تقدم القراءة:

فزت ورب الكعبة ٢

الأثنين 27 شوال 1445هـ 6-5-2024م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين.
السلام عليك يا رسول الله، السلام على أمير المؤمنين، وعلى الصديقة الطاهرة، وآل بيت العصمة والطهارة سيما خاتمهم صلوات الله وسلامه عليه، وهو المعزى في هذه الليلة التي يصارع فيها أميرالمؤمنين ﴿؏﴾ ألم الجرح العميق الذي سينهي حياته المقدسة الحافلة بالجهاد والصبر، وإقامة حدود الدين واحتمال الأذى في ذات الله، حياة عامرة بكل القيم عمّر بها آخرته وآخرة من والاه.
وفي مثل هذه الليلة يصارع آل علي مرارة الفقد ووحشة الفراق وخلو مكان الوصي الأعظم، والفاروق الأكبر بين الحق والباطل والذي كان يربطهم بأركان العرش و يقطعهم عن الدنيا.
في كل موقف لعلي زاوية يبرق منها اليقين الصادق ويدور حولها الإيمان الكامل، فهو القائل حينما ضربت هامته المقدسة “فزت ورب الكعبة”(١)

عودًا وتعقيبًا على ما سبق

لقد تم الحديث فيما سبق عن دلالة هذه المقولة وما تكتنزه وتعبرعنه من اليقين المطلق، وعن حاجتنا اليوم لفهم قيمة اليقين لكي نعالج ونقف أمام تحديات مرض العصر من التشكيك.
لقد سبق وأن تعرضنا -في الليلة السابقة- لمنهج التشكيك النظري الذي يواجهنا في ساحات كثيرة، ليسرق الإيمان من المباني الدينية، ومن عقولنا وفهمنا، ويحاول الجمع بين معطيات الإسلام الكامل وبين سائر المناحي الأخرى التي لا حجة ولا دليل ولا برهان عليها.
وقد ذكرنا أن هناك حقلان، حقل نظري يُعمل عليه بدقة، وبمنهجية مدروسة لسلب هذا اليقين، وجعل الأوهام والهرطقات والماديات والسفسطات تحل مكان الإيمان واليقين العلمي المتقن، وحقل آخر عملي.
وسوف نتحدث الليلة عن الحقل الثاني والذي يرتكز حول الحقل والميدان العملي مقابل النظري، كما ويرتكز على نسيان الإنسان لآخرته.

منهج التشكيك العملي وركيزته “نسيان عالم الآخرة”

إننا نلحظ أن القرآن الكريم يؤكد أن اليقين بالحقائق الواقعية، كما ينتج عبر التحقيق في خصوصيات الدين النظرية الكاملة، كذلك ينتج عن اليقين بعالم الآخرة
اليقين بالآخرة علاوة على مطلوبيته الذاتية للإنسان، فإنه أيضا يعالج الغفلة والانشغال بغير الآخرة.
إن الاهتمام والتركيز على العمل الأخروي يقطع عن الإنسان حبل التردد في حالاته الدنيوية؛ لأن التردد أسوء مرض، فهو يُوَلِد عند الإنسان الخوف من كل شيء ويسلبه الاطمئنان. (٢)
روي عن الإمام الصادق ﴿؏﴾ أنه قال: “إن الله -بعدله وحكمته وعلمه- جعل الروح والفرح في اليقين والرضا عن الله، وجعل الهم والحزن في الشك والسخط” (٣) فمن هذه النصوص وأمثالها نفهم جيدًا إن الإنسان حين يصل إلى مقام اليقين فقلبه وروحه تنغمر بالطمأنينة والسكينة،
إن الإيمان بالآخرة وبتفاصيلها هو الذي يجعل الإنسان على حق اليقين، يقول الله تعالى في سورة الواقعة حينما يتحدث عن الآخرة ويقسم الناس فيها:﴿إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ﴾ الواقعة: ٩٥
فالآيات تقسم مصائر الناس بشكل لا لبس فيه وتقول : ﴿فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ ٨٩ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩٠ فَسَلَٰمٞ لَّكَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلۡيَمِينِ ٩١ وَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٱلضَّآلِّينَ ٩٢ فَنُزُلٞ مِّنۡ حَمِيمٖ ٩٣ وَتَصۡلِيَةُ جَحِيمٍ ٩٤ إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ حَقُّ ٱلۡيَقِينِ٩٥  الواقعة : ٨٨-٩٥
وليس المراد من حق اليقين في الآية الشريفة ما سوف يُكشف في الآخرة، لأن جميع الأمور في الآخرة تكون لا ريب فيها وهي مكشوفة للجميع، للكافر والمشرك والمؤمن والضال؛ فهؤلاء جميعًا سوف يرون الآخرة بشكل واضح، يقول الله تعالى: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ مريم: ٧١
إذ الجميع سوف يدخل ويرى الآخرة وتنكشف له ،ولكن المراد باليقين شيء آخر فما هو وكيف يتحقق؟

