استكمالاً لما ابتدأناه من الحديث حول التهيؤ والاستعداد لليلة القدر، قدمنا أن المعرفة القلبية هي ضرورية وضرورتها حتمية.
الفرق بين المعرفة العقلية والقلبية:
الإنسان يصل من خلال القضايا العقلية والتدبر فيها إلى وجود العلة لإيجاد المعلول، وهذا هو آخر ما انتهى إليه الفلاسفة والعلماء مما يعرف-في ثقافتنا الدينية- بإثبات وجود الله.
وقد يزيدون على ذلك: أن هذه المعلولات لا تثبت وجود علة لهذا الوجود فحسب، بل أنه ومن خلال هذه المعلولات ومعرفة بعض خصائصها ومشخصاتها نصل لبعض خصائص وصفات العلة؛ فمثلا إذا رأينا جمالًا وكرمًا وبذلًا أو حتى غضبًا وسخطًا، عرفنا أن هناك منشأ ومبدأ لهذه الصفات تكون فيه هذه المشخصات أشد وأقوى إذ أن المعلول فقير وكل ما فيه هو في العلة وأكثر.
وكمثال عرفي على ذلك: من يقرأ كلمة معينة لأستاذ ما، هو يعرف مستواه العلمي والفكري، فإن صاحب الفطنة يستطيع من خلال قراءة الكلمة، تشخيص ومعرفة قائلها. وبرغم ذلك، يرى الحكماء ممن تمسك بذلك القول(١) وكذا العرفاء أن هذا الطريق (العقلي) ناقص لا يوصل لمعرفة المعلول بمشخصاته الكاملة؛ لذا لابد أن يكون هناك طريق سهل ميسر لكل أحد موصل نحو الكمال بلا نقص.
إذن فإن المعرفة العقلية معرفة إجمالية بالعلة الحقيقية للأمور التي نعرفها على نحو التفصيل فنحن نعرف الله بمظاهره ونعرف ضرورة النسبة بين العلة والمعلول وهذه معرفة ناقصة لذا يتعين أن تكون هناك معرفة ميسرة موصلة لكل أحد نحو الكمال.
أستاذنا الشيخ الجوادي يضرب مثالًا وهو:
الحرارة المنبعثة من الصندوق المغلق، والتي نجهل مصدرها، ولا شك فإن هذا يستلزم عدة احتمالات لدى العقل، فقد يكون مصدر الحرارة هو الكهرباء أو الضوء الشديد.. إلخ، وهذه الاحتمالات لا يمكن أن تعطي صورة متكاملة للشيء؛ لذا فهي ليست مرادنا. فنحن بحاجة لما يشخص هذه العلة بحيث لا يكون هناك من يشترك معها في الاحتمالات.
-
من هنا يأتي بيان الفارق بين العقل والقلب
القلب هو مرآة يعكس ما يقابله دون إضافة أي شيء من عنده ولا يمكن أن تكون هناك مرآة صادقة وأخرى كاذبة وإنما قد تتفاوت المرايا في الصفاء وعدمه فقد يشوب بعض المرايا الصدأ أو غيره، برغم ذلك، فإن المرآة لا تكذب ولا تضيف؛ لذا فهي تعين ما تراه وتميزه عن غيره، بينما العقل قد يضيف أشياء واحتمالات وفرضيات وزيادات.
ما الذي يجعل مرايا قلوبنا لا تعكس ما يحدث في ليلة القدر مع أنه تنزل الملائكة والروح فيها؟
السبب هو الرين الذي يقع على القلب، أو لنقل عدم جلاء القلب.
السؤال المهم قبل ليلة القدر: بأي شيء يجلو الإنسان ما في قلبه؟
أفضل ما يجلو القلب التماس عفو الله، والقطع والاطمئنان بجوده وعفوه وكرمه، يقول الإمام زين العابدين في إحدى مناجياته: (وَرَيْنُ قَلْبِي لا يَجْلُوهُ إلاَّ عفْوُكَ)(٢).
فإذا وضعنا قلوبنا بين يدي الله ليجلوها ويصب عليها من ماء عفوه وجوده وكرمه، فهذا هو غاية ما يريده الله من الخلقة.
نحن للأسف نمشي في طريق ينتهي بنا لغاية مضادة للخلقة؛ هذه الغايات المضادة إما أن تكشف عن عدم حكمة الخالق -والعياذ بالله- أو عن وجود موانع قوية في الخارج.
لكن رحمة الله غلبت كل شيء وسبقت كل شيء، فلو وضعنا قلوبنا في الاتجاه الذي أراده الله خصوصا في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، لا شك أن هذا القلب سيصبح مكان تجلي وانعكاس للصورة بوضوح.
حتى مطلع الفجر!
