جاء في إحدى كلمات السيّد القائد حول ميلاد الصدّيقة الزهراء (ع): “ينبغي أن يُتخذ يوم ولادة الزهراء عيدًا”*
هناك حيثيات كثيرة تجعلنا نتخذ هذا اليوم عيدًا.
ونحن نعرف أنّ العيد إنما يُتخذ في اليوم الذي ينجز فيه الإنسان انتصارًا على عدوه، سواء كان هذا العدو شهواته أو غرائزه، أو عندما يقيم شعائرًا دينية، أو مواقف بطولية. وإن مقولة السيّد القائد “ينبغي أن يُتخذ يوم ولادة الزهراء -عليها السلام- عيدًا كبيرًا” ذلك لأن الإنجاز كان كبيرًا بمستوى العالمين، وليس فقط على مستوى الفرد أو المجتمع.
ومن أهم تلك الحيثيات التي نلحظها أننا وبأدنى مستويات الحفر العميق لتاريخ البشرية، والتنقيب في سيرة الصالحين والطالحين، والظالمين والعادلين، سنجد أن الكلّ كان يُراهن على المرأة، إما بالذلّ والاستعباد، واستخدامها كسلعة للوصول للأهداف الاجتماعية والسياسية والأغراض الشخصية، أو بجعلها في طرف العدول والصلحاء لإعادتها إلى موقعها الإلهي الريادي كعنصر ومثال للمؤمنين، إلى عالم غارق في النقاوة والحصانة والجهاد ومقاومة الظلم.
والقرآن الكريم باعتباره كتاب هداية وإرشاد، وكلام أصدق القائلين ﷻ كان له كلمته العالية في هذا المضمار حين ضرب مثلًا للذين آمنوا امرأتين، وضرب للفاسدين أيضًا مثلاً بامرأتين.
وهنا نتسائل: لماذا لم يضرب المثال برجلين؟!
ربما لأن المعوقات التي تحول دون حصول المرأة على كيانها الواقعي كانت كبيرة، وكثيرة، ومتراكمة عبر أجيال.
نعم، ويمكن أن يضاف إلى ذلك أن المرأة الصالحة هي الجاذبة للصلاح، وكذلك المرأة الفاسدة والجاهلة هي التي تصنع الجهل والحمق، وتكون أقوى عامل للهدم من الداخل.
ونستطيع أن نجزم ونقول: بأنّه وفي ميلاد السيّدة الزهراء (ع) والتي سادت العالمين رجالًا ونساءً حُددت النتيجة النهائية لهذا الرهان التاريخي.
فبعد ولادتها (ع) -ومن حيث الواقع- انتهى دور الرهان الواقعي التكويني، وقد جاء هذا المعنى على لسان النبي الأكرم نفسه حين قال: (أن فاطمة لفي الخيل السوابق) وأما مابقي من سجالات فهي مجرد إثارات وفقاعات، وزبد وأصوات نشاز يرفعها الطرف الخاسر بين الفينة والأخرى لإشغال العقول، والاستفادة من الوقت الضائع لتبديد الجهود، وإعادة ذات الأسطوانة المشروخة، وإلا فإن يوم ولادتها (ع) -وكما يقول السيّد القائد- هو يوم عيد كبير، ومولد الزهراء (ع) هو صلاح وجودي للفرد وللمجتمع الإنساني قاطبة؛ لأن الإسلام كما جاء لصلاح الفرد، جاء لصلاح المجتمع أيضًا.
ولتركيز دائرة موقع الانتصار نقول هنا ونشير إلى نقاط:
1- نقطة الفوز الواقعية:
يوجد تفاوت بين الثقافة الغربية والثقافة الدّينية والإسلامية، فالغرب يضع المرأة في سياق قانوني حقوقي ويُحصر نجاحها وتقدّمها في انتزاع حريتها، بحيث يجعل تقدمها يتمحور بنيلها (المساواة) في الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والمناصب السياسية.
بينما نجد الإسلام ومع مراعاته لكلّ تلك الأمور الحقوقية، لكنّه ينظر لهوية المرأة الإنسانية، وموقعها الوجودي والقيمي.
