﷽
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.
نرفع أسمى آيات التبريكات والتهاني لمقام النّبي الأعظم m، الصدّيقة الطاهرة، أمير المؤمنين والأئمة الأطهار ب سيّما خاتمهم، مراجعنا العظام بشكل عام، قائد الأمة بشكل خاص.
أبارك لأخواتي الكريمات ذكرى ميلاد وليّ الله الأعظم وأهنئهم بهذه النعمة العظمى والتي حبانا اللهﷻ بها حيث سبق وجودنا ومولدنا في هذا العالم وعلى هذه البسيطة ميلاده المبارك صلوات الله عليه؛ فهو الذي يتلقانا ويعتني بتربيتنا وتوجيهنا وتعليمنا، وهو من سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا كما ملئت ظلمًا وجورًا.
توطئة
حديثنا سيكون عن مسألة قد تكون مورد تساؤل وبحث من قبل كل إنسان بشكل عام، والشباب بشكل أوضح، فغالبًا عندما نريد أن نعرّف الإنسان على الدّين نوجهه أو نملي عليه ماذا يريد هذا الدّين منه، فنقول له الدين يريد منك أن تصلي وتصوم، وتأتي بالتكاليف الشرعية، وأن تتحلى بالخلق الحسن والرفيع، أن تكون فردًا صالحًا، وتعمل على خدمة الآخرين، يريدك أن تجاهد وتعطي وتبذل، يريد منك أن تكون إنسانًا محسنًا ومصلحًا في محيط البيت مع الإخوان والأقران والأقرباء وتحافظ على وحدة الأسرة والمجتمع والأمة أجمع، دائمًا ما يكون الحديث بلسان الدّين وماذا يريد الديّن من الإنسان المتدين.
وهنا نريد أن نوجه السؤال بنحو آخر وهو “نحن ما الذي نريده من الدّين؟!” ما الذي يمكن أن يقدمه الدّين أو ماذا أتوقع من أيّ دين أن يقدم لأتباعه؟ وما هو حقنا منه؟
والحديث ليس عن ماذا نريد من الله ﷻ، وإن كل شيء محتاج لله ﷻ في إيجاده وبقاءه، فنحن نريد من الله ﷻ كل شيء؛ فبعد أن أوجدنا نريد منه ﷻ أن يغذي هذا الوجود، وأن يجعل لنا هداة ومرشدين، وأن يعفو ويصفح عنا ويغفر لنا خطايانا وجهلنا، بل ليس هناك شيء لا نريده من الله ﷻ، والإنسان يظلم نفسه لو أعتقد أو تصور أن هناك شيء لا يريده من الله ﷻ.
الإنسان يطلب من الماء الإرواء، بينما الماء والذي قد أوجده الله ﷻ على وجه الأرض يتدفق ويجري بحارًا وأنهارًا، ليس محتاجًا للإنسان في شيء كما لا يريد منه أي شيء.
وكما يطلب الإنسان الماء فهو يريد الهواء كي يتنفس، ويمدّ جسمه بالأكسجين الضروري لعمليات الأيض والبناء، كذلك الإنسان محتاج للنبات والشجر كي يأكل ويشبع ويتقوى ويتمتع، وقد يتخذ منه ما يتزين به، فكما الأرض لم تقصر مع الإنسان كذلك السماء والفضاء لم يقصروا معه.
ولكن لا شيء من ذلك يريد من الإنسان مقابل عطاءه شيء، ولا يتوقع منه شيء؛ وإنما يجب على الإنسان أن لا يلوث ما حوله أو يعتدي عليه أو يغير ماهيته.
وإذا ما تأملنا حولنا سنجد أن كل شيء سخره الله ﷻ لنا كبشر ـ سواء يلامس بدننا أو روحنا أو عقلنا – نحتاج إليه وهو غني عنا، ونظل نطلبه ونريد منه الكثير، وهو غني عنا.
الدين الوحياني ….مانريده ونتوقع منه
وكما هو معلوم في البحث حول أي موضوع أن الموضوع يتوقع منه المسائل التي يولدها؛ والحديث هنا عن الدين المنزل وحيًا من قبل الله ﷻ، وبالعودة للسؤال الذي تصدرنا به الحديث؛ ماذا نريد من الدّين؟!
نحن لا نتوقع من الدّين أن يقدم لنا ما تعطينا الأرض من المأكول والمشروب.
فقد نتوقع من الدّين وبالدرجة الأولى وبنحو الاعتقاد أن يملأ عقولنا وضمائرنا وأفئدتنا، وهذا معنى الدّين.
ولذا نقول في معرض الجواب؛ نريد منه -الدّين- أن يجعلنا نصبح وحيانيين كما هو، ونريد منه أن يقدم لنا خدمة ليست من نوع الخدمات التي تقدمها الأرض من المطعوم والمأكول والتي يتساوى فيها الإنسان مع عموم البهائم ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ طه: ٥٤؛ فالإنسان يأكل ويرعى الأنعام، ولكن هناك فرق بين أكل الإنسان عن غيره من الموجودات التي تأكل؛ حيث تكون لدى الإنسان غاية مقدسة يقول ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ المؤمنون: ٥١، فالأكل الذي يمدّ الإنسان بالطاقة ولكن لهذه الطاقة غاية، وهذه الغاية هي المقدسة.