ورد في الروايات أن ليلة الجمعة فيها ساعة مقدسة لا يرد الله فيها دعوة إنسان، لكن بركة هذه الساعة ترشحت على كل ليلة الجمعة، لذلك نحن من باب الاحتياط، ومن باب الرغبة في الوصول إلى النتيجة، نتعامل مع كل ليلة الجمعة معاملة خاصة، فتصبح قلوبنا وجلة، نريد رضا الله ونخشى من سخطه، وإلا هي ساعة واحدة في الحقيقة!
أما ليلة القدر ليست كذلك، بل ﴿سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾ القدر: ٥.
ما الذي يفاض ويحدث في ليلة القدر؟
إن أهم ما يحدث هو ما جاء في سورة الدخان ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ(4)﴾، نزول القرآن المحكم على نحو الإجمال وتفصيله على صاحب الزمان في ليلة القدر هو الذي يجعلها ليلة شريفة. ولكن الآية لا تقول فيها يفرق القرآن، بل تقول: (فيها يفرق كل أمر حكيم)؛ أخلاقنا وأرزاقنا وواقع هذه الأمة وشخصياتنا وفضائلنا كلها بالنسبة لنا وللملائكة أمر مجمل، كلها في ليلة القدر تنفتح وتفصل.
ولأن ليلة القدر مباركة، فبالإمكان جدًا لو طلب الإنسان من الله هذه الليلة رزقاً حسنًا بقلب صادق عارف بالله، لا شك أن هذا القلب الصادق هو مكان لتجلي وانعكاس الصورة بوضوح على قلب هذا الإنسان.
إذ أن الصورة لم تنعكس على العقل الذي يحدس من أين هذا المعلول وهذه النتيجة والرحمة، وإنما على القلب الذي هو مرآة لا ينقل إلا ما انعكس فيه.
من هنا فإن أهم المطالب في هذه الليلة هو: الرزق الحسن ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا ۗإِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعقِلُونَ﴾ النحل: ٦٧. هذا الرزق هو ما يرتبط بالجانب المعنوي، أي المعرفة والتقوى وأن يكون قريب من مقام النبوة، وأن لا نستكثر على أنفسنا هذه المقامات التي هي من كرم الله.
البرنامج العملي لجلاء القلوب:
من أهم الأعمال الواردة وأصحها سندا بعد زيارة الإمام الحسين في ليلة القدر، هو دعاء رفع المصحف، وقد ورد عن عائلة السيد الشهيد الصدر مداومته على هذا الدعاء، سيما إذا ألمت به حاجة، إذ لا توجد قرينة تجعله مختصا بليلة القدر.
هناك مسألة تؤكد لنا إن الطريق لبلوغ الكمال هو معرفة الله سبحانه وتعالى عن طريق القلب، فعندما تقرأ دعاء رفع المصاحف، أنت تجعل القرآن بين يديك، لأن الله سبحانه وتعالى تجلى في القرآن، ذهنك وعقلك يتفكر لكن قلبك يتوجه فالمرآة قلبك، والقرآن هو الذي يجب أن يتمثل ويتجلى بما هو أكمل صورة لتوحيد الله.
وذلك في مقابل أولئك الذين نبذوا القرآن وراء ظهورهم لا بمعنى النبذ المادي وإنما معنوياً، بمعنى جعلوا تلك المرآة (القلب) موجهة بالاتجاه المعاكس؛ لذا فإننا عندما نقرأ هذا الدعاء نمسك القرآن ونفتحه ونستقبله وننادي بك يا الله عشرًا وننادي بأحب الخلق إليه عشرًا؛ حتى ينجلي هذا القلب ويطهر وينتقل خطوة للأمام ليصبح توحيد الإنسان مباشر لقلبه وهذا معنى ﴿الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الأنفال: ٢، القلب إذا رأى شيء عظيم تكون عنده حالة من الوجل، وهذا معنى قول أمير المؤمنين (فتجلّى لهم سبحانه في كتابه من غير أن يكونوا رأوه)(٣).
إذن فإن هذه الليلة فيها من العطايا ما يجلو قلب الإنسان ويرفع الرين عنه ﴿كَلَّا ۖ بَلْ ۜ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ (14) كَلَّا إِنَّهُمْ عن رَّبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَّمَحْجُوبُونَ (15)﴾ المطففين.
-
ما هو الرابط بين الآيتين والحديث عن القلب؟
الآيات تتكلم عن الموانع وهي الرين وتتكلم عن الغاية النهائية التي يجدر الوصول إليها لكن وجود الموانع يحول دون ذلك. فطريق العقل لا يوصل لأنه طريق مقدماتي، طريق منبه، يجعل الإنسان يستيقظ؛ بينما القلب هو كاشف معين مشخص كل بقدره.
أسأل الله أن لا يحرمنا وإياكم في هذه الدنيا طاعته ويهبنا لذيذ مناجاته والانقطاع إليه ويرزقنا في الآخرة من كرمه وجوده وفضله ويجمعنا مع محمد وآل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
١. أن المعلولات تثبت وجود العلة مع بعض خصائصها.
٢.مناجاة المفتقرين.
٣. نهج البلاغة.

0 تعليق