﷽
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين، لرسول الله ﷺ وآله والصدّيقة الطاهرة ﴿؏﴾ ولأمير المؤمنين والمعصومين ﴿؏﴾ كافة، سيّما خاتمهم (عج)، مراجعنا العظام، أخواتي المؤمنات، بناتي العزيزات، أهنأ وأبرك الأعياد بميلاد منقذ العالم، والسالك بهم مسالك الهدى، ومخرج النّاس من ظلمة الريب والشك والشرك إلى نور الحقائق، وسائق به كل الخليقة من الخلق إلى الحقّ بالحقّ عجل الله تعالى فرجه الشريف وسهل لنا المسلك إلى خروجه.
الحديث سيكون حول طريقنا للوصول إلى الإمام (عج)
وعنوانه: كيف الطريق إليه (عج)؟
الوصول إلى الشيء فرع لإثبات أصل وجوده
إن الحديث عن الإمام المهدي (عج) له أبعاد عدّة؛ منها ما هو عرفاني، وفلسفي، وكلامي، ومعرفي، وأخلاقي، وتاريخي، ومنها ما له تطبيقات خارجية كثيرة ومتعددة؛ ولكن قد يكون من أهمّ ما ينبغي البحث والحديث عنه، هو في نحو وكيفية الارتباط به (عج)، وما هو النهج والمنهاج للوصول إليه (عج)؟
فهل يكون ذلك بأن نقصد مسجد السهلة المعظّم أو مسجد جمكران، أم أن نذهب إلى البرّ مثلًا، أو من خلال مناجاته وندبته في الجمعات والأعياد وهل هذا وحده هو سبيل الموالي للوصول إليه (عج)؟
أم أن هناك طرق واضحة وبيّنة منصوص عليها من قبل الدّين الحنيف، وقد بينها أهل البيت ﴿؏﴾؟
وقبل أن نبين طرق الوصول للإمام (عج) يتعين علينا -وقبل ذلك- أن نثبت أصل وحقيقة وجوده المبارك (عج)، فإثبات الشيء يتفرع عليه تحديد طريق الوصول إليه.
وكأيّ مسألة واقعية يجب أن تخضع لمنهج عقلي وعلمي للقضاء على الشبهات المطروحة والتي قد يبثها المشككون والمضللون؛ فتنفذ للعقل والقلب كالسمّ الزعاف، فإن لم تقتله، فأقلّ ما يكون منها أن تُمرضه، وتُبقي الإنسان يتقلب في أوجاع وأتعاب مرض الشك ويتيه في دائرة الحيرة.
ولكي يقطع الإنسان دابر الشك والتشويش الواقع على أفكاره، والتي قد تجعله ينكر الحقيقة ولو كانت بيّنة كالشمس، فهو بحاجة إلى منهج علمي ودقيق يثبت من خلاله وبالدليل القاطع، وجود الإمام المبارك (عج)، بحيث يبلغ فيه مرتبة حقّ اليقين ومن ثم يسلك بالقلب والعقل نحو الطريق الواسع الرحب في كيفية الارتباط به (عج).
منهج البحث في الأدلة، وامتياز المذهب الجعفري
إن الحديث عن منهج البحث في الأدلة المثبتة لحياة الإمام (عج)، ووجوده الشريف بيننا يعدّ امتيازًا مهمًا للغاية في المذهب الجعفري الإثنى عشري؛ وذلك لأن البعض قد خلق شبهات وحواجز تحول دون الوصول إليه، وتضعف اليقين الموجود في القلوب والنفوس بوجوده المبارك (عج).
وحيث أن بعض الشبهات تتولد من الخطأ في انتخاب المنهج الصحيح والدقيق، مما يستتبع -وبلا شك أو ريب- ضعفًا في أدلة إثبات وجود ذات الشيء -والذي نحن بصدد إثباته هنا وهو حقيقة وأصل وجود الإمام – فيؤدي إلى ضعف النفوس وبنحو تلقائي عن السير والسلوك نحو محضره المقدس؛ فيتسلل اليأس في نفوس البعض عن تكوين أدنى علاقة وارتباط بالإمام (عج).
فإذا ما أثبت وبنحو قاطع وجود الإمام (عج) بين ظهرانينا، سندرك وبنحو اليقين أن الإمام (عج) يمارس علاقته بنا كمأمومين آنًا آنًا، ولو كنا غافلين عن هذا الدور الجوهري والمحوري والمهم للغاية.
