله وأهل بيته ﴿؏﴾ ثابتة وراسخة في مقام القرب الإلهي بلا واسطة -كما أسلفنا- لذا فعندما يبذل الإمام الحسين ﴿؏﴾ مهجته في سبيل الله “وَبَذَلَ مُهجَتَهُ فِيكَ”(٦)؛ أيّ مهجة رسول الله ﷺ وآله قد بذلت -كونه نفس رسول الله ﷺ وآله-.

وعندما نقول أن الإمام الحسين ﴿؏﴾ بذل المهجة في الله ﷻ -وبلا واسطة-، أيّ أنه بذلها ليس في سبيل الدّين، أو في سبيل الشرع، أو من أجل إقامة العدل، -وإن كانت كلها مطلوبة حتمًا- لكنها أدنى من تلك المرتبة (في الله ﷻ)، بل تندرج تحتها، فإن هداية النّاس وإرشادهم واستنقاذهم من حيرة الضلالة كلها مراتب تترتب على تلك المرتبة العليا (في الله ﷻ) وبلا أدنى واسطة.

يقول أستاذنا الشيخ الجوادي الآملي كون الإمام الحسين ﴿؏﴾ في مقام القرب بلا واسطة بينّية، ولا حاجز أو حاجب أو حائل يمكن أن يؤثر فيه؛ ومن ذاك المقام في القرب الإلهي قد بذل -الإمام الحسين ﴿؏﴾- مهجته في الله ﷻ؛ فهو على ذاك عند مليك مقتدر؛ ولذلك يكون خاضعًا لقانون (العندية)، أو لنقل قانون العندية يكون خاضعًا للإمام الحسين ﴿؏﴾؛ فيكون باقيًا سرمديًا ببقاء مقام الله ﷻ -لا نفس المقام- بل باقيًا بهذا البقاء. 

وبعد هذه المقدمات نستطيع القول: إن هذا المقامات العالية والرفيعة والتي هي للإمام الحسين ﴿؏﴾ بلا واسطة، قد استطاعت عقيلة الطالبيين السيّدة زينب بنت أمير المؤمنين ﴿؏﴾ الكشف والإفصاح والبيان والتسييل عن معانيها ببيان بليغ، وأوصلتها للعالم بالقول السديد.

القول السديد لابنة أمير المؤمنين زينب الكبرى ﴿؏﴾ 

القول السديد(٧) هو ما كان صوابًا تسدّّ به الحاجة، وتغلق به جميع منافذ الشيطان، وتدفع الشك والريب عن الأنفس.

وما مقولة السيّدة زينب ﴿؏﴾ وقسمها: “والله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا” وهذا القول والبيان لهو من أوضح وأكمل مصاديق القول السديد، وهو مصداق لقوله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الأحزاب: ٧٠، قولاً يغلق كل منافذ الشك والريب، وكل منافذ تسلط الشيطان، أو تسلط الأسباب، وهذه كانت سُنّة رسول الله ﷺ وآله كلما صعد المنبر قال: ﷽، ثم قرأ التوحيد، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾.

فمن ذا يسعه أن يرى الحقيقة جليّة؟! ويرى الواقع بهذا القدر من الوضوح والجلاء، وسريان الولاية النافذ في كل أرجاء الوجود! من ذا يسعه أن يقول قولًا سديدًا غير من رُبيت في حجر الولاية زينب بنت أمير المؤمنين ﴿؏﴾؟!

ولو دققنا في سياق الآية الشريفة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾، يأتي بعدها قوله ﷻ: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ الأحزاب: ٧٢

فالأمانة هنا هي الإمامة والولاية(٨)، والولاية الثابتة في متن الوجود، هي الخاتم لما سبق والفاتح لما استقبل، فكل موجودات هذا الكون ومن بينها السموات والأرضون والجبال وكل ما فيهم أبعد من أن تحمل هذا الأمانة، وأضعف وأقل شأنية ومقدارًا، وأدون مرتبة من أن تنال هذا الشأن العالي؛ وتتحمل هذا المقام الرفيع في الولاية، مقام بذل المهجة في الله ﷻ بلا أدنى واسطة. 

