مقدمة:
أبارك للحضور ميلاد الصديقة الطاهرة ويوم المرأة العالمي، وكذلك ميلاد ابنها بالحق الذي بعثه الله على رأس هذا القرن ليكون هذا الميلاد بمثابة الدورة الجديدة لانبثاق واقع جديد له مزاياه وخصائصه، وله متطلباته أيضا*.
وإذا كانت السنن التاريخية الإلهية تؤكد أن لكل جيل وفي كل قرن متغيرات تعكس بظلالها على حركة الفرد والمجتمع، فلا شك أن هناك في مقابل هذه التغيرات الحياتية خطاب ديني وإلهي يستوعبها.
يؤكد الشهيد الصدر في كل إنجازاته العلمية، أن الإسلام ليس دوره أن يدافع عن مفاهيمه، أو يستجيب للتحديات فقط، بل هو يملك مشروع حياة ومجتمع، ويدعو إلى ملاحقة مستجدات الوضع البشري من أجل التنظير لها وإعطائها الصيغة الإسلامية الصحيحة في سياق الكل الديني، بل هو يقف في مقدمة المسيرة ويجرها إلى الأمام.
وهذه النظرة بطبيعة الحال لو كانت هي المحرك في النشاط الفكري والإسلامي، فإنها ستحدث تحولات حقيقية في البناء الاجتماعي والإنساني. وهي تبدو كالمسلّمة بعد إيماننا بخاتمية وإلهية الدين الإسلامي ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ آل عمران/ 85
وإذا أردنا الإشارة إلى أهم عنصرين لهما الدخالة في ضرورة تقديم مكوّن متكامل ومنظومة منطقية تستوعب كل المفردات الدينية فيمكننا أن ندعي أنهما:
-
المد الإسلامي الذي فرض نفسه كبديل واقعي ناشط ومتقدم على النماذج البشرية الأخرى فلسفياً وميدانيا.
-
الثورة العلمية الواسعة والشاملة التي حولت العالم بأسره إلى قرية صغيرة مشتركة في المصالح والمفاسد، وحددت مركزية واحدة لإدارة تلك القرية، وأخضعت العالم لذلك المركز. مما وضعنا كإسلاميين تحت مسؤولية جادّة لعرض عقائدنا ضمن شبكة متكاملة لكل المفاهيم بما يتناسب ومشروعنا الإسلامي الناهض من جهة؛ وتحديد موقعنا المستقل عن هذه المركزية الضاغطة بثقلها وإمكانياتها وتحدياتها المتسارعة من جهة ثانية.
ومن هنا فلا تُختصر وظيفتنا العلمية اليوم في الإجابة عن الإشكالات حول الحجاب أو حقوق المرأة فقط، وليست وظيفتنا العملية منحصرة في الترويج للدين وإقامة محافل التكليف للفتيات وتوعيتهن على حقوق المرأة في الإسلام وحسب؛ بل يصح أن نقول أن موضوع المرأة ومكانتها ودورها يجب أن يكون جزءاً من كل، وعلينا أن نوظف إمكانياتنا لأجله ليصح أن ندّعى أمام العالم كله أن الدين عند الله الإسلام، وأعني بذلك أن ننقح في مرتبة سابقة علاقة العقل بالدين، والدين بالعلم، والحياة بالدين، وحاجة الإنسان إلى الدين والعلم والعقل، إلى غيرها من أمهات المسائل الكلامية.
انطلاقاً من هذه المقدمة أطرح ورقتي تحت عنوان: دور المرأة في تحقيق الحصانة الاجتماعية – الزهراء نموذجا.
واضح من العنوان أنني سأتناول العنصر الثاني الذي عبرّتُ عنه بتنشيط وإبراز دور المرأة المسلمة في الحفاظ على المشروع الإسلامي الأصيل، وتنقيته من الحياة اللادينية التي تتحكم في كل أمورنا وتكاد تسيطر على حياتنا. فالوظيفة عملية بالدرجة الأولى، ولكنها تعتمد على نظرية متكاملة ومفروغ من قبولها مسبقا، فالتحصين ليس كالتعليم والبرهنة وإقامة الدليل على شيء ما أو تعريفه بالمعنى الإسمي.