فالإنسان مثلًا ما لم يصل إلى حدّ اليقين بوجود الله ﷻ فهذا قطعًا سيؤثرعلى نحو علاقته بالله ﷻ، وهذا عين ماحدث ويحدث للملحد حين يفقد الدليل والقدرة على إثبات وجود الله ﷻ في عقله وقلبه؛ نجده بالتالي يفقد القدرة على طاعة الله ﷻ، أو الالتزام بالقُربات وترك الموبقات.
من هنا يجب علينا أن نعالج منهجية البحث التي نثبت بها لأنفسنا أن الإمام (عج) موجود في الواقع ويمارس دوره، وأن من واجبنا ووظيفتنا ودورنا البحث عن تلك الأدلة المنهجية والعلمية، والحديث عن طبيعتها وما يطابقها من أدلة عقلية، وما صدر عن أهل البيت “ع” في ذلك، كما ينبغي أن نعرف مستوى وحجم وقيمة تلك الأدلة المثبتة.
هندسة نظام الأدلة في مسألة وجود الإمام ﴿؏﴾
وعليه فمن الدقة القول إن علينا أن نفهم هذه القاعدة المهمة المؤمِّنة، وهي أن الأدلة التي تؤمِّن لنا القطع بولادة الإمام (عج) ليست بمستوى واحد؛ فهي في أيّ أمر علمي عادة ليست على درجة سواء، فلو افترضنا أن لدينا عشرين دليلًا على إثبات حقانية مسألة ما، فليس شرطًا أن تكون كلها في عرض بعضها البعض، وفي مستوى واحد، نعم، أحيانًا قد تكون الشهادات في عرض بعضها؛ فقد يرى مثلًا عشرة أشخاص حادثة ما في وقت واحد، ومكان واحد، فيشهدوا عليها، وقد تبلغ مجموع شهاداتهم حدّ التواتر؛ فيتكوّن لدينا اطمئنان.
ولكن هناك مسألة هامّة مرتبطة بمنهجية الاستدلال على وجود الإمام المهدي وبلحاظ ما ذكرناه من وجود تفاوت وترتّب في الأولويّة من حيث الاستدلال لأيّ حقيقةٍ وقضيةٍ يقينيةٍ بشكلٍّ عامٍّ، وهي مما ينبغي أن نلتفت له، ولا نخلط فيه بين الأدلّة الكليّة العظمى الفوقيّة، والأدلّة الجزئيّة الصغرى؛ فمثلًا في تفاصيل ولادة الإمام المهدي (عج): هناك عدد من الثقات تواتر عنهم أنهم رأوا الإمام (عج)، وأيضًا عندنا تاريخ مفصّل وجزئي في مَن هي أمّ الإمام عج؟ وما اسمها؟ وفي أيّ يوم ولدته؟ ومن كان معها؟ وكيف كانت ولادته ﴿؏﴾؟ وكيف لفّ في الخرقة بشكل معين؟ وكيف سلّمته للإمام الحسن العسكري ﴿؏﴾؟
هذه التفاصيل موجودة لدينا ولكنها أدلة تفصيليّة جزئية ولا يتوقّع منها أن تثبت ادعاءات فوقيّة عظمى وكليّة كبرى.
وفي مقابلها يوجد أدلّة فوقيّة، تامّة وأصيلة نستطيع أن نصطلح عليها بالأدلة الكلية العظمى حيث لها الأصل، منها قول المعصوم ﴿؏﴾: “إن الأرض لا تخلو من حجة”(١)
فلا يوجد حسب هذا الدليل القطعي زمان وتخلو فيه الأرض من حجة، وأيضًا هناك ما يعضدها ويجعلها أكثر متانة وقوة وهو الدليل العقلي والذي مفاده ؛ أنه لا بدّ أن يكون لولاية الله التشريعيّة والتكوينيّة وليّ يُرجع له في كلّ شيء، وأن يكون هذا الولي كاملاً، تامّاً، ومعصوماً وفي مرتبة أعلى.
الدليل العقلي الإنسان الكامل روح الوجود
ولمزيد من الإيضاح للدليل العقلي حول الولاية التامة الكاملة لولي الله نقول؛ إن العقل يدرك ويثبت أن سيلان ووجود هذا الخلق يتوقف على وجود الروح؛ بمعنى أنه كما إن للإنسان روح فإن لهذا الوجود أيضًا روح تجعله مترابط كالبدن، فكما أن الله شدّ هذا البدن بعضه ببعض؛ كذلك هذا الوجود، فبالعقل والعلم ندرك بأن هذا الوجود ليس فيه فطور (فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَىٰ مِن فُطُورٍ) الملك: ٣
والفطور يعني الخلل والفرجة، وبالبيان القرآني فإننا ننفي الفطورعن هذا الوجود فكله مترابط، وهذا الترابط يتعين أن يكون شيئًا واحدًا، روحًا واحدة، وهذه حقيقة علمية بيّنة أيضًا؛ لأننا لا نرى خلل في هذا الكون، بل نرى تمام النظم فيه، لذا فيجب أن يكون هناك روح لهذا الكون، وروح هذا الكون هو الإنسان الكامل.
