قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ في الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ﴾ الحج/ 41
موقعية الحج:
لمعرفة موقعية الحج نقسّم ما ورد في القرآن والنصوص المقدسة حول فريضة الحج إلى:
-
بركات وآثار الحج
-
غايات الحج ومقاصده
وسوف نتناول هذين القسمين بالبيان فيما يلي:
1- بركات وآثار الحج:
للحج بركات وآثار خاصة:
يقول تعالى: ﴿ لِّيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ ﴾ الحج/ 28 ويقول: ﴿ إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ ﴾ آل عمران/ 96 بناءً على أن اللام لام المنفعة.
ويقول تعالى: ﴿ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ ﴾ البقرة/ 197 بناءً على أنه رياضة روحية لأن الآية تختم بقوله تعالى: ﴿ وتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَىٰ وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ ﴾ ويقول أمير المؤمنين عليه السلام “وإنما هي نفسي أَروضها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الفزع الأَكبر”.
فالحج أشبه بالدورات المهاراتية التي نتعلم فيها ما ينشط الفضائل المعنوية، ويخمد جمرة الرذائل التي نقع فيها وبانسياب عن عمد منّا وغالباً عن غفلة، وهذا ما يتفاوت ويتفاضل فيه الناس فلا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى.
2- غايات ومقاصد الحج:
وهنا يكمن الارتباط بين موقعية الحج وخلافة الإنسان لله سبحانه، فللحج علة غائية وأهداف نهائية إذا ما حققها الإنسان أعتُبر أنه أصبح ممثلاً للخلافة الإلهية التي هي الغرض النهائي والعله الغائية من خلقته.
ويجب أن نوضح هنا أن الفارق بين آثار الحج وغايات ومقاصد الحج يكمن في أن آثار الحج وبركاته يمكن أن تتحقق بأداء الحج في حركة فردية لأنها ناظرة إلى المنافع التي تنعكس على الحاج نفسه، كقربه من الله، وانفلاته من حبائل الرذائل، وحصوله على الكرامة الفردية لأن ﴿ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ – لاحظ هنا أن التفاضل مراتب – كما أن من آثار الحج تزويد الإنسان بالعفو وأسباب الصفح وغفران الذنوب، وخروجه من عالم الدنيا الملوث وعودته ببراءة الطفل الفطري الموحد كيوم ولدته أمه، وإعادة عمارة ما انهدم من استعداده و حالاته وملكاته.
أما الغايات النهائية من الحج فهي نحو من المضامين التي لا تتحقق إلا بعمل جماعي وعبادة اجتماعية، وفي هذه الدائرة بالضبط يتّحد موضوعنا المقترح بمحموله ( موقعيه الحج والخلافة الإلهية)، ولبيان هذا الاتحاد وهذا الارتباط بين الحج والخلافة الإلهية يحسن بنا أن نلاحظ الخطابات القرآنية التي تصف الحج ومكة والبيت الحرام بأنها عبادة لا تتحقق أغراضها النهائية إلا بالناس، كل الناس بعد إسقاط كل الخصائص الفردية والقومية والجغرافية والطبقية.
وما يؤكد هذا المدعى إلى حدّ الجزم أن الخطاب في سائر العبادات غالباً يقيد بوصف معين ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ﴾ المائدة/ 1 ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ﴾ البقرة/ 183﴿ إنَّ الَّذِينَ آَمَنُواوَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ﴾ البقرة/ 277 بينما لحن الآيات التي تحدثت عن الحج كفريضة إلهية يختلف عن سائر العبادات، من ذلك قوله تعالى ﴿ إنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ ﴾ آل عمران/ 96 ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا ۚ ﴾ آل عمران/ 97 ﴿ وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَىٰ كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴾ الحج/ 27 ﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ ﴾ المائدة/ 97
إذن هناك غاية نهائية للحج لا تتحقق ولا تظهر جليّة وعينية إلا باجتماع الناس عليها، واتحادهم على حملها، وانصهارهم فيها بلا قيد ولا شرط بعد سقوط الفوارق بينهم وعودتهم إلى هويّتهم الأولى وحرق هويّاتهم الطائفية والوطنية، وإفناء حالة العصبية والمنطقية والانتماءات العرقية.
