تقدم القراءة:

إيمان بلا حدود ٢

الأثنين 14 رجب 1441هـ 9-3-2020م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

استكمالًا لحديثنا والذي هو بعنوان:

(إيمان بلا حدود)، وأحد أسباب انتخاب هذا العنوان؛ الاعتماد على الآيات القرانية والتي جاء فيها: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ علَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ الأنفال: 2 وحسب المعتقد فإن الإيمان في حياة الإنسان قابل للزيادة والنقصان. ومن أهم أسباب زيادة الإيمان هو العبودية الحقة لله سبحانه وتعالى، ومعرفة الآيات القرآنية. 

وما انتخاب قصة أصحاب الكهف محورًا لحديثنا حتى تكون أنموذجًا للتعرف على معالم زيادة الإيمان، كيفية وحقيقة زيادة الإيمان، والعمل على زيادة الإيمان. 

بدأت سورة الكهف بالحمد لله رب العالمين.  

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَىٰ عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ الكهف: 1

وكما جاء في صدر السورة الحديث عن الوحي، كذلك جاء في آخر السورة الحديث عن الوحي: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَىٰ إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ الكهف: 110، وقد أثيرت شبهات كثيرة حول ماهية حقيقة الوحي.

ما حقيقة الوحي؟ 

أختلف في تعريف حقيقة الوحي فهناك رأي يقول: هو التقاء رسول الله (ص) بجبرائيل (ع) واتحاده معه في المرتبة، ومن ثم يفهم -(ص)- من الوحي ما يريده الله سبحانه وتعالى. وبدوره ينقل الرسول صلى الله عليه وآله بفهمه وبقالبه ولفظه العربي، وهو هذا القرآن والذي بين أيدينا. 

ويعللون لذلك: أنه لا يمكن لرسول الله صلى الله عليه وآله أن يصل لهذه المرتبة من الاتصال بالوحي إلا في حالة الفناء، وفي حالة الفناء يصبح الرسول (ص) يتكلم بكلامه، وكلامه هو عبارة عن كلام الله عز وجل.

وأما الأحكام الشرعية والفقهية التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وآله ما هي إلا انعكاسًا عن الواقع ومحاكاة للبيئة التي زامنها (ص)، والتي كانت لها خصوصيتها فكانت مناط الحكم؛ فلولا حالة شح الماء ما استحب البقاء على الطهارة والوضوء، ولم يكن من الممكن إلزام الناس بها إلا عبر الأوامر والنواهي.

وهذه الحال تشمل الكثير من الفهم لمناط الأحكام الشرعية. ولو بعث (ص) في زماننا هذا قد تختلف تلك الأحكام -حسب رأيهم- وفقًا لتغير الزمان والمكان.

وهذا الإدعاء -بأن القرآن الكريم معانيه وحيانية وكلماته وألفاظه من رسول الله (ص)- يتنافى والقاعدة التي يقولها العرفاء حول معنى الفناء.

فما معنى فاني؟

الفاني: وهو المتجرد عن المكان والزمان الذي يعيش فيه. وهذا يعني أن الآثار البيئية ليس لها دخالة فيما يرشح عنه، فحالة الكشف والشهود والرؤيا والمشاهدة لا تأتي إلا عندما يتجرد الإنسان من كل القوالب التي يحملها من بيئته وفكره. فالألفاظ حينها ستكون حاجبًا ومانعًا عن حالة الكشف هذه.

ولو كانت الأحكام الشرعية من وضع رسول الله (ص) للحفاظ على المقاصد التي ينزل بها الوحي -كما هو المدعى- لما كانت هناك من الأساس حالة فناء ولا ذوبان. فالفاني عندما يذوب في محبوبه عندما تنكشف له حقيقة معينة فهو لا يتحدث ولا يتكلم، بل هو صرف متعلم.

والقرآن الكريم يؤكد على عدم صحة هذا المدعى يقول تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ﴾ النجم : ٤، فالقرآن؛ الكلمات والمعاني والعبائر كلها كلام الله سبحانه، وحي منزل من قبله سبحانه.

