تقدم القراءة:

بالزهراء نبلغ غاياتنا

١١ جمادى الآخرة ١٤٤١ هـ

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

أهنئ النبي الأعظم (ص) وآل بيته، وأمير المؤمنين، والأئمة المعصومين (ع) سيما خاتمهم، ونهنئ مراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية، الأخوات المؤمنات الحضور، والمرأة في كل مكان وفي أي زمان وفي أي عالم كانت؛ بحلول ميلاد الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله عليها وابنها البار الوفي في نفس اليوم.* 

بدايةً لا يفوتنا أن نلفت كون ميلاد الصديقة الزهراء وقد بدأ يأخذ نحوا وبعدًا وحجمًا عالميًا، فهذا إلى جانب كونه مما يبهج القلب، ويغبطنا عليه غيرنا، فهو مما يحملنا مسؤولية إحياء هذا اليوم، وبث الروح المعنوية والعلمية والفكرية، راجين من الصديقة الزهراء (ع) أن تهدينا وتأخذ بأيدينا وتوفقنا. 

الحديث في مثل هذا اليوم يدور مدار الإلحاق الواقعي المتصيد من المقطع الذي نقرأه في زيارة الصديقة الزهراء (ع) كما أورده الشيخ الطوسي في التهذيب حيث جاء فيها: (وَزَعمْنا اَنّا لَكِ اَوْلِياءُ وَمُصَدِّقُونَ وَصابِرُونَ لِكُلِّ ما اَتانا بِهِ اَبُوكِ صَلَّى اللهُ علَيْهِ وَآلِهِ وَاَتى بِهِ وَصِيُّهُ، فَاِنّا نَسْأَلُكِ اِنْ كُنّا صَدَّقْناكِ إلاّ اَلْحَقْتِنا بِتَصْديقِنا لَهُما لِنُبَشِّرَ اَنْفُسَنا بِاَنّا قَدْ طَهُرْنا بِوَلايَتِكِ). 

فلهذا الإلحاق والذي يجريه الله سبحانه وتعالى على يد الزهراء (ع) مفهوم قرآني عميق، ووجودي دقيق. وهو من مختصات السيدة الزهراء (ع)، فلا نرَ أن الله نسب هذا الإلحاق لموجود آخر بعد أن نسبه إلى نفسه إلا للصديقة الزهراء (ع). إذ كيف يكون هذا الفعل لله سبحانه وتعالى شأنه، وهو ينسبه للصديقة الزهراء (ع)؟! فإنما هو كاشف ودليل على مقامٍ عالٍ ورفيع للصديقة الزهراء (ع) نكاد لا نتصوره أو نعرف كنهه، وهذا المقام السامي والذي اختصت به (ع) إذ أجرى الله سبحانه على يديها الفيض واللطف والعطاء فتكون سببًا لإلحاق المؤمنين المصدقين بها بأعلى درجة ومقام، وهو مقام رسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع)، فهذا من أعلى البشارات التي ينالها المؤمن بزيارته الصديقة الزهراء (ع). 

الإلحاق الوجودي الواقعي والإلحاق النسبي

وقد يتبادر إلى الذهن هنا الإلحاق بالمعنى الفقهي؛ كما يلحق فلان بأبيه أو أمه أو أحد أبويه، كما يبحثه الفقهاء في كتاب الإرث مثلًا، بينما ما نود طرحه هنا هو بحث مصيري يختلف عن المبحث الفقهي؛ ولو أردنا بيان مفهوم الإلحاق القرآني العميق، لوجدنا أن الله سبحانه وتعالى تحدث عن فعله وفيضه وعطائه وبذله وإلحاقه لذرية المؤمنين بالمؤمنين أنفسهم، وهذا ما نستطيع أن نصطلح عليه بالإلحاق النسبي -على نحو من التجوز- يقول تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ الطور: ٢١ .