وعقيلة الطالبين السيّدة زينب ﴿؏﴾ والتي ترى نفاذ هذه الولاية وبسطها على ساحة الجود، وترى من حمل هذه الولاية، حيث حملها علي وآل علي ﴿؏﴾ وبلا واسطة بينهم لبذل الأنفس في ذات الله ﷻ.

ولذا فإن هذا القسم والذي قد صدحت به بنت أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في مجلس يزيد مند أكثر من ١٤٠٠ عام: “فوالله لا تمحو ذكرنا” لهو القول السديد؛ فكيف يمحى ذكر من ليست بينه وبين الله ﷻ واسطة، “ولا تميت وحينا” فالذي تميته الأسباب الطبيعية تغلبه الأسباب العليا التي هي في أعلى مراتب الوجود.

فلايمكن أن يموت الوحي ولايمكن لأي قدرة أن تكون نافذة وتبلغ هذه المرتبة تكوينًا؛لأن 

قتل الوحي هو قتل الحقيقة وهو موجود مجرد -ليس حسيّ- مرتبط بالله ﷻ، ولا تجري عليه أحكام الموت، إنما تجري أحكام الموت على الأمور الحسيّة فحسب.

وهذه سنة إلهية وجزء من سنّة التكوين، فقتل الوحي ليست كمسألة القتل البدني الظاهري، حيث لا يمكن قتل الحقيقة.

الإمام الحسين﴿؏﴾ ومشروع الاستنقاذ الإلهي

عندما يتحرك الإمام الحسين ﴿؏﴾ من هذا الموقع بذل المهجة في الله ﷻ؛ سيكون هو “الفاتِحِ لِما استُقبِلَ”، أيّ لمن لحق به “من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق لم يبلغ الفتح”(٩)؛ فالذين يأتون من بعده من أهل بيته ﴿؏﴾ وأصحابه أتباع لاحقين به، ومن يتبعه سيلتحق به، وسيكون هو ﴿؏﴾ سببًا في استنقاذه “فَأعذَرَ في الدُّعاءِ وَمَنَحَ النُّصحَ وَبَذَلَ مُهجَتَهُ فِيكَ لِيَستَنقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيرَةِ الضَّلالَةِ”. 

ويترتب على ذلك أمران: 

١- أن الإمام الحسين والذي بذل مهجته في الله ﷻ وهو الوليّ الذي استطاع أن يحمل الأمانة الإلهية والشهادة الإلهية بالمباشرة -بلا واسطة-.

ويتبين لنا موقعية ودلالة قولنا في زيارة الإمام الحسين ﴿؏﴾ يوم الأربعين “وَبَذَلَ مُهجَتَهُ فِيكَ”، إذ ليس بينه وبين وجه الله ﷻ واسطة؛ بل هو وجه الله الذي منه يؤتى(١٠).

وفي الحقيقة فإن هذا المقام هو جزء مهم من نظام الكون والسنّن الكونية، حيث خلق الله ﷻ هذا الكون بنظام الوسائط والمراتب، وهذا القانون لا يتغير ولا يتبدل قال ﷻ ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ فاطر: ٤٣، 

٢- الأمر الآخر هو الاستنقاذ من وجع وألم التيه والضلال، فمن بذل مهجته في الله فهو الذي “يَستَنقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيرَةِ الضَّلالَةِ”. 

فعندما لا يرتبط الإنسان بالإمام الحسين ﴿؏﴾، وهو يرى الأرض وقد ملئت ظلمًا وجورًا، ويرى تعديًا وضيمًا، ويكابد شططًا وتسلطًا وتبجحًا وفسادًا قد ظهر في البر والبحر، فلا شك سيدخل الشيطان في دواخله، ساعيًا بمظاهره وجهوزيته أن يأسر قلبه، ويتسلط على ساحة عقله وروحه، وأعماق نفسه، فيحكم قبضته عليه؛ فكم من عقل أسير تحت هوى أمير؟!

