تقدم القراءة:

الخفارة علاج اجتماعي

الأربعاء 7 جمادى الأولى 1439هـ 24-1-2018م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)
أبارك لرسول الله وآل بيته الأطهار سيما خاتمهم عجل الله فرجه الشريف وكافة مراجعنا وقائد الأمة الإسلامية بميلاد حفيدة النبي الأكرم الدرة الطاهرة زينب الكبرى والصديقة الصغرى.
تستحق السيدة زينب العقيلة – وبكل جدارة – أن يطلق على يوم مولدها يوم الممرضة، فقد عالجت عليها السلام الأمة كاملة.*
والتمريض مفهوم عام لا يختص بمجال الصحة البدنية فحسب، فالذي ينقل الناس من الجهل إلى العلم ممرض ، والذي ينقل الناس من الرذيلة إلى الفضيلة ممرض ،و كل أمة تعيش حياة اجتماعية هي بحاجة دائمة إلى من يكتشف داءها ويشخص دواءها ويهيؤه لها، ولكن ليست هذه فقط هي مهمة التطبيب، بل التطبيب يحتاج إلى عنصر ضروري لمشافاة المريض وهو عنصر المقبولية.
ماذا نعني بعنصر المقبولية ؟
في الغالب المريض يرفض قبول الدواء، ويفر من الأصحاء، فالمريض بوباء الجدري يخجل من السليمين ويفر منهم، وكذلك من كان مرضه ضعف الإرادة نراه ينفر من أصحاب الهمم العالية وينفر من مواقع تحميل  المسئولية، ومن كان همه اللهو واللعب لا يحب المجدين ولا مجالسهم، ومن يعيش شبهة فكرية أو نفسيه أو شهوية يستميت نقاشا في الدفاع عنها. من هنا فالممرض يحتاج لعنصر أهم من معرفة الداء والدواء وهو عنصر يعدّ إكسير الحياة ألا وهو مساعدة المريض على قبول دوائه، وهنا يأتي دور الممرضة، وليس الممرض. فالمرأة الممرضة لا تعطي الدواء فقط، بل تضيف للدواء الطهر والعفاف والروحانية والحياء والخفارة والأدب، وهذا يحتاج لجهاد أكبر لإغماد الأنوثة – التي تكون فتاكة إذا كانت أداة مغالبة – وإظهار الخفارة والعفاف والرفق والتنزه عن المطامع الشخصية. وقد اجتمعت هذه العناصر في زينب بنت أمير المؤمنين عليهما السلام، وهل عرفنا خفرة كجوهرة علي التي برقت لوامعها في صحراء كربلاء كنجمة في عالم غطته سحب الأمراض والأوبئة؟!
كونوا أوعية للعلم
لم تكن زينب بنت أمير المؤمنين صرف منفعل أمام تلك الأحداث الدامية، بل ولم تكن فقط ذات بصيرة بخوار قوى الأمة ومكمن مرضها وعلاجها، بل كانت وعاء ومحلا نقيا لهذا الدواء وهذا هو الأهم .
فقد التزمت بمقولة أمير المؤمنين ووصيته حين قال: (كونوا أوعية للعلم) فالوعاء النظيف والقلب الطاهر هو الذي يمرّض ويعالج وإلا ففاقد الشي لا يعطيه، فهل أدّب الوقح أحدا ؟ وهل نظّف المتسخ، وهل وعظ الغافل؟!!!
وإذا لم يكن الإنسان على شيء فهل يقيم العدل ﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ المائدة: 68 وربما صح تطبيق الآية ﴿ وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ ﴾ الحاقة: ١٢ على علي صلوات الله عليه .. لأن طهارة أذنه وعاء لتبصر الحقيقة كما وأن الخفارة للمرأة وعاء الشفاء للمجتمع .
بهذا الوعاء كانت زينب تعالج وبهذا الماعون الطاهر عافت الأمة وشافتها من الجهل وخوار القوى والنكول عن الصعاب وقبلت الأمة هذا الدواء الحق وإن كان مرا وطريق ذات الشوكة وهو كره لهم .وما يدعو للعجب والإعجاب هو أن هذه الممرضةالعلويّة قلبت الطريق الذي سماه الله ذات الشوكة ووصفه بأنه كره وأن المريض يود غيره ﴿ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ ﴾ الأنفال: ٧، قلبت كل هذه المواصفات إلى علاج ناجع ومطلوب ومرغوب ويتنافس عليه وفيه العقلاء، لأنها أماتت في هذا الطريق العام أنوثتها وأحيت طبابتها .
ولو أن المرأة حملت الدواء وأبرزته بأنوثتها – سواء كان هذا الدواء علما أو قرصا أو بلاغة أو فنا – لهدمت بدن المجتمع وحلت أركانه وعادت هي الوباء. وقد قال علي عليه السلام لمرضى يريدون أن يطببوا المجتمع وهم أنفسهم شوكا ومثيرين للأوبئة، قال لهم: “كيف أداوي بكم وأنتم دائي كناقش الشوكة بالشوكة وهو يعلم أن ضلعها معها” (1) فإذا كانت الممرضة مريضة فبأي شيء نعالج ؟ وقد قال السيد الرضي:
نفر إلى الشراب إذا غصصنا               فكيف إذا غصصنا بالشراب
وإنني من هذا الموقع أقول: إن أجهزة التواصل الاجتماعي فتحت أبوابا للأوبئة التي لن نقضي عليها إلا بأن تتحول كل امرأة إلى ممرضة تشخص الداء والدواء وتكون لها مقبولية العلاج فقد تحول أكثرنا إلى مدمني تواصل بلا ضوابط. وهي (وسائل التواصل) وإن كانت سلاحا ذا حدين، ولكن إذا وقع السلاح في يد غير المهذب المؤدب، أو وقع بيد الجاهل والغافل قلبه عن ذكر الله، أو كان في يد سيئ الظن أو المنغمر في هواه لم يبق لهذا المجتمع حياة ولا حياء وزالت أركانه الواحد تلو الآخر.
أيتها الأمهات الممرضات ..
دونكم هذا الوباء فإنه يغزو الشاب والشابة والشيخ والشيخة والصغير والكبير والرجل والمرأة والعالم والجاهل.. مرض يهدد الأمة بماهي أمة. وإن كان تلوث البيئة بمخالفة الحياء من الرجال أمر سيئ، إلا أنه من المرأة أسوأ.
انظروا إلى الدعاء الذي نقرؤه في زمن الغيبة (وامنن على علمائنا بالزهد والنصيحة.. وعلى النساء بالحياء والعفة) وخص النساء بالدعاء بالعفة لأن امتلاء الأرض ظلما وجورا إنما يتحقق إذا صدر من كل شريحة أقبح ما يتصور أن يصدر منها، فامتلاء الأرض جورا وظلما هو أمر كيفي وكمي، وأكبر كمية وكيفية ظلم تحمله المرأة عدم الحياء وعدم العفة، وقد قال تعالى: ﴿ وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا ﴾ طه: ١١١

* كلمة بمنسبة ميلاد السيدة زينب (ع) ويوم الممرضة

1. نهج البلاغة ١٧٨ الخطبة ١٢١

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 198٬391 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 0 (0)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (1)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.