وقد عقد صاحب الميزان في كتاب التوحيد حول هذه الآية الشريفة مبحث خاص حول معنى الإلحاق، وهنا نلحظ من خلال الآيات عدة مقدمات:

١- يعبر القرآن الكريم عن الابن بالعمل، فحين كان الحديث عن ابن نوح (ع): ﴿قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ  مِنْ أَهْلِكَ ۖ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ هود: 46، جاءت الإشارة إليه أنه (عمل) غير صالح، فعندما يكون الأبناء تحت رعاية الآباء، وكان للوالدين التأثير في خياراتهم فذلك هو عمل الآباء، أما إذا ما استقل الأبناء وانقطعوا عن الآباء والأمهات ولم يعودوا يستمعوا لهم وينقادوا لارشادهم وتوجيههم فيمكن اعتبار عملهم هذا من أنفسهم، إذ أن الابن لم يكن نتاجًا صرفًا لعمل والديه لينسب لهما، وإنما هو نتاج عمل الابن نفسه فحسب ووفق اختياراته؛ كما هو الحال مع ابن نوح (ع) لذا فلم ينسبه لنوح (ع) فيقول له هو عملك.

٢- هناك أباء وأمهات قد بلغوا مراتب عالية ودرجات رفيعة في العلم والمعرفة والإدراك وقد سبقوا بها أبناءهم يقول تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ المجادلة:11 وفي يوم القيامة فإن الله سبحانه سيلحق أولئك الذراري -والذين هم أقل إيمانًا وشأنًا وموقعًا من آبائهم- بهؤلاء الآباء إكرامًا لهم(١). والتعبير عنه هنا بالإلحاق؛ فلو لم يكن لهؤلاء للآباء والأمهات والأجداد مراتب عالية جداً ما سمی لحوقًا ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ ۚ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ فهذا جزء من عملهم! بمعنى لو لم يكن  لهؤلاء الآباء من رفيع الدرجات والمراتب والزلفى عند الله ﷻ فيظهرها تعالی على نحو المنة والعطية، فيفيض عليهم من فضله ويلحق بهم ذرياتهم. فالملحَق به هنا -كما تشير الآيات الشريفة- هم الآباء وذلك لفضلهم ومعرفتهم وتربيتهم وأعمالهم الحسنة.

٣- لا بد أن يكون لأولئك الذراري نحو من الإيمان ولو كان بدرجة أم درجات أقل حتى صح أن يقال عنه لاحق وملحوق، حيث تشير الآية الكريمة لذلك: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾ فمجيء لفظة إيمان نكرة تفيد التعظيم أو التحقير، وهذا يدل على وجود مقدار من الإيمان ولو بسيط عند هؤلاء الأبناء لیتحقق شرط الإلحاق. 

هذه المقدمات نذكرها حتى نبين موقع الزهراء (ع) وقدرتها على الإلحاق لا بمقامها فحسب؛ بل بمقام رسول الله (ص).     

وهنا قد يتبادر سؤال: كيف يلحق الابن الذي لم يعمل عملًا صالحًا بمستوى آبائه بمرتبتهم؟

الجواب من جهة عقلية:

هذه عطية إلهية، ولا يسأل المولى عما يفعل وهم يسألون، والعطايا الإلهية لا تحتاج إلى مبرر عقلائي. وكما ورد أيضًا في أحد أدعية الصحيفة السجادية: “مننك ابتداء”، قد نتصور دائمًا أنه لا بد أن يكون لدينا الاستعداد والقابلية لتلقي منن الله وفيضه، ولكن الأمر ليس کذلك، فالله سبحانه وتعالى مننه ابتداء. وعندما تعبر الآية الشريفة ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ تنسب هذا الفعل الوجودي لله سبحانه، فهو الذي يلحق الذرية الصالحة بأعلى المراتب إكراما لآبائهم وإظهارًا لمقامهم العالي وجزء من درجاتهم الرفيعة. 

