تقدم القراءة:

ظهور العلاقة الأسرية لبيت الطالبيين في أرض كربلاء

٦ صفر ١٤٤٢ هـ

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أعظم الله أجوركم وأجورنا بشهادة سيدنا ومولانا الإمام الحسين ﴿؏﴾ وأهل بيته وأصحابه الكرام.

عاشوراء عصر يوم واحد، ولكنه جسد الإسلام كلّه، وأخرج للعالم كنوزه!

هنا نسلط الضوء على بُعد مهم نحتاجه في يومياتنا، بل هو رسالة للعالم بأجمعه الذي بات يعيش الضياع والتيه حتى في أدنى المفاهيم الأولية.

والحديث بعنوان: “ظهور العلاقة الأسرية لبيت الطالبيّين ﴿؏﴾ في أرض كربلاء”*.

وكمقدمة نقول:

لقد اجتمعت في هذه المعركة -بين جبهة الإمام الحسين ﴿؏﴾ ويزيد بن معاوية- كلّ أسباب التعارض والتضاد والمواجهة على جميع الأصعدة الوجودية، والتي من بينها جذور وفروع الأسرتين.

إذ لم يكن الصراع في واقعه بين رجلين أو عقلين فحسب. إنما كان بين البرِّ في أرقى وأجلى مظاهره وأبهاها، والمنفعيّة في أوضح صورها. كما نجد تجلي وارتفاع المستوى الروحيّ والإنساني في أسرة بأكملها، وانخفاضه في الأخرى المقابلة لها. بل وعبر مرّ التاريخ لا وجه للمفاضلة بحال من الأحوال بين بني طالب ﴿؏﴾ وبني أمية عليهم لعائن الله. لا في كربلاء، ولا في ما قبلها أو ما بعدها.

وإنما هي فوارق خالدة وستبقى كذلك دائمًا بين مزاج الموحّد الخالص لله ﷻ، والمشرك الذي انغمس في أهوائه ولذائذه حتى أخمص قدميه. في معركة دارت رحى الحربِ بينهما على أشدّها في ساحة أرض كربلاء.

إن أسباب الخلاف بين الأسرتين جمعت بين دفتيها كلّ ألوان الاختلاف عبر أجيال طويلة ممتدة وأحداث عديدة.

وهنا يطرح السؤال: كيف أدار الإمام الحسين ﴿؏﴾ تلك المعركة؟ حيث أظهر شمائلَ وأخلاقَ وخصائصَ الأسرة الطالبية في قبال أسرة عبدِ شمس والمتمثلةِ في يزيد حينها.

نوجز الإجابة في نقطتين:

١- لم يصطحب الإمام الحسين ﴿؏﴾ معه إلى كربلاء إلا أسرته (بالمعنى الواسع للأسرة). والتي تشمل الطالبيين من أخوته وأخواته وبني عمّه وأطفالهم. ولعلّ في ذلك إظهار لشمائل وفضائل هذه الأسرة النبيلة والتي تمخضت عنها كل نجابة وأريحية وتمام الصلاح. كما قال العقاد في كتابه (سيّد الشهداء): الأسرتان تختلفان في الأخلاق، ومرجع ذاك الاختلاف؛ كون بني هاشم في الأغلب الأعمّ مثاليون وأريحيون سيما بنو فاطمة الزهراء وعلي ﴿؏﴾، وأمّا بنو أمية فهم انتفاعيّون.

وإذا ما دخلت الأسرتان في صراع وخاضت معركة وجودية أصبغها بني أميّة بالدمويّة؛ فلا محال أنه سيتبيّن وبجلاء خصائص البيوتات الطاهرة والعالية، وستبدو أشدّ وضوحًا لكلّ ناظر للجبهتين، إذ لم يعدّ ما يجمعهما حينها إلا التقابل والتضاد.

أما بالنسبة لبيت الطالبيّين (وهو موضوع حديثنا) لا يمكن القول بحال أن سبب خصائصه العالية تلك؛ تقارن وتقارب عادي أو اعتباري أو قانوني أو حتى افتراضي، أو أنها تركّبت من الصدفة العبثية. كما أنها حتمًا لم تتولّد من خلال التطور الطبيعي غير الواعي للأسرة؛ بل كانت وفق سُنن العناية الربّانية، إضافةً إلى ذلك عكوف الإمام الحسين ﴿؏﴾ بعد شهادة أخيه الإمام الحسن ﴿؏﴾ على تربية أهل بيته، وضم أبناء أخيه إليه، كما وعلاقته بأبناء عمّه عقيل.