وعندما يبتعد الإنسان عن المشروع الإلهي للإمام الحسين ﴿؏﴾ سيظل ويتيه، يقول الشيخ المفيد عن أهل الكوفة عندما دخل عليهم وفد سبايا أهل البيت ﴿؏﴾ شوهدوا حيارى وقد وضعوا أيديهم في أفواههم؛ ينقل عن بشير قوله: فوالله لقد رأيت النّاس يومئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم(١١)، فقمّة الحيرة أن يصل الإنسان إلى حدّ البكاء، ولكنه يرفض البكاء كي لا يفهم من بكائه أنه معارض رافض للظلم؛ لذا قد نجده وقد وضع يده في فاهه خوفًا من أن يسمع صوت لنحيبه، فيحسب على أنه معارض أو معترض، وهذا في واقع الحال كاشف عن بلوغه قمّة الضياع.

ويمكن أن تكون هذه من مصاديق مصائد الشيطان وحبائله في عالمنا اليوم؛ حيث لا يهدف دائمًا القضاء على النّاس، بل يرغب  ويروم وفي مرات كثيرة أن تغدو النّاس آلات لتنفيذ مآربه، فيملي عليهم ما يشاء، ويجرهم من هاوية نحو أخرى تكون أشدّ ظلمًا وظلامًا؛ ليصبحوا  مراكب ذليلة يمضي بهم نحو صحراء التيه، وليس هذا التيه إلا بسبب الغفلة والبُعد عن ساحات القرب. 

فالموجودات وهم عباد لله ﷻ، فإذا ما كان العبد في حال الجذب -أيّ مجذوب نحو ربّه-، فعندما يسلب منه الارتباط بالإمام الحسين ﴿؏﴾ والابتعاد عن مشروعه الإلهي، ويغلق عليه سبل الاتصال به، فإلى أين يتجه؟ وإلى أين ولمن عساه أن يلجأ؟ 

بل سيضحى غارقًا في حيرة الضلالة، ومحترقًا بألم الجهل.

لذلك عندما يعتلي الإنسان قمّة الحيرة، وينكشف له حاله وجهله وضعفه، سيحتاج حينها إلى من يهديه ويطهّره ويستنقذه من الجهالة وحيرة الضلالة، ويعلمه الكتاب والحكمة ويزكيه(١٢) ويدله على التكليف الصحيح. 

لذا فإن الإمام الحسين ﴿؏﴾ الذي قد بذل مهجته في الله ﷻ بلا واسطة، كما لا واسطة بين الصادر الأول وبين الله ﷻ، وكون الإمام الحسين ﴿؏﴾ هو نفس رسول الله ﷺ وآله -كما أسلفنا وذكرنا- فعلى هذا فلا واسطة في الهداية والتعليم والإرشاد، حيث لا يسبقه سابق في مرتبة من مراتبه؛ فهو يحذو  حذو الرسول ﷺ وآله(١٣) لا يسبقه في ذلك سابق. 

فإذا ما قُتل واستشهد وسفكت دماءه الزاكية، وبذلت مهجته الطاهرة في الله ﷻ سيكون لها دور فعال في استنقاذ العباد من الجهالة وحيرة الضلالة.

وهنا نلفت إلى نقطة أساسية وهامة، عندما يتصل الأتباع والحيارى بالإمام الحسين ﴿؏﴾ -الذي هو متصل بالله ﷻ مباشرة باذل مهجته في الله ﷻ بلا واسطة- فهم عندما يتصلون بمن بذل مهجته في الله ﷻ أولاً: سوف يخرجون من الضلالة -كما أوضحنا-.