وقد يرد إشكال آخر على الآية: 

من المعلوم أن علاقة الآباء بالأبناء هي علاقة عاطفية فهل تغلب العاطفة في ذلك الإلحاق أم إن هذا الإلحاق في مصاف الأحكام الواقعية يوم القيامة؟ 

وهنا نقول:

أن هذا الإلحاق ليس إلحاقًا بسبب عاطفة الآباء نحو الأبناء؛ إذ أن يوم القيامة هو يوم تظهر فيه السرائر، ولا شك أن من أكثر الأمور التي يهتم بها الآباء وتنطوي عليها سرائرهم هو أن يوفقوا بابن عفيف ونزيه؛ لذا فإنه كلما توفق أحدنا لزيارة معصوم، وأداء الحج، تمنى على الله أن يلحق به أبناءه، وهذا مقتضى الأبوة والأمومة؛ إذ أن الله يريد أن ينصر أولئك الآباء والأمهات ويظهر ذلك في يوم القيامة، وهذا ليس من باب العاطفة.

الإلحاق الوجودي الواقعي

هناك لحوق وإلحاق آخر وهو ماسنتحدث عنه:

كما أن الله سبحانه وتعالى يقوم بهذا العطاء وهذا الفيض وهذه الرحمة، كذلك هناك إلحاق آخر تقوم به الصديقة الزهراء (ع)؛ فمن صدقها وآمن بها وصبر لكل ما أتت به، وتحمل في مقابل هذا الإيمان مسؤوليته، وكما تشيرإلى ذلك الزيارة: “وزعمنا أنا لك أولياء ومصدقون وصابرون لكل ما أتى به أبوك صلى الله عليه وآله وأتى به وصيه فإنا نسألك إن كنا صدقناك إلا ألحقتنا بتصديقنا لهما لنبشر أنفسنا بأنا قد طهرنا بولايتك”، ففي هذا المقطع من الزيارة وبالرغم من اختصاره وقصره إلا أنه كاشف عن مقامٍ عظيمٍ للصديقة الزهراء (ع) كما ينطوي على كليات كبرى نذكر منها:

١- أن الإلحاق الوارد في الزيارة كاشف عن أن هذا الإلحاق هو فعل وجودي تقوم به الصديقة الزهراء (ع) أي هو ذاته فعل الله سبحانه يجريه على يد ولي من أوليائه العظام، ويكون سببًا لتصفية الحساب وتحديد المصير في يوم المحشر. وهذا المعنى الورد في الزيارة هو ذاته مما تشير له الروايات المتضافرة من أن الصديقة الزهراء (ع) تلتقط شيعتها ومحبيها من النار.(٢) فهي من يغضب الله سبحانه وتعالى لغضبها ويرضى لرضاها، فحري بنا أن نتعلق بأذيالها، نكبرها ونعظم شأنها من خلال إحياء شعار الله في ذكرى مولدها المبارك، كما نبكيها ومظلوميتها في ذكرى شهادتها (ع).

٢- يتبين لنا ومن خلال مقطع الزيارة: (فإنا نسألك إن كنا صدقناك إلا ألحقتنا) أن الصديقة الزهراء (ع) لا تلحقنا بآبائنا الصالحين أو الأنبياء والمرسلين؛ بل إن الله أجرى على يديها أن تلحق من يحبها ويواليها وينتسب لها ويعيش في داخله وفي أعماقه تصديقها علمًا وعملًا، لأعلى مقام، وهو مقام رسول الله (ص) الولي الكامل والخليفة الكامل ومقام أمير المؤمنين (ع). وهو الهدف من الخلقة، وهذا الوجود، أن يصبح الناس محمديون علويون فاطميون، وأن يكون هذا هو نسبهم؛ ولأن الله سبحانه وتعالى أجرى على يديها هذا الفيض، فلا يمكن أن نقول أن سبب إعطاء الله للزهراء (ع) هذا الفيض لأنها قد ظلمت، أو لأنها أم الأئمة (ع) فحسب، فنحن لا نستطيع أن نقول ذلك، وإنما يمكننا القول أن هذه عطايا ومنن إلهية للصديقة الزهراء (ع) لإظهار مقامها والنصر لها (ع)، ولذلك نقول في آخر الزيارة: (لنبشر أنفسنا بأنا قد طهرنا أو ظهرنا- على قراءة أخرى-) فتكون ظهرنا بمعنى انتصرنا، ويكون يوم القيامة كأنه ساحة انتصار كبيرة وعظيمة، ولا يخفى علينا ونحن في هذه الدنيا مقدار الفرح والروحية الإيمانية العالية التي تهبها لنا الانتصارات. أما في يوم القيامة هناك نوع آخر من الانتصارات والبشارات؛ (لنبشر أنفسنا بأن قد ظهرنا). 