سورة التكاثر منهج لتحصيل اليقين الأخروي

تساءلنا فيما سبق كيف يمكن للإنسان أن يحقق اليقين؟ وفي مقام الجواب نقول: إن اليقين يتحقق بالتركيز على الآخرة وإشغال القلب بها وبشؤونها، فقد جاء عن أمير المؤمنين ﴿؏﴾: “ما زلنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت ألهاكم التكاثر، إلى قوله: كلا سوف تعلمون” (٤)
وليس المراد هنا أننا نشك في الآخرة بمعنى أننا نشك في صدق حديث النبي ﷺ وآله عن الآخرة واليوم الآخر؛ بل المراد من الشك هنا هو ما يقابل اليقين وانكشاف الحقيقة، أي أنه وبعد نزول هذه الآيات أصبح المسلمون -في سيرهم وسلوكهم – منشغلين بالآخرة عن التكاثر
فقد كان عموم المسلمين -وكما تشير التفاسير- يعتقدون وهم في هذه الدنيا عدم إمكانية الانقطاع عن شأن من شؤون الدنيا لانشغالهم بالتكاثر، ولكن عند حصول ذلك الانقطاع كانت تحصل لهم الراحة ويصبح لديهم سعة أفق، حتى نزلت هذه الآية فأعطت المنهج والطريق والمسلك الذي يوصل إلى اليقين، وقد ورد في الروايات إشارة إلى هذا المعنى الدقيق، ونقلتها كتب التفسير، حيث جاء في تفسير الفخر الرازي عن أحد أصحاب أمير المؤمنين ﴿؏﴾ اسمه زر بن حبيش أنه قال: “كنا في شك في عذاب القبر حتى سألنا عليا فأخبرنا أن هذه الآية دليل على عذاب القبر”(٥)، بمعنى أنه لعلنا نشك في حدوث عذاب القبر،(٦) ولمزيد من التأكيد والإنذار فإن الآية تقول: ﴿لَتَرَوُنَّ ٱلۡجَحِيمَ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيۡنَ ٱلۡيَقِينِ، ثُمَّ لَتُسۡـَٔلُنَّ يَوۡمَئِذٍ عَنِ ٱلنَّعِيمِ﴾ التكاثر: ٦-٨، حيث تشير الآيات إلى أن هناك ارتباط بين النعيم الحقيقي الواقعي، وبين التكاثر الذي يحجب الإنسان عن الوصول إلى اليقين.