التحصين دورٌ نفسي وروحي وعملي، وهو لا يتحقق بإقامة البرهان والأدلة عليه فحسب، بل يحتاج إلى قدوة. فأنت يمكن أن تتعلم الرياضيات ولم تر رياضياً في حياتك، وكذلك الطب والكيمياء، وكل العلوم النظرية. أما الحصانة فهي أمر مختلف، فعلاوة على حاجة الإنسان إلى تعلم إدارة الأمور وتحديد المساحات المطلوب منه مراعاتها وصيانتها فيه، فهو يحتاج إلى القدوة العملية أيضاً ليتأسى بها.
يجدر القول أن الدراسات في علم الاجتماع الإنساني تشير إلى أن الحاجة إلى القدوة ليست أمراً طارئاً على الحركة البشرية، لأنها هي النموذج الذي تُستلهم منه القيم والمبادئ والأهداف، وأن تأثير النموذج الملهِم أشد عمقاً من التلقين الفكري، لأن النموذج يلامس بعداً فطرياً في الإنسان وهو انجذابه للأكمل.
معنى الحصانة الاجتماعية:
الحصانة الاجتماعية تعني: الممانعة لمواجهة الضد، وهي تحتاج إلى شجاعة واقتدار نفسي على إزالة الموانع وحذف المضار ودفعها باليد واللسان والقلب وقوة الجوارح. نقول في دعاء كميل “قوّ على خدمتك جوارحي واشدد على العزيمة جوانحي”. وهذه الصفات لا تؤخذ من معلّم فقط؛ بل من سابقين كانوا قد خاضوا التجربة وخرجوا منها ظافرين منتصرين.
وكما أن الدور العلمي يحتاج إلى قوى عقلية تطرد الوهم والخيال، يحتاج الدور العملي إلى طرد الشهوات والتواني وبلادة الحس وضعف الجوارح، وهذا يتوقف على وجود نموذج خارجي مؤثر، وهو متحقق بشكل واضح لا يشك فيه أحد في صاحبة هذا اليوم الصديقة الطاهرة (ع)، فقد جاء عن ابن شهر آشوب في مناقبه أن من أسمائها الحَصان، وهي ميزة للمرأة المؤمنة. ورد عن رسول الله (ص): “… ألا أخبركم بخير نسائكم؟ قالوا بلى يا رسول الله فأخبرنا فقال: إن من خير نسائكم الولود الودود، والستيرة العفيفة، العزيزة في أهلها، الذليلة مع بعلها، المتبرجة مع زوجها، الحَصان مع غيره …” (1)
خصوصية المرأة في التحصين الاجتماعي:
هناك خصوصية للمرأة الأنثى تجعلها أكثر اقتداراً على اكتساب وممارسة التحصين الاجتماعي، والنصوص الدينية، والتجربة العملية، والمعرفة الفيسيولوجية، والأدلة الفلسفية كلها تشير إلى مهارة خاصة عند المرأة بحيث تكون أسوة عملية للرجال والنساء في هذا المجال.
في القرآن لاحظوا قول الله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا﴾ التحريم/ 28، فمع أن القرآن الكريم يذكر مريم بنت عمران بفضائل عبادية كثيرة وبأنها كانت محدثة، وأن ابنها آية للعالمين؛ لكنه حين يجعلها مثلاً للذين آمنوا يبرز خصوصية (الحصانة) إذ يقول: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾
أما في الروايات فقد ورد في شأن كل أم أن الملائكة تنفخ في بطنها الروح التي هي من أمر الله حين بلوغ جنينها الشهر الرابع(2). هذا النفخ الإلهي هو في واقعه تحصين بدني وروحي ونفسي ليس من جهة الرجل بلا شك.
أما في الفلسفة فيقول ابن سينا أن المرأة مادة والرجل صورة، والمادة فيها قوة تفقدها الصورة.
وأما في التجربة فقد ثبت أن الأم مع تحملها لآلام الحمل والولادة وأعباء التربية، فهي تمارس كل هذه الأدوار بعفّة وتغافل عن أتعابها، وتزيل كل ما يمنعها عن ممارسة هذ الأدوار.
البعد الفقهي في الحصانة:
ونحن وإن قلنا أن الحصانة من المرأة هي الميزة الأكمل؛ إلا أنها في المجال الفقهي تشكّل الدور الأصعب والأكثر تعقيدا، لأن مقتضى الحصانة ألا تنشغل المرأة بغير تحصيل العلوم بأصول المعارف والعلوم الفرعية الدينية.
