تقدم القراءة:

حقيقة العقل والكرامة الأسرية في رحاب سورة الكوثر

١٤ ربيع الأول ١٤٤٨ هـ

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

خلق الله ﷻ الإنسان وأكرمه بالعقل، وليس المراد بالعقل هنا مجرد القدرة على التفكير، بل الحكمة في إتيان الأشياء حقها، ووضعها في مواضعها كما ينبغي لها، على الصعيد الفردي والأسري والاجتماعي.

 أما إعمال التفكير، واستثمار القدرات الذهنية دون هداية يدعو الإنسان إلى ركوب الظلم والاستهتار بحقوق الآخرين واسترخاص دماءهم، وكلما ازداد الإنسان علمًا ماديًا بمعزل عن منظومة القيم الإلهية؛ ازدادت لديه وفيه القدرة على التدمير وانتهاك الحقوق.

ولعلّ أهمّ المؤسسات التي تتعرض اليوم للهدم -بسبب الانحرافات السلوكية والاستغراق بالملذات الدنيوية- هي مؤسسة الأسرة، مما يترتب على ذلك انهدام مروءة الفرد وضياع كرامته.

 الولاية مصدر لكرامة الفرد والأسرة والمجتمع

تؤكد النصوص القرآنية والروايات الشريفة على أن كرامة الأسرة ومروءتها لا تتحقق إلا بسلوك سبيل الولاية والتمسك بها.

وكما ورد في إذن الدخول لزيارة أمير المؤمنين ﴿؏﴾: «الحَمدُ للهِ الَّذي أكرَمَني بِمَعرِفَتِهِ وَمَعرِفَةِ رَسُولِهِ وَمَن فَرَضَ عَلَيَّ طاعَتَهُ رَحمَةً مِنهُ لي وَتطَوُّلاً مِنهُ عَلَيَّ وَمَنَّ عَلَيَّ بِالإيمانِ، الحَمدُ للهِ الَّذي أدخَلَني حَرَمَ أخي رَسُولِهِ وَأرانِيهِ في عافِيَةٍ، الحَمدُ للهِ الَّذي جَعَلَني مِن زُوَّارِ قَبرِ وَصِيِّ رَسُولِهِ».

فالكرامة الحقّة ثمرة راسخة في أسورة هذه المعرفة الربّانية.

ونرى تجليات تلك الحقيقة في ثنايا سورة الكوثر، إذ تسلط الضوء على لحاظ جديد يختص بالأسرة النورانيّة، الكريمة والممتدة.

 أبعاد عطاء الكوثر بلحاظ طرفيّ الهدية

تتكشف قيمة هذه الهدية المكرِمة والكرامة المترتبة عليها من خلال معرفتنا لطرفيها:

المُعطي أو المُهدي ﴿إِنَّا﴾:

 حيث جاء التعبير بصيغة العظمة الإلهية اللامتناهية في القدرة، والعلم، والرحمة، والكرم.

وعندما يعلن الحق ﷻ  أنه المُعطي، فإن الهدية تنطوي بالضرورة على صفاته ومكارمه ونوره إرشادًا وهداية؛ فتصبح الهدية ذاتها كريمة ومُكرمة للإنسان؛ وكما قالت السيدة زينب ﴿؏﴾: «الحمد لله الذي أكرمنا بنبيه»، وكما ورد في الزيارة: «الحَمدُ للهِ الَّذي أكرَمَني بِمَعرِفَتِهِ وَمَعرِفَةِ رَسُولِهِ».

المُهدَى إليه ﴿أَعْطَيْنَاكَ﴾:

 يختص الخطاب بالضمير (الكاف) بالنبي الأكرم ﷺ وآله، صفوة الخَلق وحبيبه وخليله.

وما إعطاء الحكمة والكرامة لمن يعيها، ويمتلك القابلية التامة لها؛ لهو عين الحكمة وتمام الإكرام؛ إذ إن إعطاء الحكمة لغير أهلها يُعدّ ذلاً للحكمة وللمُعطَى على حدّ سواء.

حقيقة الكوثر:

 الكوثر وهو المنبع الأصيل للخير الدائم الذي لا ينضب ولا ينقطع دائمّا سرمدّا.

ومن خلال القرائن الحافة والداخلية، وأسباب النزول التي أكدت على أن المقصود به هي الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء ﴿؏﴾، في قبال من اتهم النبي الأكرم ﷺ وآله بأنه أبتر.