أعداء الدين والصد عن الوصول لليقين الأخروي

لو تساءلنا ماذا يفعل أعداء الدين ليصدوا الناس عن الوصول إلى هذا اليقين؟
لقد أشرنا سابقًا إلى أن مسألة الشك والريب وانتزاع حالات اليقين تكون عبر الأفكار الالتقاطية وزراعة التشكيك، وقلب الواقع إلى وهم وبالعكس قلب الوهم إلى واقع، كذلك إشغال الناس بالهموم وإلهائهم بالنعم الكاذبة عن النعيم الأصيل، والتوسع في الملذات وطلب المتعة دائما، وهذا ما يسمى بالتكاثر الذي يجعل القلب منشغلًا عن الوصول إلى اليقين الذي يتوصل إليه بالتمسك بالولاية.
ومن الملاحظ اليوم اتساع دائرة التكاثر عما سبق، حيث كان التكاثر بالمال والولد والعشيرة، وهو أضيق وأكثر بساطة، وأسرع اكتشافًا للذين يتكاثرون ويتفاخرون
أما الآن فقد أصبح التكاثر مركبًا لا بالمال والأملاك والتفاخر بها فحسب ؛بل أصبح في أشياء وهمية تثني عليها الناس وتمدحها، والأمثلة على ذلك كثيرة ؛كإحصاء عدد متابعي هذا الحساب أو ذاك، أو عدد حضور هذا المجلس أو ذاك وأيهما أكثر عددا يكون له التأييد والإعجاب، وكذلك ثمة نوع من التكاثر تشيرله تتمة الآية والتي تنطوي على نكتة لطيفة ﴿أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ، حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِرَ﴾ التكاثر: ١-٢
فهذا النوع من التكاثر يقصد فيه الإنسان حتى الموتى ومن هم في القبور؛ ليتكاثر بهم ويجعلهم في عداد المؤيدين والأتباع له ويضيفهم إلى ما ينتسب له من أفراد وإن كانوا من الموتى؛ من أجل البروز والوصول للشهرة بطرق وهمية وبدون قدرات واقعية ولا شهادات أو كفاءات، والناس تساعدهم على ذلك و تتابعهم؛ وكلما ازداد عدد المتابعين زاد إنتاجهم، فمع زيادة الطلب يزداد العرض، وبالتالي فإن أولئك يجمعون ثروة اجتماعية كاذبة بل ثروات مادية من ضعفاء الفكر، ففي الآية الشريفة ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ﴾ الحج:٧٣
إن كلا من المتكاثر ومن يضيف إلى رصيد المتكاثر ضعفاء، ولكي نفهم هذا المعنى، لابد من ملاحظة سياق الآيات والتي تقارن بين اليقين الحاصل من معرفة الآخرة والإيمان اليقيني بها، وبين ما يقابله من التكاثر بالنعم الكاذبة والوهمية المشغلة، والتي تذيب كل يقين في القلب، وهذا مما يستفيد منه أعداء الدين حتى أنه هناك مؤسسات معروفة تخطط و تعمل على ذلك