إن هذا الاختلاف الجوهري هو نقطة التّحول الأساسية في سجلات الصراع حول قضايا المرأة في كلّ الحياة البشرية؛ لأن الثاني (الإسلام) يفيد نتاج معرفي أصيل، بينما الأول (الثقافة الغربية) يعالج قشر وصبغة لبعض قضايا المرأة؛ ولأن هذا الاختلاف جوهري، فلا نرى ضرورة واقعية للدخول في كلّ حلبة يرسمها لنا الآخر لكي نحاور ونناقش دفاعًا عن أنفسنا؛ لأن النتيجة قد حسمت منذ ولادة الزهراء (ع)، فلماذا العودة إلى دائرة الفقه، والحقوق وتبقى أقدامنا عالقة في هذا الموقع؟!
-ولو أنصفنا الغرب سنجد أنّه وفي مسيرته الحديثة قد أخذ أغلب أحكامه من الإسلام، يقول السيّد الطباطبائي:
“إن أمم الغرب فيما صنعوا من شأن المرأة في الأسرة والمجتمع إنما قلّدوا الإسلام، وإن أساؤوا التقليد والمحاذات. فإن الإسلام له التّقدم في ذلك، وهو حلقة بارزة مؤثرة لها أتم التأثير في سلسلة السيرة الاجتماعية للمرأة”–(1)
لذا يجب علينا أن نحدد نقطة اختلاف الرؤية ونعمل على أن ننتج أصولًا معرفية نبرزها لإثبات هويتنا وذلك من أجل صلاحنا، لا من أجل الدفاع عن أنفسنا؛ إذ أننا -وبحسب هذه المقدمات- ربحنا الرهان بولادة الصديقة الطاهرة (ع)، وأخذنا جائزة الربح علميًا وعمليًا في الدّنيا، وسعدنا في الدنيا والآخرة كما جاء في حديث الكساء والذي تساعد عليه وتؤيده إجمال الروايات: فَقالَ عَلِيٌّ (عَلَيْهِ السَّلام): “إذَاً وَاللهِ، فُزنا، وَفازَ شِيعَتنُا”(2)
أما كيف نتخذ هذا اليوم عيدًا؟
فهذا ما نبيّنه في النقطة الثانية:
2- إن أوضح ما في الأمر أن تكون شعارنا ودثارنا هي الزهراء -سلام الله عليها- فكلّنا وبالوجدان نعلم أن الزهراء (ع) لم تكن إمرأة قانون؛ (واجب ومحرّم)، بل كانت إمرأة هداية، وصانعة للعفاف والطّهر، صانعة للمبادئ والرؤى.
ونعرف أن القيم والمبادئ ليست من الأمور التي تتبدّل وتتغيّر بالمستجدات العصرية، ولذلك هي (ع) سيّدة العصور كلها.
ومن الخطأ بمكان أن نقرأ الزهراء (ع) على أنها صرف فقيهة -كما هو واقعنا كذلك في تعاملنا مع سائر الأئمة (ع)- ثم نرى أنفسنا عاجزين عن الإجابة عن كثير من المستجدات بشكل يقنع الطرف الآخر.
أنقل لكم طرفة سمعتها من أحد أساتذتي في هذا المجال: سأله أحد الطلاب كيف نبرر للمطالبين في المحافل العالمية بحقوق (المساواة) قول القرآن الكريم ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَيَيْنِ﴾ النساء: 11؟
فقال الأستاذ: أفترض لو أن القرآن قال: “لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنثَى”!! ماذا كان سيحدث؟
سيكون الطرف المطالب بحقه هم الذكور، وطبعًا لن يطالبوا بطريقة مسالمة وناعمة و.. و.. و..، بل بمنهج ذكوري. ولن تستقر أي حياة اجتماعية، ثم ستبدأ الحروب وإراقة الدماء وتشتعل نار القوى الغضبية، وكلّ رجل سوف يشاح زوجته وعياله على لقمة العيش، وستسلب السكينة والاستقرار من كلّ بيت.
وهنا نقول: لا شكّ أنّه لكلّ حكم منصوص قرآنيًا آلاف المبررات، ولكن الدّين ليس فقه فقط، وقوانين فقط.