يقول العلامة الطباطبائي (قده):
“والمتحصل من جميع ذلك: أنها لا يجب عليها في جانب العلم إلا العلم بأصول المعارف والعلم بالفروع الدينية (أحكام العبادات والقوانين الجارية في الاجتماع)، وأما في جانب العمل فأحكام الدين وطاعة الزوج فيما يتمتع به منها، وأما تنظيم الحياة الفردية بعمل أو كسب بحرفة أو صناعة وكذا الورود فيما يقوم به نظام البيت وكذا المداخلة في ما يصلح المجتمع العام كتعلم العلوم واتخاذ الصناعات والحرف المفيدة للعامة والنافعة في الاجتماعات مع حفظ الحدود الموضوعة فيها فلا يجب عليها شيء من ذلك، ولازمه أن يكون الورود في جميع هذه الموارد من علم أو كسب أو شغل أو تربية ونحو ذلك كلها فضلاً لها تتفاضل به، وفخراً لها تتفاخر به، وقد جوز الإسلام بل ندب إلى التفاخر بينهن، مع أن الرجال نهوا عن التفاخر في غير حال الحرب.
والسنة النبوية تؤيد ما ذكرناه، ولو لا بلوغ الكلام في طوله إلى ما لا يسعه هذا المقام لذكرنا طرفاً من سيرة رسول الله (ص) مع زوجته خديجة، ومع بنته سيدة النساء فاطمة (ع)، ومع نسائه، ومع نساء قومه، وما وصى به في أمر النساء والمأثور من طريقة أئمة أهل البيت ونسائهم كزينب بنت علي، وفاطمة وسكينة بنتي الحسين وغيرهن على جماعتهم السلام”(3)
فإذا كان يجوز للمرأة؛ بل مما ندب له أن تتفاخر بالمقدار الزائد من العلوم الضرورية لها – بخلاف الرجال – وفي نفس الحال أمرها ألا تخضع بالقول للرجال ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ الأحزاب/ 32 والمراد ألا تخضع بالقول لا من حيث أسلوب الكلام ولا من حيث مضمونه، فهذا يعني أن توازن بين دورين مختلفين، ففي مجتمع النساء يحق لهن أن يتزيّن ويتفاخرن بالفضل من علوم الكسب والتربية، ولكن يجب أن لا يؤدي ذلك إلى مفسدة اجتماعية وتتحول هذه الإمكانيات إلى آلة جذب وتحريك لمن كان في قلبه مرض.
وبناءً على هذا المطلوب من التوازن جاءت الفتاوى الشرعية تراعي دفع المفاسد الذي هو أمر أهم من جلب المنافع لتبقى الحركة الاجتماعية والعلاقات بين الرجل والمرأة محمية بسور من القيود الإلزامية فأمر بأن لا تبدي المرأة زينتها الظاهرية والمعنوية إلا لمحارمها. وقد شدد الفقه من باب ضمان المصلحة الاجتماعية على أهمية هذا التوازن، فقد جاء في الاستفتاءات لسماحة آية الله السيستاني مما لو وقفنا على بعضه لتبين أن الحصانة المطلوبة من المرأة هو قدرة روحية ونفسية كبيرة جداً لا تتحقق إلا من النفوس المتمكنة في الفضيلة.
وقبل ذكر نماذج من هذه الأحكام الفقهية، أشير إلى قيمة هذا الاعتدال والعدالة النفسانية والسير على الجادة. يقول السيد كاظم الحائري(4) في معرض حديثه عن العدالة وأنها كيف نفساني قد يفقده الإنسان إذا كان مقتضى طبعه الوقوع تحت ضغوط عدم التوازن النفسي:
“كما لا ينبغي الإشكال في أنّ مجرّد ترك المعاصي ومن دون وجود الرادع النفساني الإلهي عنها لا يعتبر استقامة في الدين، كما لو حدث صدفة أو لكونه حديث العهد بالبلوغ أو التوبة أو نحو ذلك. ولا ينبغي الإشكال كذلك في أنّ ترك المعاصي مع وجود ذلك الرادع الإلهي يعتبر استقامة في الدين، ولا نقصد بذلك الرادع ما يشبه الرادع الموجود لدى المعصوم (ع)، بل المقصود به ذاك الذي يتميز بخاصتين:
-
الخاصة الاُولى: أن يكون كافياً في الحالة العادية للنفس لدى المغريات الاعتيادية والشهوات المتعارفة للردع وحجز النفس عن المعصية وإن كان من المحتمل أن يتفق صدفة انزلاق الشخص بسبب تصادف قوة المغريات بشكل غير مألوف أو بسبب تصادف ابتلاء هذا الشخص بانهيار نفسي أوجب انزلاقه.