العامل الأساس للتكاثر وكيفية دفع الناس باتجاه التكاثر

جاء في التفاسير إن الآية الشريفة (أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ) تبين أحد العوامل الأساسية للتكاثر والتفاخر، وهو التباهي بالجهل والابتعاد عن الإدراك، وعدم الإيمان بالمعاد حتى على مستوى احتمال جزاء الآخرة؛ حيث إن جهل الإنسان يضعفه ويسكته، ويجعله يتكبر ويتفاخر بالوهميات؛ ولهذا جاء في موارد كثيرة من القصص القرآنية ما يكسر روح التفاخر والتكاثر في الأفراد بأضعف وأقل الأشياء الطبيعية، فذكر كيفية هلاك الأقوام السابق بأشياء من الطبيعة بديهية وغير مركبة، كالرياح والصواعق والزلازل والسيول، وبتصفيق الناس، وبالماء، وبالهواء، والتراب ما هو إلا كسر لروح التفاخر والتكاثر لدى أولئك .
أما كيف يتم دفع الناس باتجاه التكاثر؟
فيتم بتخويف الناس من الفقر وطلب الفخر
فلو لاحظنا الوضع اليوم فسنجد أن جميع أفراد الأسرة موظفون أو يبحثون عن وظيفة؛ بل إن العائلة لا ترى في عمل الأم طوال اليوم بأسًا ؛ وذلك لا لحاجة لهم للوظيفة ؛ بل لأنهم في الحقيقة يطلبون التفاخر والتكاثر يقول أمير المؤمنين ﴿؏﴾: “أهلك الناس اثنان خوف الفقر وطلب الفخر” (٧)
إن من أهم عوامل الحرص والبخل، ومحبة الخلود في الدنيا والمنافسة وكثرة المفاسد الاجتماعية؛ توهم الفقر و طلب الفخر والتعالي بين أفراد الناس والأمم والقبائل، جاء عن رسول الله ﷺ وآله “ما أخشى عليكم الفقر، ولكن أخشى عليكم التكاثر”(٨)
وهنا لا يفوتنا أن نلفت لنكتة وهي أنه ليس كل نشاط اقتصادي خطأ، فلا يمكننا القول بأن النشاط الاقتصادي الذي يبنى على أساس مصلحة الأبناء والأسرة؛ ويبنى على أساس مصلحة المرأة نفسها -والتي جعلها الدين مكفولة- فليس كل نشاط هو خطأ؛ ولكن عندما يريد جميع أفراد الأسرة التكاثر؛ فإن موضوع التفكير في الأسرة والعائلة وشؤونها ينتفي؛ ولهذا يقول رسول الله -ص- أخشى عليكم من الفقر
فالخشية من التكاثر هنا لا تعني عدم تمكن الإنسان من الحصول على المأكل والمشرب والمأوى، فهي أمور يسهل بل يتعين الحصول عليها؛ ولكن الخشية هنا تعني أن يهدم المجتمع كل قيمة من أجل التكاثر.. فما الذي يجعل الإنسان يرغب في التكاثر؟
إن نسيان الإنسان للنعيم والنعم الواقعية هو الذي يجعله يتكاثر، يقول تعالى:(ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ)، النعيم هو الولاية، وكلما نسي الإنسان الولاية سوف يتكاثر، فالنعيم في الآية مقابل التكاثر، وإن الفقر الواقعي هو الفقر في معرفة الولاية وطريقها، وترك التمسك بها؛ والمراد من الولاية هي ولاية الله، وولاية رسول الله، ولاية أمير المؤمنين، والولاية الممتدة في الأئمة ﴿؏﴾ ولاية الوالدين، ولاية الزوج على زوجته والتي تكون حصانة للمرأة؛ ومما يؤسف له أن يتم الاستغناء عنها بالتكاثر، حتى صار الهم والمفاخرة بين بعض النساء في أيها تجني المال أكثر، وأيها إمكانياتها أكثر ، وأيها موقعها الاجتماعي ومتابعيها أكثر.
لقد أصبح هذا التكاثر يلهي الجميع، لأنه يشغل النفس والروح ويلهيها عن المقصد الواقعي وهوعدم الانشغال بالتكاثرعن الآخرة، وإذا أصبحت الثقافة الموجودة هي الترويج للملهيات الدنيوية فمن الطبيعي سوف تشغل الإنسان عن الآخرة، فالدنيا إنما هي لعب ولهو، فالتكاثر الذي يسلب من القلب التمسك بالولاية و يسلب من القلب الاهتمام بهذه النعمة هو الذي سوف يسأل عنه .
يعبر الشهيد مطهري عن ذلك اللهو بتعبير دقيق: “اللهو الذي له القدرة على جذب الإنسان وصرف باطنه عن المهمات والضروريات”
وهذا هو الذي يحدث اليوم ونراه من الناس؛ فالسوق محموم، وأصبحت الوظيفة والشهادة هي الشغل الشاغل للناس وهي ما يتركب عليه تكوين الأسر والمجتمعات، حتى أن بعض النساء يعزفن عن الزواج بسبب العمل، فالعمل ليس عيبًا؛ إلا إنه أصبح في مثل هذه الأيام أكثر أهمية من الحياة الأسرية والزوجية، وبناء الأسرة والتأسيس والتثبيت لدعائم البيت الإسلامي وتربية الأطفال.
وبطبيعة الحال فإن التكاثر مشغل للإنسان إلا المعصوم؛ فالمعصوم لا يتكاثر.(٩)