إن غفلتنا عن المواقع التي سجّل فيها الدّين الإسلامي انتصاراته الكبرى في الثوابت العقلية، والحكمة بكلّ شقوقها، والأصول المعرفية في حقولها، هو من غفلتنا عن نقاط القوة تلك، وهذه هي الثغور التي يأتينا منها العدو، فليس دائمًا طريق الشيطان وأدواته هي من نقاط ضعفنا ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ الأعراف: 27. لذلك فإن غفلتنا عن هذا العيد سبب لفتح جبهات خارجية وداخلية علينا.
وإن انتصار الزهراء (ع) في تثبيت الركائز الأساسية العالمية كقبح الظلم -الثابت قبحه في كلّ عقل- وأنّه مناف لكلّ المعايير دائمًا وأبدًا، وأن العدل حسن دائمًا، وأن الحياء كمال دائمًا..، هو الإنجاز الأكبر الذي يُنتج كل المبادئ الحقّة والأصول المطلقة.
ومن باب المثال -وبناءً على هذه النظرة- فالستر والحجاب ليسا ظاهرة إسلامية فحسب، بل إنسانية، وبالإمكان البحث حول ذلك في تاريخ الأمم المتحضّرة والسابقة.
وحتى نتخذ هذا اليوم عيدًا علينا أن نُدرك أنّ كلّ عودة إلى (الجاهلية الأولى) هو ابتعاد عن نقطة الفوز تلك، وكل تساهل في أمر الحياء والحجاب هو خطوة رجوع عن انتمائنا للزهراء (ع) -سواء كان ذلك من قِبل النساء أو كان من قِبل الرجال- وللأسف فإن البعض ولقلّة وعيه وانهزامه النّفسي أمام عدوه أصبح ينساق لتسويلات الطرف الخاسر، ويكرر بلا روية -قولًا وفعلًا- العودة إلى المنطقة الخاسرة.
ومن هنا نقول: فإن بعض المظاهر الاجتماعية يجب أن نأخذ منها موقفًا أخلاقيًا رادعًا، ولا نكتفي بالموقف الفقهي؛ لأن الدّين ليس فقهًا فقط.
أضرب لكم مثالًا أختصر به المقام، وهو في أعلى درجات الأمثلة:
إن موقع المرأة الأحسائية والقطيفية العلمي والفقهي، وتقدمها في العلوم الشرعيّة والدّيني واقع مشهود له اليوم؛ فما الحاجة التي تجعل النساء يتواصلن مع المشايخ للسؤال عن كل صغيرة وكبيرة؟!
فبحسب تجربتي هذا منزلق أخلاقي؛ لأنه إنما نلجأ للتراب إذا فقدنا الماء، ومن هذا المحفل لست أقترح أخذ الحذر فقط من خروج البنات للمقاهي والحفلات والفعاليات المخالفة للضوابط الشرعيّة، بل حتى -الحذر- من أشكال التواصل المؤطرة بإطار ديني بين الرجل والمرأة، بل ينبغي أن تعرف المرأة حدودها الأخلاقية.
ألم تقل الزهراء(ع): “خير للمرأة ألا ترى رجل ولا يراها رجل”(3)، ومن هنا أقترح تشكيل لجنة من الأخوات الفاضلات للإجابة على الأسئلة الفقهية النسائية، كما هو كذلك في الكويت والعراق والبحرين.
إن مثل هذه الخطوات هو تقدم نحو العفاف والعدل والحياء والجدّ والصدق والقيمة وهي تقدم نحو الزهراء (ع).

* كلمة بمناسبة ميلاد الصّدّيقة الكبرى فاطمة (ع) عام 1440 هـ
1. المرأة في القرآن للعلامة الطباطبائي
2. حديث الكساء، مفاتيح الجنان
3. وقال النبي (ص) وآله لها: “اي شئ خير للمرأة؟ قالت: ان لا ترى رجلا ولا يراها رجل، فضمها إليه وقال: ذرية بعضها من بعض” مناقب آل أبي طالب – ابن شهر آشوب – ج ٣ – الصفحة ١١٩

0 تعليق