تقدم القراءة:

ظاهر في بطونه ومكنونه وباطن في ظهوره

الجمعة 8 ربيع الثاني 1438هـ 6-1-2017م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

4
(2)

أقدم أهنَأ التباريك بميلاد الإمام أبي محمد الحسن بن علي العسكري عليهما السلام.*

هناك تناسب بين ما نحن فيه وبين دور الإمام العسكري عليه السلام، ولنا فيه أسوة وقدوة وتبعيّة وهويّة. فهو الإمام الذي قضى عمره الشريف كله إما مسجونا أو تحت المراقبة والمحاصرة والتضييق الشديدين.

ولعل الملفت أن الإمام العسكري اختصّ عن سائر المعصومين بأنه سمي باسم المكان الذي سجن فيه. فإننا مثلا لا نسمي أمير المؤمنين بالنجفي، ولا نسمي الحسين عليه السلام بالكربلائي، فما هي خصوية اسم الإمام العسكري خصوصا أن اسمه عند الله كذلك؟

سنتحدث عن السمة الخاصة في مظلومية الإمام ودوره و بيان البعد الرباني في التركيبة بين اسم الإمام والمنطقة التي حوصر وسجن وأدى فيها وظيفته تحت عنوان ظاهر في بطونه ومكنونه وباطن في ظهوره. 

تعوّدنا أن نشرع العناوين التي ننتخبها ونفكك معانيها لتتضح الفكرة لذا سنشرع في بيان العنوان: 

نحن نعلم أن الغرض الإلهي من وجود الإنسان هو ظهور أسماء الله وصفاته وتجلياته فيه. وإن كان التعبير بالغرض تعبيرا غير دقيق، لأن هذه حتمية وضرورة تكوينية لا تسمى بالغرض، فالضروريات لا تعلل – كما يقول الفلاسفة – فكما لا يصح أن نقول: لماذا يقسم العدد الزوجي بلا كسور، فذاك لأن موقعه العقلي يقتضي صحة التقسيم على اثنين؛ فلا يصح أن نسأل لماذا وجد الإنسان فإن الأشياء إذا وُجدت وجبت. وإذا وجبت وجدت.

ولأن مقتضى وجود الله تكوينا أن يوجد الإنسان الهادف المختار الموجود المدرك – وهذا معنى كمال الوجود – ، فأفضل مبرر مقنع لحكمة وجود الإنسان أنه ضرورية وجودية، وهذا ما يعبر عنه القرآن بنحو من التبسيط بقوله: ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ﴾ الذاريات: 56. والعبادة ليست إلا ظهور أسماء الله في أفعال الإنسان الإيجابية التي يراد ويقصد منها هذا الأثر.

لاحظوا أن الصيغة في الآية صيغة تقرير، إذ لم يقل: (خلقتكم للعبادة) بل: (ما خلقتكم إلا لأجلها) يعني أن هذا مقتضى الأصل والواقع. ما خلقت الجن والإنس لكي يظهر منهم الضعف والوهن والسلب والعدم، بل (ليعبدون) فالعبادة هي ظهور كل فضيلة وخير، أي لتظهر أسماء الله وتجلياته، فلولا خلقهم لكان الوجود غيب في غيب. ولم يرض الله للإنسان نعمة دون أخرى – كما يعبر الإمام الحسين (ع) في دعاء يوم عرفة – فكان كمال الإنسان أنه ضرورة ظهورية، وظاهرة وجودية لا تنفك عن الله .

ويختلف اقتطاف هذه النتيجة بمقدار اختلاف مستويات الناس. فمن كان قريبا من الشجرة النبوية والدوحة الهاشمية فإن وجوده هو اقتطاف كامل النضج لهذا التكوين الضروري.

ونحن نعلم أن أحد أسماء الله (الظاهر والباطن) لأن الله ظاهر من جهة تمام وجوده وباطن في نفس الوقت لهذا السبب، وكل الأئمة عليهم السلام هم الفيض الكامل للأسماء الإلهية، ولكن كل بحسب ظرفه وظرفيته تبرز فيه بعض أسماء الله أكثر.

انطلاقا من المقدمات السابقة يمكننا أن نتحدث حول دور الإمام العسكري (ع) ونبيّن خصوصية دوره وتجليته لتلك الأسماء الإلهية:

دور الإمام العسكري الظاهر الباطن

لقد كان الإمام العسكري يمارس دوره بشكل كامل. وكان في ذلك غاية في الظهور مع اختفاءه وقصر مدة إمامته، وسرعة غيابه وحبسه وسجنه. ويمكن لهذا المدعى أن يتجلى بالمرور السريع على ثلاثة وجوه من أدوار الإمام الحسن العسكري:

  • الوجه الأول: طبيعة سجن الإمام وارتباط دوره بسعة عالمه الباطني.

هناك من رأى أن الإمام – بالأصل – قد ولد في هذه الظروف وهذا المكان. وقد نقل لنا التاريخ جزءا مهما جدا من حالات الإمام الباطنية – وإن كنا نعني أن ما نقل من تلك الأحوال هي آثارها باعتبار أنها باطنية غيبية- ، وما ورد من انقطاع الإمام وعبادته أو أحداث انقلاب أحوال سجانيه وشانئيه ومبغضيه ليست قضية أو قضيتين، بل سيرة وديدن، وهذا دليل واضح على حالة الغوص في عالم الغيب والقدرة على التصرف في الأرواح.