-
الخاصة الثانية: أنّه متى ما انزلق هذا الشخص صدفة لأحد السببين يندم ويتوب في أسرع وقت بسبب ذلك الرادع، ولعلّ هذا هو المقصود بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ الأعراف/ 201 “
ولا شك أن طبيعة المرأة أكثر ميلاً للمغريات، وهي الخاصرة الرخوة في الجسد الاجتماعي التي يمكن أن يستغلها الأعداء للسيطرة على المقدرات السياسية والفكرية والاقتصادية يقول السيد القائد (ح):
“قرأت خبراً أن أحد المسؤولين في مركز سياسي مهم في أمريكا قال بدل إلقاء القنابل أرسلوا لهم تنانير قصيرة! صحيح ما يقولون إذا ما عُمل على إشاعة الغرائز الجنسية والاختلاط اللا مدروس بين الرجال والنساء والشباب والشابات وجرّوا الشباب إلى طُرقٍ هو بطبيعته يميل إليها فإنّه لا حاجة للاستفادة من الأسلحة ضد هذا الشعب… إنّ الفساد بنفسه يضيّع ويهلك ويدمّر مستقبل شعب”
وأذكر هنا نماذج من الفتاوى الشرعية التي تحقق هذه الضوابط:
– السؤال: هل يجوز التحدث مع فتاة عن طريق الهاتف مع خلو الحديث من الكلام السيء أو المثير للشهوة؟
– الجواب: لا يجوز لما فيه من خوف الوقوع في الحرام ولو بالانجرار إليه شيئاً فشيئاً.
– السؤال: حكم المراسلة بين البنت والولد عبر الإنترنت هل هو حرام أم حلال… مع العلم أن الذي يدور مجرد السؤال عن الصحة وعن موضوعات اجتماعية متفرقة؟
– الجواب: لا يجوز لما فيه، من خوف الانجرار إلى الوقوع في الحرام(5).
مقومات التحصين الاجتماعي:
إن أهم مقومات التحصين الاجتماعي هي مجموعة أمور:
-
1/ التعفف في معناه الواسع:
ونقصد بالعفة هنا: الملكة الأخلاقية التي تعالج في مجال فلسفة الأخلاق وليس السلوكيات الفقهية فقط. ولا نقصد بالعفيفة المرأة الضعيفة، فهناك خلط كبير في المصداق بين العفيف والضعيف.. فالعفة قوة نفسية، والروايات شاهد على هذه الحقيقة ومن ذلك ما ورد عن الأمير (ع) “ما المجاهد الشهيد في سبيل الله بأعظم أجراً ممن قدر فعفّ، لكاد العفيف أن يكون ملَكاً من الملائكة”(6)
إن المقارنة بين العفة والشهادة التي هي اختيار الحياة الطاهرة من الأبدال والأغيار، وانتخاب القرب الإلهي على عالم التكاثر، تحتاج إلى شجاعة باطنية واقتدار وبذل للإمكانيات المادية للحصول على مكانة معنوية أرفع وأسمى. فحقيقة العفة أنها اقتدار نفساني للوصول إلى حياة أطهر وتمكّن معنوي للتخلص من الأرذل الأدنى.
إن نفس مفهوم الحَصان(7) يستبطن القوة والمناعة، لأن الضعف أمام المستجدات كاشف عن ميوعة وتقلّب وفقد للسيطرة على مركز القرارات. وكذلك التحجر والجمود لا يعني الثبات والاستقامة، بل هو كاشف عن شخصية انهزامية تفرّ من الوظيفة وتتخفّى وراء التاريخ.
فلا مَن تسارع لالتقاط كل جديد تمتلك التوازن والثبات؛ ولا التي تقف بلا حراك وتغفل عن اللوابس يمكنها أن تكون حصناً منيعاً دون الاختراق، فكلتاهما تمثلان دوراً انهزامياً لكنه متضاد في المظهر.