والنتيجة الثانية عندما يخرجون من الضلالة سيبذلون مهجهم أيضًا، ولكن ليس في الله ﷻ مباشرة، بل بواسطة الإمام الحسين ﴿؏﴾ “من كان باذلًا فينا مهجته، وموطنًا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا”(١٤)، فمن يتبعهم ويحبهم ويعشقهم ويبذل شيء لله ﷻ؛ فهو يبذله فيهم ﴿؏﴾ “باذلاً فينا”.

أما من لا يبذل المهجة في سبيل الإمام الحسين ﴿؏﴾ فسوف لا يستنقذ من حيرة الضلالة، بل سيظل تائهًا في  صحراء الجهل كما بات عليه حال أهل الكوفة. فهما خياران لا ثالث لهما، وهذا ما نراه بالحسّ، حيث لا يمكن أن يحارب الله ﷻ في سنته وقانونه وملكه وملكوته.

من سنن وفاء الموالين لابنة أمير المؤمنين ﴿؏﴾ 

إن هذا الطوفان البشري وهذه المسيرة المليونية التي نراها تمشي بكل حب وشوق وعشق، والباذلين الأموال والأوقات والطاقات والجهد في سبيل الإمام الحسين ﴿؏﴾، هؤلاء همّ ممن يعدّ مصداقًا جليًا لمقولة السيّدة زينب ﴿؏﴾ “والله لا تمحو ذكرنا، ولا تُميت وحينا”؛ حيث لم يستطع جبابرة العالم وطواغيت الكون كسر هذا القانون وذهبت محاولاتهم عليهم حسرات، ولن يستطع كائن من كان أن يمحي هذا الذكر في القلوب والنفوس أو يزيله من صفحة الوجود.

كذلك لا نجد من يمكنه أن يكسر إرادة هؤلاء العشاق والوالهين من الموالين والمعزين؛ فهم دليل وبرهان حسيَ آخر على عظمة ابنة أمير المؤمنين ﴿؏﴾ ووحيانية قولها وبالنحو الدقيق. 

ولذا فنحن الموالون عندما نبكي على مصاب ابنة أمير المؤمنين زينب الكبرى ﴿؏﴾، وما جرى عليها، نحن لا نبكي لحال امرأة شجاعة فحسب قامت بدورها الإعلامي البطولي الشجاع، حيث وصف البعض دورها بأنه دور تبليغي إرشادي إعلاني -وفي العمق هذا أدنى وصف لدورها ﴿؏﴾ العظيم والجليل-، وهي التي كانت ﴿؏﴾ تلتقط صور الإمام الحسين ﴿؏﴾ منذ نعومة أظفارها، وفي صباها، ومن المدينة وإلى كربلاء، ومن كربلاء إلى الكوفة ومنها إلى الشام، وهي تعضّ على آلامها، وتتغلب على أوجاعها، متقنة فنّ الإعلان والإعلام وباقتدار لا مثيل له، كل هذا نبكيه حقًا، وهذا صحيح.

ولكننا نبكي في العمق وحيانيتها وعفتها وجلالها وجمالها الوحياني، هذا الجلال والجمال الذي لا يسحق ولا يقهر ولا يكسر، وإن كان ما جرى في الظاهر عليها ﴿؏﴾ من هول عظيم، وعلى دورها الذي هو في حقيقته دور إحيائي وحياني؛ قد وصل بين بذل نفس مهجة الحسين ﴿؏﴾ في ذات الله ﷻ، وبذل النّاس من المؤمنين والمحبين العشاق أنفسهم في الحسين وأهل البيت ﴿؏﴾.