هذه المسألة هي من الحقائق الفوقية،
نعم عندنا حقائق وأدلة جزئية على ولادة الإمام (عج)، كدليل أن الإمام” ولد في شهر شعبان، فهذه الأدلة وإن كانت تعدّ من المتواترات، ولكن على فرض إنكار صحة ودقة تلك الروايات والمنقولات التاريخية التي تناقلت بأن الإمام عج ولد صبيحة يوم الخامس عشر من شعبان، والقول بأنها أدلة جزئية وقد لا يكون لها وجود؛ فهل هذا يعني بأن الإمام غير مولود؟
فإذا فقدت هذه التفاصيل أو كان هناك من يناقش فيها أو ينكرها، فهل يعني ذلك أنه لا وجود لإمام بعد الإمام الحسن العسكري ﴿؏﴾؟
وهل إثبات ولادة الإمام (عج) متوقف على معرفة إسم أمّ الإمام (عج)؟
إن هناك أشخاصًا اتخذوا هذا المنهج والكيفية والطريقة في التشكيك في وجود الإمام عج، فاتخذوا مثلًا مسألة تعدد أسماء أمّ الإمام دليلًا على القول بعدم وجوده، وعلى فرض أن لها عشرون أو خمسون اسمًا؟ فهل ذلك يعني أنها غيرموجودة وأن الإمام (عج) لم يولد؟
منهجية الخلط في طبقات الأدلة الجزئية والكلية
إن الخلط في ترتيب الأدلة مسألة أساسية دائمًا ما ينفذ منها المشككون، فالتلاعب في طبقات الأدلة يؤدي إلى تحريف كبير في أصل المسألة
نحن لا نحتاج إلى وجود روايات صريحة تصرح بولادة الإمام (عج) بل يكفينا الأحاديث النبوية التي اتفق عليها كل المسلمين شيعة وسنة منها قول النبي ﷺ وآله: “يا أيّها النّاسُ إنّي تاركٌ فِيكُم الثّقلَين أمَا إنْ تمسّكْتُم بهما لَن تضِلّوا كتاب الله وعِترَتي أهْلَ بَيتي فإنّهما لَن يفتَرقا حتى يَرِدَا عليَّ الحوض”.(٢)
فهذا الحديث التام سندًا عند الفريقين دليل بنفسه على أنه في كل زمان هناك إمام من العترة الطاهرة، ويجب التمسك به، وبفرض عدم وجوده ولو لفترة زمنية قصيرة لكان الكتاب موجود والعترة غير موجودة، وهذا يعني افتراقهما قبل الورود على الحوض.
وهذا دليل فوقي كاشف على ضرورة وجود الإمام ﴿؏﴾، نحن الآن نسميه الإمام المهدي (عج) وهذه التسمية وإن كانت قطعية بالروايات لدى الطرفين، والمهدي يمثل دوره؛ ولكن لنفترض إن هذا ليس اسمه فأين هي المشكلة؟
ويكفينا من ذلك قول رسول ﷺ وآله: “من مات ولم يعرف إمام زمانه مات ميتة جاهلية” (٣)
أيّ لا بدّ أن يكون في كل زمان إمام يعرفه النّاس كي لا يموتوا ميتة الجاهلية؛ ولا يمكن أن يكون المراد من إمام زمانه القرآن الكريم، أو الحكام والولاة، أو الفقهاء والعلماء؛ لأنه من الضروري أن عدم معرفتهم لا تجعل ميتة الإنسان ميتة جاهلية، على فرض أننا لا نعرف مثلًا المرجع الفلاني الموجود في المكان الفلاني؛ فهل هذا يعني أن ميتتي ستكون ميتة جاهلية؟
إنه من المناسب القول بأن إمام الزمان الذي من مات ولم يعرفه مات ميتة الجاهلية هو الإمام المعصوم ﴿؏﴾ وهو الذي فرض وجعل الله ﷻ وجوده ضرورة بحكم العقل والروايات.