إن العفة بالمعنى العام هي قوى علمية واقتدار عمليّ، ومن مظاهرها العفة والأدب في اللسان والبيان والبنان والسلوك. ونحن إذا تأملنا الخروقات الاجتماعية والثغور التي تحول المجتمع إلى لقمة سائغة سنجد أن أولها فقد الأدب.
إن أحد جوانب إعجاز القرآن الكريم أنه كتاب آداب. أضرب مثالاً لذلك:
ترى كم حارب المشركون والكفار الرسالة الإلهية؟! ففي أبي سفيان وحده نزل ما يقارب المائة آية، وقد كان عدواً للرسالة الإلهية منذ بعثة النبي (ص) إلى آخر حياته، لكن – مع ذلك – لم يتعرض القرآن لممارساته الشخصية الأخلاقية في آية واحدة.
يقول أستاذنا الشيخ الجوادي الآملي(8) أن القرآن لم يسبّ أحداً أبداً مع كثرة ذكره للحروب والغزوات وظروف المصادمات التي نزلت فيها آياته، وإذا وصف القرآن صنفاً من الناس بأنهم كالحمار أو كالكلب فإنه يصفهم بلحاظات فقد العلم أو عدم القدرة على تحمل الدور العملي. نعم قال القرآن: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الجمعة/ 5 وقال: ﴿مَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الأعراف/ 176 لكن إذا دققنا فإن هذه الآيات نزلت في بيئة تستخدم هذه الأسماء لأغراض مسلوبة القبح، فقد كان هناك من يسمى ببني كلاب، وبنت جحش، وعنترة، وبني أسد… بل إن العرب إلى الآن تسمي بالقروص والنمر، ولا ترى في ذلك نقصا، فالمهم هو وجه التشبيه.
وفي تاريخ صاحب هذه المناسبة مثال حي لذلك الأدب القرآني، فقد كان أكبر عدو للسيد الإمام هو الشاه، وقد كان بيت الشاه وعائلته وخصوصاً أشرف بهلوي(9) معروفون بسوء السلوك، ولكن الإمام لم يتعرض أبداً حتى لسبّ الشاه وهذه وصية الأمير لأصحابه “إني أكره لكم أن تكونوا سبابين”(10)
والسيد الإمام (قده) يشبّه المرأة بالقرآن في هذا البعد من الآداب، لأن مقتضى كونها عاطفية يعني أنها تدرك مواقع الجماليات، فهي نقطة قوتها في صون لسانها وحجب نفسها عن متابعة العيوب الشخصية للآخرين، وهذا الحس الروحي هو الضامن لعدم انهدام الأدب الاجتماعي.
إذن يمكن للمرأة أن تشكل حصانة عفة وأدب، وأن تكون قوة رادعة وفاعلة في المجتمع، وليست منفعلة فقط. وتكون سداً مانعاً لكل ما يهدم الآداب والأخلاق والسلوك الراقي الاجتماعي، ويمكنها بذلك أن تحقق الأمان الاجتماعي.
فلو افترضنا أن كل امرأة هي حَصان عن الرجال فسيعيش المجتمع أماناً في البيت، وفي الشارع، وفي السوق، وفي العالم الافتراضي أيضا؛ لأن الرجال سوف يواجهون حصوناً منيعة قوية يصعب تجاوزها. وما انهيار المجتمعات أخلاقياً؛ بل حتى سياسياً إلا بسبب وجود امرأة تفقد هذه الملَكة القيّمة فتسلب المجتمع أمانه واعتداله وبالتالي عدالته وقدسيته.
وفي ظل التحديات الكبرى والخروقات الواسعة وضياع الأولويات؛ فإن المرأة العفيفة هي التي تضبط الساحة عن الالتقاط الفكري والنفسي والعملي، خاصة وأن في تاريخنا سيدات الإسلام فاطمة وخديجة وزينب (ع) التي كانت كل واحد منهن تمثل جيلا، فبين حركة أم المؤمنين خديجة وحركة الصديقة الزهراء والسيدة زينب أجيال ومتغيرات وتداعيات مختلفة، ولكنهن كنّ يتمتعن بنفس العفة والاقتدار النفسي الذي يتناسب والمرحلة، في حال أننا – غالباً – ما نعلّق فشلنا في هذا المضمار على التغيرات الأجيالية، ونصورها وكأنها رياح تقتلع الثوابت وتعصف بالعقول والأخلاق فتردينا بلا إرادة.