اليقين الأخروي نجاة من حالة التكاثر

ذكرنا أن الإمكانيات من أموال وأولاد وجاه يمكن أن تكون سببًا للتكاثر ولكن في المقابل بمقدورها أن تكون رصيد في سبيل تحقيق الكمال الحقيقي يقول الشهيد مطهري: “الله سبحانه وتعالى أعطى الإنسان إمكانيات كثيرة ورصيد كبير وهو الفطرة على طلب الكمال الواقعي”
إن الله سبحانه وتعالى خلق في الإنسان -وكما يقول الشهيد مطهري-: ووهبه أهم كنز وهو طلبه للتقرب إلى الله لكمال نفسه وذاته وحقيقته، وإن مزج هذه الحالة من الطلب لكمال الإنسان بالتوحيد هو الذي يغني الإنسان؛ ولذلك جاء في تفسير الآية ﴿إنما إِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۚ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ﴾” النحل:٢٢
إن هناك تلازم وثيق بين عدم التمسك بالإله الواحد والكفر بالآخرة ، فالتوحيد والإيمان هو الذي يبقي حياة الإنسان أخروية، أو بتعبير آخر(يهب الإنسان اليقين بالآخرة) وهذا ما ينجي الإنسان من حالة التكاثر، والآية هنا تربط بين هذين الأمرين؛ ضياع التوحيد وإنكار الآخرة؛ فإن التوحيد والإيمان بالآخرة أمر واحد، ولكن أحدهما ظاهر والآخر باطن، ويمكننا أن نعبر بأن أحدهما عملي يدفع باتجاه العمل والآخر نظري، وإن كان كلاهما يشغلان الباطن ، ولذلك نلحظ أن الله – تعالى – عقّب قوله ” إلهكم إله واحد” بقوله تعالى ” فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُون”
إن إدراك التوحيد يجعل الإنسان أخروي، وهذا أثمن ما أعطاه الله سبحانه وتعالى للإنسان، وهو رأس ماله الأساسي، ولكن عندما لا يُرشِّده ولا يُمكّنه من التوجه نحو السبيل الذي أراده الله عن طريق التزكية، وقد يسره الله للإنسان ﴿ثم السبيل يسره﴾ عبس:٣٠، وعندما يقتصر الإنسان على الاهتمام بالأمور الظاهرية والتفاخر بالمظاهر، فهو لن يعرف كيف يزكي نفسه؟ ولن يعرف كيف يُفَعِّل ذكر الآخرة في تهذيب نفسه بالرغم من كونه أمر بسيط، وبتعبير دقيق يقول الشهيد مطهري: “إذا خسر الإنسان هذه الإمكانية فإنه سوف يفقد بالدقة المبرر الأساسي لوجوده”، وكشاهد على ذلك نجد البعض ممن انشغل عما أراده الله منه معبأ بتساؤلات قد تدل على اعتراضه على أصل وجوده فنجدهم يتسائلون لماذا وجدنا لماذا خلقنا؟ نعم فمن الطبيعي أن يكون الإنسان المشغول بغير الولاية والنعمة الكبرى معبأ بأسئلة استنكارية وجودية؛ لأنه لا يرى مبررًا لوجوده؛ إذ المبرر الباطني الواقعي الحقيقي لوجوده هو الاهتمام بالولاية، وإذا انشغل عنها وأصبحت مشاغله كبيرة؛ وضيع أفضل ما أنعمه الله عليه وهو الولاية فلن يرى المبرر؛ لذلك لا يزال الناس يعيشون سؤال الحيرة ولماذا خُلقنا؟ ولماذا نحن مجبرون وجوديا على هذا الخلق؟

الانشغال بالتكاثر حائل عن الوصول للهدف الحقيقي

إن الذي ضاع من أولئك المنشغلون بالتكاثر ليس المال والأولاد، إنما الذي أضيع هو القيمة والنعمة الواقعية، فإن الذي لا يعيش هذه النعمة فمن الطبيعي أن يسأل عن سبب وجوده؟ وعن سبب تألمه؟ لأنه ليس منشغلا بالأساس بل هو منشغل ومتكاثر بأمور أخرى ، ليست بذات قيمة وليست للتكاثر في نفسها؛ بل هي أمور طريقية؛ تكون مهمة وذات قيمة إذا أعانت على الوصول للهدف الحقيقي والأصيل وهو الولاية.
ومن جملة ما ذكرنا ومن خلال ملاحظة الواقع الخارجي نجد أن هناك خلط بين الاهتمام بالولاية واستبداله بالانشغال بالتكاثر، وكم هو عجيب عالم التكاثر فهو لا ينتهي أبدا؛ وهذا ما يستفيد منه أعداء الدين فإننا نجد خطة مدروسة من قبل أعداء الدين والولاية فهم يعملون على إعداد برامج بالذكاء الاصطناعي -والذي أصبح اليوم من أسوأ الوسائل وأكثرها فداحة- ليكتشفوا اهتمامات الناس، وماذلك في حقيقته إلا إفراغ للقلوب من الآخرة
في الرواية ورد عن الإمام الصادق ﴿؏﴾: “يا طالب الجنة كيف تنشغل بغيرها”،(١٠)  فكيف بمن يطلب الجنة أن ينشغل بغيرها؟! إن من ينشغل بغير الجنة ستتولد في ذهنه أسئلة تكشف عن سخطه وألمه لأي خسارة تحدث، فهويتصور أن الثروة الواقعية في استماع ومتابعة الناس لحسابه أو في حضور عدد كبير لمجلسه، حيث يتضخم عنده هذا الاهتمام وهذا التكاثر.
وفي ذات السياق يذكر الشهيد مطهري “إن الإنسان الذي ينزل إلى هذا المستوى قد حقر نفسه حيث ربط كماله الواقعي بأشياء وهمية ثانوية خارجة عنه”
في الرواية عن رسول الله -ص- والتي أشار الشهيد المطهري لمضمونها: “أن ابن آدم يقول َمالي مَالي! وَهَل لَكَ يَا ابْنَ آدمَ مِنْ مالِكَ إِلَّا مَا أَكَلْتَ فَأَفْنَيْتَ، أَو لَبِسْتَ فَأَبْلَيْتَ، أَوْ تَصَدَّقْتَ فَأَمْضَيْتَ؟!”(١١)
فكيف للإنسان أن ينسب ماعنده من مال لنفسه فيتصور أن ماله هو الذي كثره وهو جزء منه ويمثل شخصيته، في الوقت الذي ليس له من ماله شيء إلا الذي أكله، وليس له من لبسه إلا الذي لبسه، فهو بهذا القدر من المحدودية؛ أما ما زاد عن ذلك مما أودعه في البنك أو اشترى به عقار أو أرض فليس بماله، والأكثر غرابة من ذلك هو احترام الناس لمن انشغلوا بالتكاثر ولديهم إمكانيات مالية أكثر، وهؤلاء ممن ذمهم القرآن الكريم.
ومما يريد الشهيد مطهري أن يلفت إليه هو مكانة وموقع الشخص الذي ربط نفسه بهذه الامور المادية والمتكاثرة وماهو الحجم الواقعي الذي ينبغي أن يعطى له .