إذن فنحن يجب أن نفرق بين الأدلة الجزئية والأدلة الكلية، فعادة من يريد صنع الشبهات الخلط في منهجية الاستدلال بين الأدلة والأصول؛ فمنهجية الإستدلال تريك الحقيقة واضحة جدًا، فهي تزيل العكر الموجود في النفوس والعقول، وأولئك المشككون يريدون إثارة الزوبعة في العقول والنفوس حتى تزهد في الارتباط بالإمام (عج).
المنهج الصحيح للبحث في أدلة وجود الإمام (عج)
وأما المنهج الذي وضعه لنا الدّين فهو أن نتأمل في الأدلة الصادرة بحكم العقل والنقل والتي تجعلنا متيقنين بطريقة دقيقة بوجوده (عج) فعندما نمنهج بطبيعتنا البحث نصل إلى اليقين بولادة ووجود الإمام (عج)، وأنه يمارس دوره في الحقيقة والواقع وهو دور الإمامة.
فهل يمكن تسمية من هو موجود في المسجد مع المأمومين ولا يصلي بهم إمامًا؟
حتمًا لا يسمى إمامًا إلا أن يقوم بالصلاة بالمأمومين وهم يتبعونه، وإذا لم يمارس دوره فهو ليس بإمام.
الإمام (عج) صاحب مشروع وجودي عالمي
إذن وبعد إثبات هذه الحقيقة وهي إن الإمام (عج) موجود ويمارس دوره، يجب أن نعرف ما هو الطريق إليه؟ وكيف نرتبط به؟
وحتى نعرف كيف نرتبط به، يجب علينا أن نفهم إن الإمام (عج) صاحب مشروع إصلاحي، وجودي، كوني، عالمي، ديني، شمولي، وإذا كنا ننتظر هذا الإنسان المصلح فعلينا التمسك بهذا المشروع الإصلاحي، وعلينا أن لا نرفض الإصلاحيين الصغار، فالذي يرفض ويعارض المصلح الصغير كيف سيقبل بالمصلح الشمولي؟
فالذي تتعارض مصالحه الدنيوية مع توجيه المصلح المحدود؛ فهل سيقبل بالمصلح العالمي الشمولي والذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا؟
وهنا ينبغي أن تكون لنا وقفة مع انفسنا ولنتسائل إذا كنا نرفض العدل في بيعنا وشرائنا، وشرعية مقتنياتنا، وفي تطبيق العدالة على أنفسنا ونريد أن نشتري كل بضاعة، فهل سنقبل بالإمام (عج) الذي سوف يطلب منا مقاطعة الدنيا والارتباط بالآخرة فحسب؟!
السنة التاريخية في إصلاح النفوس بترك المتعلقات
إن السنّة التاريخية وإصلاح النفوس قبل تحقيق العدل على الأرض
مسألة ليست مؤقتة، بل هي سنة تاريخية؛ فالمصلح لا يمكن أن يملأ الأرض بالعدل إلا بعد إصلاح النفوس والتعلقات، إن الله ﷻ يضرب لنا مثلًا لبني إسرائيل في طلب القائد والنبي ﷺ وآله من قومه يقول ﷻ:(أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ مِن بَعْدِ مُوسَىٰ إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَّهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِن كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا ۖ قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِن دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا ۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) البقرة: ٢٤٦
ففي الـبداية قالوا لماذا لا نقاتل في سبيل الله ﷻ فنحن المضيق علينا؟ ولكنهم بعد أن كتب عليهم القتال تولوا! ولكن لماذا؟
السبب هو الامتحان والطلب الذي طلبه منهم الملك الذي عينه الله ﷻ وهو أن يقاطعوا كل شيء حتى الماء (فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا مِّنْهُمْ ۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) البقرة:٢٤٩، “الفصل من الشيء” بمعنى الانقطاع عن الشيء وبخصوص مفاد الآيات فهي هنا بمعنى انقطع من المكان الذي هم فيه، وذهب بالجنود الذين كانوا مستعدين ومتعجلين ويريدون النصر السريع.