ولأهمية هذا البعد، وكونه المحكّ الكاشف عن الأدب الإسلامي الرفيع الذي يرفع من سقف تحصين المجتمع، أذكر شواهد تاريخية من حياة من أُمرنا أن نتأسى بهن: خديجة أم الأئمة، وفاطمة والسيدة زينب (ع).
إن حياة هؤلاء السيدات مليئة بالجهاد والمواجهة والمعارضة للانحرافات الاجتماعية في عصرهن، وإن كان التاريخ لم ينقل لنا جزئيات كثيرة من سيرتهن، إلا أنه حفظ لنا هذا المقطع الجهادي من حياتهن.
خديجة بنت خويلد (ع) سبقت كبار الرجال في تشخيص حقّانية الرسالة المحمدية والوحي المنزل على رسول الله (ص)، وكانت حصناً للنبي (ص) إذ خذله الناس؛ بل حصناً للدعوة الإسلامية بكل ما تمتلك من وجاهة وتاريخ وأموال.
فمع ما تعرضت له هذه السيدة الجليلة من مواجهة عنيفة من مجتمعها، إلا أنها لم تلجأ لدور انفعالي، ونحن نعلم أن المرأة في العادة تضعف إذا واجهها المجتمع وقاطعها، وتنفعل حيال ذلك، ومعلوم أن الحل الأقصر لإسقاط أي عدو هو ذكر مثالبه ونقائصه وعيوبه الأخلاقية الشخصية، ولكن هذا موقف انفعالي لا يتناسب وعقلانية من يحمل ديناً إلهيا، فلم تلجأ له خديجة (ع). وهذا يؤكد أن الحصانة متقومة بالفعل (البناء الفكري) والانفعال المتناسب مع ذلك البناء الفكري (التأثر السلوكي بالمعرفة).
وكذلك الصديقة الطاهرة فاطمة (ع)، فرغم ما جرى عليها من ظلم من قبل الأمة، ومع معرفتها بنقاط ضعف منافقي عصرها؛ إلا أنها لم تستنكر عليهم بسبّ أو شتم. نعم، ذكرت خوار قواهم، وعدم اتخاذهم الموقف المناسب بالحجج والبراهين والأدلة العقلية والنقلية؛ ولكنها لم تستغل نقاط ضعفهم ولو عبر مجرد كشفها.
وفي جيل ثالث وبعد ما يقارب الستين عاماً – وهي سنوات حافلة بالتغيرات كما هي سنّة الحياة – كانت زينب (ع)، وكانت كربلاء كاشفة للسوآت والعيوب الشخصية، ولكن زينب (ع) لم تتعرض لسبّ القوم، بل ذكرت فعالهم وحللت مواقفهم، وانتقدت تضييع المجتمع لمصالحه الواقعية، وتوثبه على ما يفسد تاريخه ومستقبله.
إن هذه المواقف تشكل في ثقافتنا الدينية ثوابت الحوار وأدب الاختلاف وأدب الجهاد، وترسم مدرسة متكاملة راسخه لمعنى العفة التي يدعو لها الإسلام.
ويبقى هذا سؤالٌ عريض: أين هي العفة في حياتنا اليوم؟
أليس خسران هذا العنصر يدس في داخلنا ما ليس منا ويحرفنا عن أهدافنا؟
وقيسوا على ذلك عدم العفة في النوايا وتلوث العقل، فهل يبقي هذا أو يذر؟؟!
-
٢/ الاهتمام بمعالي الأمور:
وهو العنصر الثاني من عناصر التحصين الاجتماعي، فالحصن إنما يجدر أن يُتحصن به إذا كان عالياً لا يمكن للعدو أن يعبر من فوقه. هذا في الحصن المادي، أما في الحصن النفسي فإن الانشغال بسفاسف الأمور يسلب الإنسان الفطنة والبصيرة، أو لنقل يفقده الوقار الروحي الذي هو الملاك في تعقل الموقف.
ترى لماذا ورد عندنا في الروايات أن ثلث العقل في التغافل؟(11) لا شك أنه ليس المراد هنا التغافل عن المخاطر الكبار التي تهدد المجتمع، وإنما التغافل عن الأمور الجزئية التي تموت بتجاهلها. فالوقار يصاحب الإيمان في الصفات، والتغافل يحتاج لضبط نفسي ويعين على إسكات هذيان النفس وهذرها وهدر طاقاتها، فإذا كان الإنسان سيغضب وينفعل أو يتخذ موقفاً من الآخرين عملياً لكل ما لا يروق له فإنه سيفقد موقعيته واقتداره على التأثير ويفقد وقاره، ولا يمكن حينها أن يكون مؤثراً ومحصِّنا.