كما نجد أن كلّ الديانات الإلهية قد اهتمت بموقعية وشأن الأسرة وأولتها الأهمية البالغة، إلا أن كربلاء قد كشفت لنا عن هذه الوشائج؛ كونها آية إلهية في التكوين، وذلك من خلال سريان وظهور محبة الله ﷻ وحنانه وحكمته البالغة التي صنعتها يد الخالق ﷻ فأجراها للناس فيضًا على أيادي خيار خلقه ﴿؏﴾ وأحبهم إليه، والتي بدأت من الأسرة وانتشرت في المجتمع؛ لتوضح الأهداف والمقاصد الربّانية العُليا للموجودات، وتبرز التدبير الربّاني من صميم الخلق، فيستشرف الوجود صفات الله ﷻ وأسمائه بجمالها وجلالها.

٢- إن مفهوم الأسرة في الإسلام لا يعني ما يضعه ويؤطره الغرب في الأطر الضيّقة؛ أي المكون من: الأم والأب والأبناء؛ بل هو أوسع من ذلك بكثير؛ إذ يشمل الإخوة والأخوات وأبناءهم، كما يشمل الأعمام وأبناءهم، ثم الأقرب فالأقرب، حتى يتسع ويتسع ليشمل جميع المؤمنين؛ فكما جاء في الرواية:” المؤمن أخو المؤمن”(١).

وهذا التوسع الرحمي لم يكن نَسَبِيًّا فحسب في مدرسة كربلاء، بل كان سَبَبِيّا أيضًا، فهذه الحلقة الأسرية والتي ضمت أصحاب الإمام ﴿؏﴾ باختلاف أدوارهم؛ قد شكلّت الأسرة الواحدة بالمعنى الحقيقي للأسرة، التي التفت تحت كنف ومظلة أبٍ واحد.

جمعت هذه الأسرة مِحوَرَين: اعتقادهم بالقيادة والمرجعية العليا للإمام الحسين ﴿؏﴾، والانقياد الكامل له. فكلهم ودون استثناء ساعٍ في طلب رضا الإمام ﴿؏﴾، وعدم معصيته في أمر مهما عدّ كبيرًا أو صغيرًا.

إن هذه النقطة تعدّ أساسية ومحورية؛ فقدرة هذه الأسرة على احتمال كلّ  تلك الفجائع التي عمّتهم والبلايا التي نزلت بهم، وهذا الالتزام الدّقّي، والتفاني والذوبان الإرادي في الحسين ﴿؏﴾ يدلّ على أهمية وموقعية القيادة الإلهية الحكيمة في بناء وعي الأسر المتدينة.

إن الروابط والعلائق التي أوجدها الله ﷻ بين المقودين وقيادتهم؛ لم تفرضها الطوارئ والقناعات المؤقتة، أو الخطابات التعبوية، إنما فرضها المعتقد الخالص الصاف. إذ لم ينقل لنا التاريخ خطابًا حماسيًّا تعبويًّا ألقاه الإمام الحسين ﴿؏﴾ على مسامع أسرته أو أهل بيته أو أصحابه. فمن تأتي به القناعة المؤقّتة تُذهبُه القناعة الطارئة.

وعليه، صحّ أن نقول: إن كربلاء قد علّمتنا أن النسب الطاهر والتربية الواعية والالتفاف حول القيادة الحكيمة هي وحدها من تصنع من العالم بأسره مدرسةً لبناء أُسَرٍ صغيرة كانت أو كبيرة، أُسرٌ كالبنيان المرصوص لا يُزعزعها ترهيب الطغاة ولا ترغيبهم، أُسرٌ يحبّها الله ﷻ.

وأخيرًا، أتقدم بالشكر والإمتنان للعتبة الرضويّة المباركة لإتاحتها هذه الفرصة القيّمة للخدمة الحسينية.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.


* العتبة الرضوية المقدسة – الندوة الافتراضية “تعلمت من كربلاء” – بالتعاون مع المجمع العالمي لأهل البيت ﴿؏﴾، وجمعية الإمام المنتظر (عجل الله فرجه) العالمية، وجامعة المصطفى (ص) العالمية.

١. الإمام الصادق (عليه السلام): “إنما المؤمنون إخوة بنو أب وأم، وإذا ضرب على رجل منهم عرق سهر له الآخرون” [ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٣٨].

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 210٬481 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 5 (1)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (2)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.