فالذي ينقاد لله ﷻ ويطيعه سبحانه وينقاد للمصلح الإلهي يقدره الله ﷻ ويعطيه الإرادة والإقتدار، فقال لهم نبيهم: (إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ)
فالإنسان قد يتمكن ليوم أو يومين أوثلاثة أن يقطع نفسه عما تريد، ثم يضعف أمام الشيطان مع ملاحظة ضعفه النفسي وجهله بالمشروع الإصلاحي؛ وهكذا في المشروع الإصلاحي المهدوي قد يضعف البعض ولكن البعض الآخر يصبح كربلائيًا ويموت عطشًا، ويفقد كل شيء ولكن يبقى له ارتباطه بإمام زمانه، والذكر الحسن، والعبرة تؤخذ فيما حدث في قصة طالوت فإن قومه ضعفوا إلا قليلًا منهم ، فمن لايمتلك الإرادة والقدرة والطاقة لضبط نفسه في مأكله وملبسه، وبيعه وشرائه واقتنائه؛ فكيف ستكون عنده طاقة لمقابلة جيش ضخم؟ يقول ﷻ: (قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ ۚ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَاقُو اللَّهِ كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ..)
الطريق للإمام هو الارتباط بمشروعه الإصلاحي
الأصل للكون مع الإمام عج، وعلى صراطه الإرتباط بمشروعه الإصلاحي العالمي
إن مشروع الإمام (عج) ليس مشروعًا محدودًا؛ بل هو مشروع إصلاحي لكل الأرض، وفي مقابل هذا يحتاج لجنود عالميين، تفكيرهم عالمي وليس بمحلي جزئي، مكاني، وليس معنى احتياجه هنا أن المشروع مفتقر لهم؛ بل إن المشروع نفسه يحتاج لمن يفكر في كل العالم، فمن لا يستطيع أن ينزع عن نفسه رغبتها في المسائل الثانوية المسائل التي يستغني عنها بغيرها، فهل يستطيع أن يرتبط بالإمام (عج) وينقطع وينزع عن نفسه كل ما عداه
إن الإمام ﴿؏﴾ لن يأتِ ليجعلنا جياعًا؛ بل جاء ليصنعنا من جديد
إن من الدقة أن نقول إن الطريق للإمام (عج) هو أن تربط نفسك بمشروعه، أما الذهاب لجمكران والسهلة والقيام بأعمال أربعينية فهذه مسائل ثانوية، وليس هي الأصل وإن كانت مهمة ومعينة وثمة حاجة لها للارتباط بالإمام.
ولكن الأصل أن تكون إنسانًا مرتبطًا بالمشروع الإصلاح العالمي حتى تستطيع أن تكون في الطريق والصراط الموجود فيه الإمام (عج)، ولا يشغلك تشكيك المشككين وتباطئ المبطئين وتثبيط المثبطين ومتابعة شبهات منهجيتها غير علمية والتي هي في الأصل تقف عند مسائل تاريخية مختلف فيها سواءً تم قبولها أم لم يتم، وصلت إلى يقين فيها أم لم تصل، فالأصل الأول والكلية والقضية العظمى ثابتة وموجودة، إن ثبتنا الأصول فالفروع تقبل وبشكل تلقائي، حينها سنرى أن هذه الفروع والجزئيات ليست إلا متممة للصورة البديعة للعلاقة العميقة التي لدينا مع الإمام (عج).
فالحمد لله أن هذا المنهج موجود وبدقة عند المذهب الإثني عشري، مع وجود عناية خاصة من قبل رسول الله ﷺ وآله والأئمة ﴿؏﴾، وهذه العناية الخاصة تتجلى وتظهر وتزداد وضوحًا؛ إذ أن الشيعة هم الذين قبلوا بمنهج الأئمة ﴿؏﴾، أما غيرهم من أولئك فهم الذين اعترضوا على هذا المنهج ولجأوا إلى إثارة الزوابع والشبهات والتشكيكات، ولذا فنحن مهما نقول ونشكر ونذكر الله ﷻ في هذه الأيام والليالي على ما وهبنا من هذا المنهج العلمي المدروس والدقيق فنحن قاصرون عن إحصاء الشكر وبلوغ غاية الحمد؛ فالحمد لله الذي من علينا بهذا النهج وجعل هذه الأدلة مثل السفن الموصلة لنا إلى برّ الأمان.
نسأل الله ﷻ أن لا يحرمنا من الارتباط بالإمام (عج)، والكون في مشروعه وزيادة التعلق به والإصرار على أن نكون من جنده صلوات الله وسلامه عليه، والحمد لله رب العالمين.
- الكافي، الشيخ الكليني، ج ١، ص ١٧٩
- بصائر الدرجات، الصفار ١٤٠٤، ص ٤١٣ الحديث ٣.
- بحار الأنوار، المجلسي، ج ٨ ص ٣٦٨.
- الكافي، الشيخ الكليني، ج ١، ص ٣٧٧
- الإقبال بالأعمال الحسنة، ابن طاووس، ج ٢، ص ٢٥٢.