  1. “فكد كيدك واسع سعيك، وناصب جهدك، فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا، ولا تدرك أمدنا، ولا ترحض عنك عارها، وهل رأيك إلا فند، وأيامك إلا عدد، وجمعك إلا بدد، يوم يناد المناد ألا لعنة الله على الظالمين. بحار الأنوار ج ٤٥ص ١٣٥

  2.  “أشهَدُ أنَّ هذا سابِقٌ لَكُم فِيما مَضى وَجارٍ لَكُم فِيما بَقِيَ وَأنَّ أرواحَكُم وَنُورَكُم وَطِينَتَكُم وَاحِدَةٌ طابَت وَطَهُرَت بَعضُها مِن بَعضٍ، خَلَقَكُمُ اللهَ أنواراً فَجَعَلَكُم بِعَرشِهِ مُحَدِقِينَ” الزيارة الجامعة

  3.  دعاء الندبة

    ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ۞ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَىٰ﴾ النجم ٥٢-٥٣

  4.  ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ آل عمران:٦١

  5. قال رسول الله ﷺ وآله: حسين مني وأنا من حسين أحب الله من أحب حسينا حسين سبط من الأسباط. بحار الأنوار ج ٤٤ ص ٣٣٠

  6.  فَأعذَرَ في الدُّعاءِ وَمَنَحَ النُّصحَ وَبَذَلَ مُهجَتَهُ فِيكَ لِيَستَنقِذَ عِبادَكَ مِنَ الجَهالَةِ وَحَيرَةِ الضَّلالَةِ” زيارة الأربعين

  7.  كلام يتميز بالإصابة الكاملة بما فيه من إيجاز بليغ يجذب الانتباه بالمطابقة التكوينية لمقتضى الخارج.
  8. (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ ۖ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا) الأحزاب: ٧٢

    جاء في تفسير الميزان 

    والأمانة المذكورة في الآية وهي الولاية الإلهية وكمال صفة العبودية إنما تتحصل بالعلم بالله والعمل الصالح الذي هو العدل وإنما يتصف بهذين الوصفين أعني العلم والعدل الموضوع القابل للجهل والظلم فكون الإنسان في حد نفسه وبحسب طبعه ظلوما جهولا هو المصحح لحمل الأمانة الإلهية فافهم ذلك.

  9. إن الحسين لما فصل متوجها، دعا بقرطاس وكتب فيه:

    ” بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم… أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام” بحار الأنوار ج ٤٤ ص ٣٣٠

  10.  “وأشهَدُ أنَّكَ نُورُ اللهِ الَّذي لَم يُطفَأ وَلا يُطفَأ أبَداً وأنَّكَ وَجهُ اللهِ الّذي لَم يُهلَك وَلا يُهلَكُ أبَداً” زيارة الإمام الحسين ﴿؏﴾ في النصف من شعبان، مفاتيح الجنان، الشيخ القمّي.

  11. قال بشر بن خزيم الأسدي فوالله لقد رأيت النّاس يومئذ حيارى يبكون وقد وضعوا أيديهم في أفواههم ورأيت شيخا واقفا إلى جنبي يبكي حتى اخضلت لحيته وهو يقول بأبي أنتم وأمي كهولكم خير الكهول وشبابكم خير الشباب ونساؤكم خير النساء ونسلكم خير نسل لا يخزى ولا يبزي. الملهوف لابن طاووس ص ١٩٢-١٩٣

  12.  إشارة إلى قوله ﷻ ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ الجمعة:٢

  13.  “وَكانَ بَعدَهُ هُدىً مِنَ الضَّلالِ وَنُوراً مِنَ العَمى وَحَبلَ اللهِ المَتِينَ وَصِراطَهُ المُستَقِيمَ لايُسبَقُ بِقَرابَةٍ في رَحِمٍ وَلا بِسابِقَةٍ في دِينٍ وَلا يُلحَقُ في مَنقَبَةٍ مِن مَناقِبِهِ، يَحذُو حَذوَ الرَّسُولِ صَلّى اللهُ عَلَيهِما وَآلِهِما” دعاء الندبة، مفتاح الجنان، الشيخ القمي

  14. الإمام الحسين ﴿؏﴾ “من كان فينا باذلا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا فاني راحل مصبحا إنشاء الله. بحار الأنوار ج ٤٤ ص ٣٦٧

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 209٬771 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 5 (1)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (2)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.