 الأثران المحوريان للعطيّة في شخص النبي ﷺ وآله

تُحقق هذه العطية الإلهية لرسول الله ﷺ وآله كرامة عظيمة، وهي بذات الحال ترفع عنه هَمّين أساسيين، جاذبةً ومجسدة لأرفع خصلتين كما جاء ذكرهما في الحديث الشريفة: «إن أكمل الخصال الإيمان بالله، وإكرام عباد الله».

الأول: توطيد الصلة بالخالق وذلك في قوله ﷻ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾

 فالصلاة هي معراج المؤمن، وتجسيد لارتقاء صلته بالخالق، وكانت تقوية هذا الارتباط هو الهمّ الأول لدى رسول الله ﷺ وآله.والتعبير بـ ﴿رَبِّكَ﴾ يشي بنحو من العلاقة المخصوصة، وتلطف إلهي استثنائي بنبيه الأكرم ﷺ وآله.

الثاني: نفع العباد وإكرامهم، وذلك في قوله ﷻ: ﴿وَانْحَرْ﴾

وذلك استجابةً لهَمّ النبي الأكبر ﷺ وآله في تمام منفعته للأمة، وما النحر إلا مثال تام للبذل لعيال الله؛ ويتسع لِيَشمل إطعام الطعام، وقضاء الحوائج بالمال، والعلم، والتنوير، والإرشاد، والجهاد، ومعالجة أزمات الآخرين دون مَنّ ولا أذى.

 ويُضاف إلى ذلك أن في البذل والنحر خصوصية أنهما يحصنان الإنسان من البلاء، وكما أن وعاء المرء يتسع وتتسامى روحه كلما احتوى الآخرين، وشعر بمسؤوليته اتجاههم.

 حقيقة الأبتر وتفكك الأسر في قبال الإتصال بالولاء

المفهوم الواقعي للأبتر. وذلك في قوله ﷻ: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾

إذ ليس الأبتر من قَلّ أو انقطع نسله -فإن مبغضي النّبي الأكرم ﷺ وآله كان لهم أبناء-، بل الأبتر هو المنقطع عن الخير والحكمة والرشاد؛ أما الوفرة المادية دون ولاية الله تجعل من الإنسان يتضخم في ذاته، وستبرز عليه ملامح الاعوجاج في صفاته وأخلاقه؛ مما سيخلق حواجز نفسية بينه وبين الآخرين سيستتبعها إنقطاع ارتباطه بهم رويدّا رويدّا، ليغدو هو الأبتر في نفسه وحقيقته وواقعه.

الغيرة والحميّة أصل للكرامة الإنسانية:

 فالأسر المتماسكة هي التي تتصل بأسرة الرسول الأكرم ﷺ وآله، أما التفكك فمنشأه الأنانية والتحلل من سجايا العزة والكرامة.

ومن مظاهر انعدام الكرامة الأسرية في زماننا هذا ما نجده في استهانة الرجل بستر زوجته وأهله وعفافهم وحشمتهم دون أن تُستثار غيرته؛ فالكريم -كما يذكر الشيخ جوادي الآملي- هو من يغار على نفسه وعرضه وأهله، وانقطاع تلك الصفات سيهدم الأسرة من الداخل، وسيحرمها بركات ونفحات الولاية.

 طهارة الكوثر واستغنائها عن الشواهد

إن الصّديقة الزهراء ﴿؏﴾ هي المنبع الأصيل للصدق والطهارة والعفة والمعرفة وتجلّ للنور والرحمة في الأمة، ومن كان هذا موقعه في الملكوت الأعلى، وهذه حقيقته الكوثرية، يستحيل لمن عرفه وعرف حقيقته أن يُطلب منه جلب الشهود والبراهين على حقّ مادي أو قطعة أرض؛ فالكوثر هو المقياس المطلق للحقّ والصدق، ومن يختلف معه أو يتردد في دعواه؛ هو القليل والأبتر والناقص.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تاريخ كربلاء قراءة عمودية 0 (0)

﷽  وأفضل الصلاة والسلام على خير الأنام المصطفى ﷺ وعترة الطاهرة ﴿؏﴾ أعظَمَ اللهُ اُجورَنا وَأُجُورَكُم بِمُصابِنا بِالحُسَينِ ﴿؏﴾، وَجَعَلَنا وَإيّاكُم مِنَ الطَّالِبينَ بِثأرِهِ مَعَ وَليِّهِ الإمامِ المَهديِّ مِن آلِ مُحَمَّدٍ ﴿؏﴾ وقبل البدء أتقدم بالشكر للعتبة...

بنيان مرصوص ٢ 5 (1)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (2)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.