٣- إن هذه المكنة التي أعطاها الله سبحانه وتعالى للزهراء (ع) لايمكن أن نتصورها لأي امرأة في عالم الوجود ولا في أي ديانة من الديانات أن تكون هناك أمرأة قد وهبها الله هذا المقام الرفيع فيكون فعلها هو فعل الله عز وجل؛ يغضب لغضبها ويرضى لرضاها كما هو للصديقة الزهراء (ع)، وإن هذا المقام الرفيع للسيدة الزهراء (ع) يحمل على عاتقنا المسؤولية ليجعلنا تيارًا فاطميًا، زخماً فاطميًا، يجعل رضانا، حبنا، إرادتنا، علمنا، معرفتنا…كلها فاطمية.

وحتى يتسنى لنا وأن نلتحق بالزهراء (ع) لا بد من بعض المواصفات لتناسب وسنخية هذا الملحوق مع اللاحق وهو شرطه الإيمان ولو القليل لتلحق الذراري بآبائهم ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ﴾. 

كما يقول أمير المؤمنين(ع): (ألا وإنكم لاتقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد وعفة وسداد)(٣)، فإذا أردنا أن نلحق بالزهراء لتلحقنا هي برسول الله (ص) وأمير المؤمنين (ع) لا بد لنا ولو بمقدارٍ أن نسعى لتحصيل العلم والمعرفة -من جهة نظرية لا أقل- لنكون كالزهراء، ونصبح شعاعًا من نورها (ع) مثلنا بمثل من اتصل بشعاع الشمس الوهاجة، فالزهراء نور الشمس الوهاج إلى أهل الأرض، فيض وهاج، معرفة وهاجة، عطية وهاجة، فكما أن الله باسط اليدين بالعطية، فالزهراء (ع) باسطة اليدين بالعطية، فيجب أن تكون أعمالنا متناسبة ولو بمقدار حتى يصح أن ننسب للصديقة الزهراء (ع).

فلنتوسل بها في يوم ميلادها صلوات الله عليها أن نكون من الملحَقين بها، وأن تنظر إلينا نظرة الملحِقة للملحَقين ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا وإياكم في هذه الدنيا معرفتها وحبها والتعلق بها وفي الآخرة شفاعتها، والحمد لله رب العالمين.


* ميلاد الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) لعام ١٤٤١هـ

١. يجدر الإشارة إلى أن الآباء هو ما يشمل الآباء والأمهات بل حتى الأجداد.

٢. الرواية الواردة عن مولانا الباقر (ع): فيقول الله تبارك وتعالى: ياأهل الجمع طأطاوا الرؤوس وغضوا الأبصار فإن هذه فاطمة تسير إلى الجنة ……فيقول الله يابنت حبيبي مالتفاتتك وقد أمرت بك إلى جنتي فتقول: يارب أحببت أن يعرف قدري في مثل هذا اليوم …… قال أبو جعفر عليه السلام: والله ياجابر إنها ذلك اليوم لتلتقط شيعتها ومحبيها كما يلتقط الطير الحب الجيد من الحب الرديء…) [بحار الأنوار، ج: 8، ص: 52]

٣. نهج البلاغة، ج: 3، ص: 70

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تاريخ كربلاء قراءة عمودية 5 (1)

هي عقيلة بني هاشم بنت أمير المؤمنين ﴿؏﴾ التي تجلّت في كربلاء عبر سلسلة من الأحداث التّاريخية الصعبة والشّاقة والقاسية؟! سيّما باعتبارها امرأة، لكنها مع كل تلك المعطيات أصابت كبد الحقيقة، وأدركت الهدف على أكمل وجه وأتمّ صورة.

بنيان مرصوص ٢ 5 (1)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