إن إعمال الإمام (ع) للبعد الملكوتي قد يكون بتدبير ظاهري من الإمام، كما في قضية الخراساني الذي يشرب الخمر، وطلب لقاء الوالي فحجبه الوالي تأديبا. وحينما زار الوالي سامراء امتنع الإمام عن استقباله وحجبه. فانتظر الوالي الإمام حتى خرج من داره، وألقى بنفسه على الأرض يقبل قدمي الإمام ويمرغ وجهه بالتراب، فقال الإمام إنما حجبتك لأنك حجبت فلان. وحينما سمع هذا الخراساني بفعل الإمام تاب وآب إلى الله وانقلبت أحواله. وقال: أمن أجلي يحجب الإمام الوالي !!؟

وهناك أمور يمارسها الإمام بقوته الباطنية، كما حدث مع الخليفة العباسي الذي أراد اغتيال الإمام، فعلم بذلك أصحاب الإمام وأخبروا الإمام فقال: لا عليكم فقد نازلت الله فيه، وفعلا هلك بعد ثلاث أيام.

ثم إن نفس كون الإمام في سجن انفرادي كاشف عن مدى أنسه بالله وعمق وسعة عالمه الباطني.

  • الوجه الآخر: ظهور الإمام في بطونه.

مع قسوة ظروف سجن الإمام العسكري، بل ظروف حياته التي كانت محاطة بالمراقبة والتضييق كانت متابعة الإمام دقيقة ومفصلة لشؤون أمته وشؤون الشيعة صغيرها وكبيرها. كما أنه كان متابعا لشؤون الأمة.

روي عن عيسى بن صبيح أنه قال: دخل الحسن العسكري عليه السلام علينا الحبس وكنت به عارفاً، فقال لي: “لك خمس وستون سنة وشهر ويومان ” . وكان معي كتاب دعاء عليه تاريخ مولدي، وإني نظرت فيه فكان كما قالوقال: “هل رزقت ولداً؟”  قلت: “لا”. فقال: “اللهم ارزقه ولداً يكون له عضداً ، فنعم العضد الولد” . ثم تمثل عليه السلام:

من كان ذا عضد يدرك ظلامته       إن الذليل الذي ليست له عضد

قلت: “ألك ولد؟” . قال: “إي والله سيكون لي ولد يملاً الأرض قسطاً وعدلاً، فأما الآن فلا” . ثم تمثل:

لعلك يوماً أن تراني كأنــــما       بنيّ حوالــي الأســود اللوابـــد

فإن تميماً قبل أن يلد الحصى       أقام زماناً وهو في الناس واحد

ولنقرب مثل هذه الأمور هل تتصور أن تدخل على مرجع ويسألك في تفاصيل شؤونك الخاصة وما ذاك إلا كاشف عن متابعة الإمام لكل شؤون وأحوال شيعته؟!

  • وأما اهتمامه بالشأن العام للأمة:

فقد روى ابن شهر آشوب عن كتاب التبديل لأبي القاسم الكوفي أن إسحاق الكندي كان فيلسوف العراق في زمانه، أخذ في تأليف كتاب حول تناقض القرآن وشغل نفسه بذلك، وتفرد به في منزله، وإن بعض تلامذته دخل يوماً على الإمام الحسن العسكري، فقال له أبو محمد عليه السلام: ” أما فيكم رجل رشيد يردع أستاذكم الكندي عما أخذ فيه من تشاغله بالقرآن؟ “. فقال التلميذ: “نحن من تلامذته كيف يجوز منا الاعتراض عليه في هذا أو في غيره .”!?

فقال له أبو محمد: “أتؤدي إليه ما ألقيه إليك؟”. قال: “نعم”. فصر إليه وتلطف في مؤانسته ومعونته على ما هو بسبيله، فإذا وقعت الأنسة في ذلك فقل قد حضرتني مسألة أسألك عنها، فإنه يستدعي ذلك منك، فقل له: إن أتاك هذا المتكلم بهذا القرآن هل يجوز أن يكون مراده بما تكلم منه غير المعاني التي قد ظننتها أنك ذهبت إليها؟ فإنه سيقول لك أنه من الجائز، لأنه رجل يفهم إذا سمع، فإذا أوجب ذلك، فقل له: فما يدريك لعله قد أراد غير الذي ذهبت أنت إليه فيكون واضعاً لغير معانيه.

فصار الرجل إلى الكندي وتلطف إلى أن ألقى عليه هذه المسألة، فقال له: “أعد علي”. فأعاد عليه، فتفكر في نفسه ورأى ذلك محتملاً في اللغة وسائغاً في النظر، فقال: ” أقسمت إليك إلا أخبرتني من أين لك؟ ” فقال: ” إنه شيء عرض بقلبي فأوردته عليك “. فقال: ” كلا ما مثلك من اهتدى إلى هذا، ولا من بلغ هذه المنزلة، فعرفني من أين لك هذا؟”  فقال: ” أمرني به أبو محمد” . فقال: ” الآن جئت به وما كان ليخرج مثل هذا إلا من ذلك البيت ” ؛ ثم إنه دعا بالنار وأحرق جميع ما كان ألفه.


* المحاضرة بمناسبة ميلاد الإمام العسكري (ع) 38هـ 

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 4 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 4 / 5. عدد التقييمات 2

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 198٬514 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 0 (0)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (1)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.