أمير المؤمنين (ع) يعالج الانشغال بالتكاثر

من هنا نلاحظ أن أمير المؤمنين ﴿؏﴾  قد أولى مسألة الاهتمام والانشغال بالمظاهر اهتمامًا كبيرًا، وعالج هذه الظاهرة علاجًا يقطع التكاثر تمامًا من النفس، لأن التكاثر يسلب اليقين القلبي العرفاني العملي، أي أن يعمل الإنسان بما يتيقن، ففي خطبة لأمير المؤمنين ﴿؏﴾ والتي ألقاها عندما قرأ هذه الآية (أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ، حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِر)(١٢)
إذ لابد من معالجة ظاهرة التكاثر على مستوى الفرد والأسرة حيث يجب أن ينتزع من الطفل بالخصوص التكاثر والتفاخر والانشغال منذ حداثة سنه حتى لا يسلبه التكاثر الولايةَ واليقين؛ فللوصول للولاية لابد من الانشغال بالهم الأول وملأ الوقت والعمر بالقرب من الولاية؛ لذلك نجده صلوات الله وسلامه عليه ومن موقع القيادة الحساس ذكر هذه الخطبة مما يدلل على كونه كلام مهم وأساسي، يقول ابن أبي الحديد عن أهمية وقيمة هذه الخطبة “فقد جاء في كلام عن أمير المؤمنين ع بعد أن قرأ (أَلۡهَىٰكُمُ ٱلتَّكَاثُرُ، حَتَّىٰ زُرۡتُمُ ٱلۡمَقَابِر) يا له من امر ما أبعده وزوار ما أغفله وخطرا ما أفظعه”، نلاحظ هنا كم الخطاب مهم وبليغ وكأنه ﴿؏﴾ منذر بحرب وجيش، ثم قال: ” لقد استخلوا منهم أي مدكر وتناوشوهم من مكان بعيد أفبمصارع آبائهم يفخرون أم بعديد الهلكى، يرتجعون منهم أجسادا خوت وحركات سكنت ولان يكونوا عبرا أحق من أن يكون مفتخرا”، فنحن عندما نرى موتى العقول والنفوس فهؤلاء عبرة لنا وليس مفخرة، يقول في ذلك ابن أبي الحديد المعتزلي: “وأقسم بمن تقسم الأمم كلها به، لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرة، ما قرأتها قط إلا وأحدثت عندي روعة وخوفا وعظة، وأثرت في قلبي وجيبا وفي أعضائي رعدة، ولا تأملتها إلا وذكرت الموتى من أهلي وأقاربي وأرباب ودي، وخيلت في نفسي أني أنا ذلك الشخص الذي وصف ﴿؏﴾ (١٣)
ولأن الآية خطاب عام، فمن الذي يستطيع أن يعصم نفسه، إلا ذلك الإنسان الذي عنده اهتمام ويقين بالآخرة وقدرة على أن يعيش وينشغل بهموم الآخرة.
إن الانشغال بهم الآخرة هو الذي يجعل الإنسان في مثل هذه الليلة يتضرع لله سبحانه؛ لأنه موقن بخطاياه وبتقصيره وبكرم الله ولطفه -تعالى – وفي المقابل نحن لسنا على يقين من حسناتنا بأنها تامة وكاملة لكننا متيقنون من أخطائنا؛ إذن يتعين علينا في مثل هذه الليال أن ننشغل بتخليص أنفسنا في اليوم الآخر، متوسلين بأمير المؤمنين ﴿؏﴾ ومستمسكين بنهجه فكلما كنا على يقين بهذا المنهج كلما تمسكنا بالولاية أكثر.