فمكة هي الوطن الأصيل الذي يصلي فيه الناس كما يصلون في أوطانهم الوهمية صلاة كاملة، ومكة هي محل إذابة الفوارق وإسقاط قشور التكبر والغرور كما جاء في روايات الحج، وهذا ما نصطلح عليه بالخلافة الإلهية، فالحجاج وفد الله، ومن خاصية الوفد أن تنصهر المجموعة فيه في موكب موحّد ومطالب موحدة وحاجات مشتركة، خطيب الوفد للملك عنهم واحد يرتضونه لحمل أماناتهم وحاجاتهم ، إذا لا يليق أمام ملوك الملوك العجيج والضجيج .
ولو فرضنا صحة المقولة “ما اكثر الضجيج وأقل الحجيج” فذلك لأنهم لم يكونوا وفد الله يجمعهم هدف واحد وينوب عنهم وليّ واحد يتبعونه، وإنما كانوا همجاً لم يرعوا الأدب مع مالك الملك.
وعجب من جهلنا حين نحصر الحج في بعده الأول ونخال أننا أدينا وظيفتنا بعبادتنا الفردية، فالكل مختنق بمحليّته، ونظام سير حملته وقوانينهم، مع أنّ الله يقول: ﴿ ثم أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ ﴾ البقرة/ 199
أضرب مثالاً للتفكير الفقهي الاجتماعي:
يقول السيد الشهيد في كتابه ( الإنسان وخلافة الأنبياء) في معرض حديثه عن الملكية -” وسيظهر لنا أن الحج أشد أهمية من الملكية في ظهور الخلافة الإلهية – عملية الاستخلاف الربّاني للجماعة على الأرض بهذا المفهوم الواسع تعني:
أوّلاً: انتماء الجماعة البشرية إلى محورٍ واحدٍ وهو المستخلِف – أي اللَه سبحانه وتعالى – الذي استخلفها على الأرض بدلاً عن كل الانتماءات الاخرى، والإيمان بسيّدٍ واحدٍ ومالكٍ واحدٍ للكون وكلّ ما فيه، وهذا هو التوحيد الخالص الذي قام على أساسه الإسلام وحملت لواءه كلّ ثورات الأنبياء تحت شعار ” لا إلهَ إلّاالله ” ﴿ صِبْغَةَ اللَهِ وَمَنْ أحْسَنُ مِنَ اللَهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ ﴾ البقرة/ 138. ﴿ يَا صَاحِبَي السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَهُ الوَاحِدُ القَهَّارُ ﴾ يوسف/ 39
ثانياً: إقامة العلاقات الاجتماعية على أساس العبودية المخلِصة للَه، وتحرير الإنسان من عبودية الأسماء التي تمثِّل ألوان الاستغلال والجهل والطاغوت: ﴿ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إلّاأسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا ﴾. يوسف/ 40
ثالثاً: تجسيد روح الاُخوّة العامّة في كلّ العلاقات الاجتماعية بعد محو ألوان الاستغلال والتسلّط. فما دام اللَه سبحانه وتعالى واحداً ولا سيادة إلّا له والناس جميعاً عباده ومتساوون بالنسبة إليه، فمن الطبيعي أن يكونوا إخوةً متكافئين في الكرامة الإنسانية والحقوق كأسنان المشط على ما عبّر الرسول الأعظم (ص) . ولا تفاضل ولا تمييز في الحقوق الإنسانية، ولا يقوم التفاضل في مقاييس الكرامة عند اللَه تعالى إلّا على أساس العمل الصالح تقوىً أوعلماً أو جهاداً: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلإنْسَانِ إلّا مَا سَعَى ﴾ النجم/ 39.
يقول أحد الفضلاء: “ في الفقه الديني ثمة مساحة واسعة تعطي الفرد فيها حق الملكية الكاملة والمطلقة للأموال والثروات التي بين يديه، ويكون تصرفه فيها بحسب متطلباته الذاتية والفردية بصورة منفصلة عن هموم الحركة الاجتماعية وحاجيات أبنائها وفقرائها.