وسمة التغافل من أهم سمات المرأة الأم، وهل الأمومة إلا التفطن في الأصول والتغافل عن صغار الأمور وإعطاء الفرصة تلو الفرصة للتوبة والأوبة، وضم العجز في حضنها الدافئ حتى يتلاشى بالمقابلة بالضد؟ إن ميزة الأمومة هو هذا الدفء الذي كثير منه تعامٍ مقصود وتغافل متعمد.
-
٣/ إزالة الموانع وإذابة العوائق:
وهو العنصر الأخير في عملية تحصين المجتمع.
إن كل إنسان يريد أن يفجر أمامه، أي يزيل الموانع عن طريقه ﴿بَلْ يُرِيدُ الْإِنسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ﴾ القيامة / 5 فإن كان من أهل الفساد فهو سيحارب الصالحين، ويكسر قيود العرف والأدب، ويقفز على المبادئ والقيم، ويحطم كل ما يمنعه من الوصول لما يشتهي، بل ليفجر أمامه – بالتعبير الدقيق للآية –
وإن كان الإنسان من أهل الذكر والطاعات والعبادات وممن يطمئن قلبه لذكر الله ومناجاته فهو بشكل دائم يزيل كل الحجب التي تمنعه عن الذكر.
وإذا كان من أهل التقوى فهو أيضاً سيفجر كل ما يقف حاجزاً دون بلوغه مناه، وسيطرد كل ما يصدّه عن مبتغاه، لأنه يريد مجتمعاً صالحاً يتناغم معه. هذا أيضاً يريد أن يفجر أمامه. وهذا السلوك هو من لوازم الحصانة الاجتماعية، وهو ينعكس على كل سلوكيات المجتمع تلقائيا.
الزهراء وحصانة الأمة:
أما ادعاؤنا بأن الزهراء (ع) نموذج كامل للتحصين الاجتماعي، فسيرتها تحكي بأنها الفاطمة المحصّنة للأمة وللرسالة، ويكفينا على ذلك شواهد ثلاثة:
1- إصرارها على إخفاء قبرها – مع ما في التبرك بقبرها من آثار معنوية – وتمسكها بأن تترك خلفها سداً منيعاً حائلاً دون انزلاق الأمة أمام مغريات السلطان والوجاهة والمال الذي حازته السلطة عن طريق الفتوحات واشترت به ضعاف النفوس. كان موقفها مؤمّنا لكل مسلم ومسلمة عن التراخي والوهن والضعف والانهيار، ومثالاً للممانعة عن الانسياق للرأي العام الذي يستبدل النموذج الأصيل بالدخيل ويستبدل القوادم بالذنابي.
2- إذا كانت الطبقة الأجيالية في علم الرجال ثلاثين سنة فالآن مع المتغيرات أزيلت هذه الفوارق، فالشيخ والشيخة أصبحا يتصابيان في اللبس والمنطق ونمط الحياة، ولكن الزهراء (ع) كانت تكبر في اليوم بمقدار شهر وفي الشهر بمقدار سنة – كما في الأخبار – ولا شك أن معنى ذلك أنها كانت تزداد عقلاً ووقاراً وصبراً وتحملاً حتى صارت الممتحنة على الإطلاق، وكانت ثابتة المعايير مع تغير الظروف والأوضاع حيث بدأت بنت النبي المكذب المطرود، وفي أواسط حياتها كانت بنت الزعيم المنتصر القائد الفاتح، وفي آخر حياتها كانت في ظرف آخر تماما. وهذا هو الوقار الروحي الذي يستحيل معه التقلب وتغيير الموازين. ومحور الحصانة استحكام الثوابت.
3- تسمية النبي (ص) لها بأنها سيدة نساء العالمين، ولم يقل سيدة نسوة العالمين، فعلاوة على ما في الاختلاف الوضعي بين اللفظين من القلة والكثرة هناك من حيث الاستخدام القرآني للفظين تفاوت جذري.