  1. روى هذه المقولة بعض علماء الشيعة كالسيد الرضي في خصائص الأئمة ص٦٣ ، وابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب ج١- ص٣٨٥
    كما رواها بعض علماء أهل السنة  كابن الأثير في أسد الغابة ج٤- ص ٣٨، والبلاذري في انساب الأشراف ج٣- ص ٢٥٩
    وذكرها ابن أبي الحديد في شرحه على نهج البلاغة في أكثر من موضع  ومنها في ج٩ – ص٢٠٧
  2. كما هو حال الجهل فهو يلازم الخوف كما نلحظ فمثلا عندما نمشي في طريق ويمشي خلفنا شيء نجهله فإننا نخافه لجهلنا به.
  3. ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٦١١
  4. مجمع البيان في تفسير القرآن – الشيخ الطبرسي ج١٠- ص٤٣٢
  5. الشك هنا مقابل اليقين، بخلاف العلم فهو مقابل الجهل
  6. نقل ذلك في  الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل – الشيخ ناصر مكارم الشيرازي – ج ٢٠ – الصفحة ٤٢٢
    التفسير الكبير “مفاتيح الغيب” للفخر الرازي ج٣٢-ص٢٧٢
  7. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٧٠ – الصفحة ٢٩٠
    ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٣ – الصفحة ٢٣٨٠
  8. ينبغي أن نلتفت ونؤكد على أن الأموال والأولاد وحتى الجاه ليست دائما سببًا للتكاثر، إلا إذا تحولت إلى حالة من أسباب الفخر وطلب الكثرة ، ولكننا وفي أيامنا هذه نجد إن هذا الانشداد والميل للتكاثر يشتد مع الدفع الاجتماعي القوي مما يؤدي إلى التكاثر.
  9. ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ٤ – الصفحة ٢٩٨٦
  10. ورد في مضمون هذه الرواية ما روي عن الإمام الباقر ﴿؏﴾: يا طالب الجنة! ما أطول نومك؟! وأكل مطيتك؟! وأوهى همتك؟! فلله أنت من طالب ومطلوب، ويا هاربا من النار”
    ميزان الحكمة – محمد الريشهري – ج ١ – الصفحة ٤٢٤
  11. بحار الأنوار – العلامة المجلسي – ج ٧٠ – الصفحة ١٣٨
  12. من كلام له بعد تلاوته ” ألهاكم التكاثر” شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ١١ – الصفحة ١٤٥
    ومن القلائل أن يقرأ أمير المؤمنين آية ويفسرها في خطبة كاملة – وربما إن هذه الخطبة قد صدرت في وقت دولة أمير المؤمنين ﴿؏﴾ عندما ثنيت له الوسادة وأصبح قائد الأمة المقيم للحكم الإسلامي فأراد علاج هذه المسألة المهمة؛ لأن الدولة بسياستها هي أمة قد تهيج وتحض على التكاثر وتضع قوانين للناس تجعلهم يجرون خلف التكاثر فقط وقد قال هذه الخطبة من موقع كونه المؤسس لهذه الدولة، وقد يعد أمر من النوادر أن يبدأ الإمام خطبته بآية ثم يفسرها ربما هناك أربع أو خمس خطب في ذلك منها هذه الخطبة التي عالج فيها ظاهرة التكاثر.
  13.  شرح نهج البلاغة – ابن أبي الحديد – ج ١١ – الصفحة ١٥٣

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 198٬390 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 0 (0)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (1)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.