لكن الشهيد الصدر صاحب الحس القرآني والإسلامي الرفيع الذي شيّد الفقه المجتمعي بأبعاده المتنوعة على قاعدة المعادلة القرآنية في ترسيمها لدور الإنسان في هذه المرحلة الوجودية – يقلّص هذه المساحة المطلقة لملكية الفرد، ويضعها في سياق نظرية الاستخلاف الإلهي التي تحقق أغراض السماء وأهداف النبوات، فهذه النظرية القرآنية التي تؤسس لحقيقة الإنسان ودوره الاجتماعي في عالم هذه الحياة، تقول: أن الإنسان لايملك من ذاته ولا من صفاته ولا من أفعاله ولا من ثرواته شيئا، لأن كل هذا الوجود بعوالمه المترامية الأطراف خاضع للملكية الإلهية، ودور الإنسان في هذا الوجود بكل مفاصله ومزاياه دور الخليفة المستأمن من قبل الله على مصادر هذه الثروة في الكون؛ ليدبرها وفقاً للروح العامة للملكية الإلهية، قال تعالى: ﴿ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ ﴾ الحديد/ 7 ﴿ وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ ۚ ﴾ النور/ 33 نعم ما يقع تحت يد الإنسان يأخذ صيغة الملكية الخاصة على المستوى الاعتباري والقانوني والفقهي؛ لنظم الوضع الاجتماعي وترتيب حركته وعلاقاته، لكن على الصعيد الحقيقي والوجودي على الفرد أن يكون تعامله معها تعاملاً يحمل روح المسؤولية الإلهية ومتطلبات الخلافة الربانية، من إعمار الأرض وقيادة الكون وعيش هموم المحرومين والمعذبين والمستضعفين “
إذا كان هذا في شأن الملكية التي نصّ الدين فيها على أن الناس مسلطون على أموالهم وأنفسهم، فكيف بوظيفة مثل الحج غايتها وهدفها والمقصد منها بلا ريب ظهور خلافة الانسان المستحق لإدارة الحجاج.
الحج لقاء الخليفة الكامل:
والحج لقاء الخليفة الكامل – وألفت هنا إلى وجوب تصحيح مسألة رؤية الإمام خارج دائرة العبادة الاجتماعية – وكوننا في زمن الغيبة والمستحق لإمامة الحج بجدارة وأهلية غائب ومستور عن الأنظار لا يسقط هذه الوظيفة عنا بل يؤكدها ويضعنا تحت المسؤولية، وما لا يدرك كله لا يترك كله ولا يسقط المعسور بالميسور ونرى في سيرة العقلاء أنهم عند فقد المصداق الأكمل ينزلون من المرتبة العالية إلى الأقرب فالأقرب.
ومن العجيب أن هناك من يبحث عن الإمام الحجة بين الحجيج وهو لا يعلم طبيعة العبادة وطبيعة الوظيفة ومنطق الفقه والسيرة العقلائية من أن الوظيفة في زمن الغيبة أن نعود إلى خليفة الخليفة أو خليفه خليفة الخليفة. وهكذا الأقرب فالأقرب الى عدول المؤمنين.
أخيرا..
لا شك أن مثل هذا الاجتماع يساعد على التقارب بين وجهات النظر عند النخبة بقدر مكنتها في توحيد رسالة الأمة والمجتمع المؤمن، و أرى أن الحاجة إلى حركة نبوية رسالية توحيدية يجب أن يكون مبدؤها مكة ونهايتها في الظهور مكة، سيما ونحن نرى أن الدور والمسؤولية أصبحا شد حضوراً والعدو أكثر إحكاماً ووضوحا؛ فحروب الأنبياء ومواجهاتهم كلها كانت ضد التكفيريين وليس ضد الكافرين، فالكافر لا يعتقد بإلهٍ يقاتل من أجله ولادين يتبناه، ولا معبود له في الكون. ومن حارب الأنبياء وقتلهم وضيّق عليهم هم من كانوا يعتقدون بآلهة يدافعون عنهم في مقابل دعوة التوحيد.. ﴿ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ * وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آَلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ ﴾ ص/ 6 وكانت كل رسائل الأنبياء تضج ﴿ وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ ﴾ البقرة/ 163 ﴿ وَمَا مِنْ إِلَٰهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ ﴾ ص/ 65
هل يمكننا حمل همّ هذا المشروع الإبراهيمي والموسوي العيسوي المحمدي إلا بأداء فريضة الحج التي هي المظهر الكامل لخلافة الأنبياء، أو خلافة خلفائهم أو خلافة خليفة الخليفة وهكذا؟!!
أيتها الأخوات الفضليات أنتم أمل الأمة، وأنتم النخبة المصطفاة والمرجو منّا في مثل هذا الموقع أن نحدّد وظيفة نتحد عليها ونتفق عليها، فأولوياتنا العبادية أن نكون وفداً متأدباً بآداب الحج ونحن في ضيافة المستخلِف الملك القهار الذي يغلب ولا يُغلب ﴿ وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ ﴾ يوسف/ 21.

0 تعليق