فلفظة النساء جاءت في القرآن الكريم بما يقارب 42 مرة من مجموع الخطاب الموجه للمرأة، وغالباً ما يتعلق بتنظيم وترتيب وضعها في داخل المجتمع الإسلامي. فالقرآن حين يريد أن يعبّر عن المرأة باعتبارها مكوناً اجتماعياً صالحاً ومصلحاً له حضوره وفاعليته، فهو يعبر عنها في المجموع بالنساء ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ ۖ لِّيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ ۚ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا..﴾ الفتح/ 25 ﴿يا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ﴾ الأحزاب/ 32 ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ النساء/ 34 وغالباً ما يقصد بهذه التسمية إصلاح وضع أسري أو اجتماعي أو اقتصادي.
أما التعبير بـ النسوة فلم يرد إلا في موضعين في سورة يوسف يتعلقان بتجمع مفسد، أو ذو اهتمامات تافهة، كالكيد والنميمة والقذف ﴿وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ يوسف/ 30 وفي آية ثانية نجد نفس التعبير لنفس الغرض ﴿ارْجِعْ إِلَىٰ رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ۚ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ﴾ يوسف/ 50. من هنا فإذا كانت فاطمة سيدة نساء العالمين؛ فهذا يعني أنها سيدة المصلحات وسيدة الفاعلات.
ختاما..
إذا قيل أن أقوى طريق للمعرفة هو الوجدان الفطري، وأن دليل الحسن والقبح وجداني، فإن الزهراء (ع) وجدان العفة الذي يجرنا فطرياً إلى الاشمئزاز من كل سلوك وممارسة تنافي العفة. ونفس هذا الشعور هو توبة وتطهير روحي، يتحول تدريجياً إلى منطق اجتماعي، وهو المنشأ لتحقيق حصانة اجتماعية.
ويمكن أن نوجز هدفنا بالقول: إن دور المرأة في البناء الاجتماعي يكون بالحصانة المتقومة بالعفة والاهتمامات الكبرى، وإزالة الموانع للوصول إلى مقام الذكر الذي يتفرع عنه الاستقامة والوعي والايمان.
وأظن أن هذا العنوان اليوم هو عنوان مهم، خصوصاً مع الغزو الثقافي الأخير الذي يحاول أن يقصف كل البنى التحتية للأخلاق والفكر.

* ورقة العالمة الفاضلة أم عباس الطاهر النمر – ملتقى المرأة السادس ١٤٣٨هـ
1. تذكرة الفقهاء للعلامة الحلي، ص 569
2. عن أبي جعفر (ع) “… فتصل النطفة إلى الرحم فتردد فيه أربعين يوما، ثم تصير مضغة أربعين يوما، ثم تصير لحماً تجري فيه عروق مشتبكة، ثم يبعث الله ملكين خلّاقين يخلقان في الأرحام ما يشاء الله…فينفخان فيها روح الحياة والبقاء” الكافي، ج 6ص 13
3. الميزان في تفسير القرآن، ج2 ص ٢٧٦
4. السيّد كاظم بن السيّد علي بن السيّد جليل بن السيّد إبراهيم الحسينيّ الحائريّ. ينتهي نسبه للإمام زين العابدين (ع)، مرجع شيعي عراقي مُعاصر مقيمٌ بمدينة قم الإيرانية، ويُعد من القيادات الدينية والسياسية البارزة في الساحة العراقية.
5. الاستفتاءات، السيد علي السيستاني، الحديث مع الأجنبي.
6. نهج البلاغة.
7. الحَصان في اللغة العفيفة من النساء.
8. آية الله الشيخ عبد الله الجوادي الآملي (1932 -..) فيلسوف، مفسر وعالم دين إسلامي ومرجع شيعي، مؤسس مؤسسة الإسراء للبحوث في مدينة قم الإيرانية، وأحد أبرز علماء الدين الإيرانيين وهو من تلامذة المفسر والفيلسوف الإسلامي الكبير محمد حسين الطباطبائي وهو من أشهر المفسرين والفلاسفة الشيعة في الوقت الراهن.
9. هي أميرة إيرانية. ابنة الشاة رضا بهلوي مؤسس الدولة البهلوية والشقيقة التوأم لـمحمد رضا بهلوي آخر شاه حكم إيران قبل قيام الثورة الإسلامية عام 1979م.
10. نهج البلاغة.
11. قال الإمام الباقر (ع): “صلاح شأن الناس التعايش والتعاشر ملءُ مكيال: ثلثاه فطن، وثلث تغافل” بحار الأنوار، ج 74 ص 167

0 تعليق