فماذا يعني كونه معلمًا بالنسبة لنا؟! حين تتنزل الآيات الشريفة على رسول الله صلى الله عليه وآله يبادر بشرحها وتفصيلها وتعليمها لأصحابه، وهذه الشروح عبارة عن أحاديث مفصولة لا تندك مع آيات القرآن الكريم.

العبودية الحقة منشأ الكمالات الإلهية:

بعدما أكدت الآيات الشريفة أن هذا الكتاب منزل من عند الله سبحانه: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ﴾؛ بمضامينه ومحتواه وقوالبه وألفاظه، جاءت لتؤكد على الملاك والعلة والاستحقاق الذي كان سببًا لنزول الوحي والكرامة على رسول الله صلى الله عليه وآله. فقالت: ﴿أَنزَلَ علَىٰ عبْدِهِ الْكِتَابَ﴾.  

​فالقرآن الكريم يتحدث عن سيرين لرسول الله صلى الله عليه وآله،

الأول: سير مادي وأرضي وهو حادثة (الإسراء)؛ وهو أعظم رحلة وانتقال حدث من مكان إلى آخر، بل هو أعظم سير ممكن أن يقع لبشرٍ على وجه الأرض.

فأي جدارة وصل لها رسول الله صلى الله عليه وآله فأسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى؟!

​​كلما كان الإنسان أكثر عبودية لله سبحانه وتعالى، خالصًا له متحررًا من أهوائه ورغباته وكان وعاءً صرفًا لله تعالى وعبدًا له، كانت هذه العبودية منشأ لأكبر الكمالات وأرقاها ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعبْدِه﴾ الإسراء: 1.

​​الثاني: السماوي (المعراج)، والسير في السماء من الأبعاد الملكوتية.

والسبب لهذه الكمالات التي أعطيت لرسول الله صلى الله عليه وآله جدارته في عبوديته: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عبْدِهِ مَا أَوْحَى * مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى * أَفَتُمَارُونَهُ علَى مَا يَرَى﴾ النجم: 10-12، فلم يقل أوحى لمحمد (ص)، ولم يصفه بالنبي، مع أن النبوة مقام رفيع وشريف، والوحي مساوق للنبوة، ولكن جاء التعبير بـِ (عَبْدِهِ) مشيرًا ومبينًا لخصوصية في هذا النبي الأكرم محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، فهو بمقدار ما كان عبدًا خاضعًا خاشعًا لله سبحانه وتعالى، كان يرى جميع المخلوقات هي تجليات لله سبحانه، فكان إنعكاسها تفجر الرحمة الإلهية من خلال قلب رسول الله (ص) وانبثاق العفو والعطف من قلبه الشريف، فتجلت محبته ورأفته وحرصه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عزِيزٌ علَيْهِ مَا عنِتُّمْ حَرِيصٌ علَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ التوبة: 128.

فالعبودية الخالصة لله سبحانه هي سبب المسيرة الكمالية؛ الأرضية والسماوية لرسول الله (ص) وسببًا لنزول هذه النعمة العظمى (القرآن الكريم) .  

نعمة إنزال الكتاب من أعظم النعم:

﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ علَىٰ عبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ لماذا أشارت الآية الكريمة بذكر نعمة إنزال الكتاب؟! مع أنه تعالى يقول: ﴿وَإِنْ تَعدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ النحل: 18 .

فلو أردنا أن نجمع كل النعم من بداية الخليقة لم ولن نحصيها، لكن من بين هذه النعم نعمة بارزة كتاب الله القرآن الكريم، وهو أعظم نعمة، وإذا ما شخصناه سنعرف بها صفات الله تعالى وسيكون مقابل كل صفة من صفات الله وظيفة يجب أن نأتي بها، وهي أن نحمد الله سبحانه، أن نعرف أنه محمود، ونرى الجمال والحمد والمحمودية في الله سبحانه.

  • ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾، أهي خبرية أم إنشائية؟

نستطيع القول أن ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ جاءت خبرية، فالله سبحانه وتعالى يخبرنا عن إنزال الكتاب وهو القرآن الكريم على رسول الله صلى الله عليه وآله، وأنه سبحانه وتعالى محمودٌ بسبب هذه النعمة.

وممكن أن يقال عنها إنشائية، فعندما نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ فحين نرى هذه الحياة وهذا الإيمان الذي لا حدود له حتى عنان السماء نزداد إيمانًا ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ علَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ الأنفال: 2. فنشعر بزيادة الإيمان، وأمام هذه النعمة تكون وظيفتنا أن نقول إنشاءً الحمد لله رب العالمين.

ثم ذكر أهم ميزة يحتاج إليها الإنسان عبر التاريخ فقال سبحانه: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ .

  • العَوج والعِوج ما الفرق بينهما؟

العَوج بفتح العين: يعبر بها عن الأمور المادية فنقول هذا البيت عَوج، وهذا الجدار عَوج وهذه العصا عوجاء .

لكن الأمور المعنوية والروحية يعبر عنها بالعِوج -بكسر العين- فالقرآن الكريم جاء لكي يصلح الإنسان ويقومه؛ خلقه، أفكاره، مبادئه، سلوكياته، وينظم علاقاته، ولا يضيره لو كان عَوجًا في ظاهره طالما لا عِوج في صفاته وخلقه وفهمه. ولذا فنحن اليوم، نجد أنفسنا في معرض مواجهة عنيفة وحادة لتشتيت الأذهان والأفكار، والفهم بطريقة فيه عِوج بحيث يصبح معها الإنسان غير صالح للاستقامة.  

ما الفرق بيننا وبين أهل الدنيا؟!

أهل الدنيا هم أعرف الناس بلغتها، ويتمتعون بلذائذها، ويجتمعون حولها كما يعبر أمير المؤمنين عليه السلام كمن يجتمع على جيفة(1)، لكن المؤمن المتدين والذي لديه مشروعًا إلهيًا أخرويًا، عليه أن يتخلص من حالات الإنفعال والغضب، والعصبية الجاهلية والقبلية، يتخلص من أسباب العِوج، فالعالم كله يميل بالإنسان الذي خُلق على فطرة الله سبحانه وتعالى، والذي خلقه بغير (ذي عِوج) قابل أن يُقوّم، ولديه القابلية لإن يفهم الوحي ويستقيم.

لقد جاءت أدعية شهر رجب لتوجد عند الإنسان حالة من التجرد كي يرى أكثر، فيتجرد عن ملكات وخصائص الضعف والأخلاق السيئة لديه ليصل لحالة الإلهام الإلهي، وهذا على مستوى الدعاء، أما للحصول على حالة التوجه والخشوع فلازمه التجرد مما يشغل الذهن والسيطرة على طيران الفكر مما يشغله ليستطيع أن يدعو الله ويتوجه نحوه سبحانه.

ما الذي يعدل هذا العِوج؟

 ولكي نقوم هذا الإنسان نحتاج إلى مادة ليس فيها عِوج، كل ما فيها قويم ومستقيم بحيث تقوم هذا العِوج، وليس هناك غير كتاب الله القرآن الكريم وعدله؛ العترة الطاهرة (ع) يعدل ويقوم هذا العِوج.

وأما دورنا أمام هذا العطاء الإلهي، وهذه الاستقامة التي يخلقها القرآن فينا أن نقول: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ علَى عبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعلْ لَهُ عوَجًا (١) قَيِّمًا … ﴾.

وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين.


١. “فَلَا  الدَّاعِيَ أَجَابُوا وَلَا فِيمَا رَغَّبْتَ رَغِبُوا وَلَا  إِلَى مَا شَوَّقْتَ إِلَيْهِ اشْتَاقُوا أَقْبَلُوا عَلَى جِيفَةٍ قَدِ افْتَضَحُوا بِأَكْلِهَا” نهج البلاغة.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 198٬394 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 0 (0)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (1)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.