ودائرة الحديث تتسع لتشمل ماذا نريد من أيّ دين كان لكي نقول عنه إن هذا الدّين يقدم خدمة لأتباعه؛ وهذا يلزم أن يقوم هذا الدّين بدورين أساسيين:
الأول: يجب أن نرى المنطقية في الدين وندركها، وأن تكون حجيته بيّنة وواضحة، إذ لا ينفع أن يكون الدّين معقدًا لا يفهمه إلا الأنبياء والرسل ﴿؏﴾ والأوحديين والعباقرة من الناس، فهذا يُعدّ نقصًا في الدّين، ولن يمكنه والحال كذلك أن يخدم الإنسان ويفيده في سيره ومسيره وتكامله.
لذا فإن الدّين الذي يفيد الإنسان بمنطقه المحكم والقوي، ودلالاته الواضحة والجلية البينة، هو الدّين الذي لا يستلزم أن يفسر بواسطة الآخرين، فإذا كان الدّين بهذا النحو من الجلاء والوضوح يكون قد خدم أتباعه.
ولكي نحب هذا الدّين ونفتخر بالانتساب إليه فإننا كما نريد منه أن يكون واضحًا نريد منه أيضًا أن يكون منطقيًا وأن يملأ ويعبئ عقول وقلوب أتباعه.
ومن هنا تأتي ضرورة الالتفات إلى دور الإمامة والإمام المهدي ﴿عج﴾ بالذات وبنحو خاص؛ فإذا ما عزلنا الإمام عليه أفضل الصلاة والسلام عن ساحة الوجود بهذه البساطة سوف لن يكون لدينا دين منطقي، ولا دين عقلي فضلًا عن أن يكون لدينا دين يملأ القلوب والأرواح والأفئدة.
ولذا فلقد التفت الأئمة ب إلى هذه المسألة التفاتًا دقيقًا؛ فكما يجب على هذا الدّين أن يقدم البراهين يجب أن تكون هذه البراهين واضحة وبيّنة وجلية، فلا تقطع ولا تفصل الإنسان عن منطلق وجوده، وهذا في واقع الحال هو دور الإمام المعصوم؛ فالإمام ش وحده فحسب من يبرر لنا سبب وجودنا.
وقد نرى أن كثيرًا من الفلاسفة يُقدمون على الانتحار كونهم لم يصلوا إلى الجواب الشافي الذي يبرر لهم ليلهم ونهارهم، مأكلهم ومشربهم، وسفرهم وإيابهم ومشاعرهم، لم يجدوا الجواب والمبرر المنطقي.
الإمام والإمامة هي المبرر المنطقي لوجود الإنسان
الذي يعطي المبرر، ويقدم الجواب الشافي والوافي لهذه الحياة هي مسألة الإمامة، فالإمامة فقط هي وحدها من تملأ القلب والعقل والوجدان، وتقدم المبرر لهذه الحياة؛ فكون الإنسان يقدم مشروعًا جهاديًا فهذا وحده ليس مبررًا للحياة وإن كان مطلوبًا، وكذلك ليس تقديم المشروع العلمي مبررًا للوجود وإن كان بذاته يُعدّ مهمًا وضروريًا؛ لكنه لن يملأ أوعية الضمير والعقل والوجدان ولوتملّك حيزًا منها.
فالذي يعطي الإنسان المبرر لوجوده بالكامل هو الدّين الحق فحسب، الدّين الذي يُثبت بحتمية وضرورة(١) الحاجة لوجود الإمام ش ليس هذا فحسب بل بضرورة ارتباطنا بالإمام ش، ولو نقرأ هذه الرواية الواردة في الكافي -وأمثالها كثير- عن الإمام الصادق ش عندما سئل عن الدليل عن ضرورة وجود رسول نبي وإمام بشكل دائم، قال صلوات الله عليه: “إنه لما أثبتنا أن لنا خالقا صانعا متعاليا عنا وعن جميع ما خلق، وكان ذلك الصانع حكيما متعاليا لم يجز أن يشاهده خلقه، ولا يلامسوه، فيباشرهم ويباشروه، ويحاجهم ويحاجوه، ثبت أن له سفراء في خلقه، يعبرون عنه إلى خلقه وعباده، ويدلونهم على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفى تركه فناؤهم، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه والمعبرون عنه جل وعز، وهم الأنبياء عليهم السلام وصفوته من خلقه، حكماء مؤدبين بالحكمة، مبعوثين بها، غير مشاركين للناس – على مشاركتهم لهم في الخلق والتركيب – في شئ من أحوالهم مؤيدين من عند الحكيم العليم بالحكمة، ثم ثبت ذلك في كل دهر وزمان مما أتت به الرسل والأنبياء من الدلائل والبراهين، لكيلا تخلو أرض الله من حجة يكون معه علم يدل على صدق مقالته وجواز عدالته”(٢) ومن خلال الرواية نلحظ عدة أمور منها: أنه من المعلوم أن الذي يرى -وهذا بديهي- كل هذا العالم المعلول المليء بالإتقان والصنع يلتفت إلى وجود الصانع، فعندما يثبت العقل وجود الصانع والخالق المتعالي عن كل شيء حتى عن الخلق يرى أثر حكمته جلّ وعلا لذلك يقول ش: (وكان ذلك الصانع حكيمًا متعاليًا) وهذا واضح لأننا نرى أثر الحكمة البالغة في كل شيء؛ الماء والهواء، والأفلاك والأنسجة؛ كل شيء نراه منظمًا ومحكمًا؛ لا يعلو الداني في هذا الوجود العالي، وإذا ما أدرك العقل هذا الأمر حسبما يقول الإمام ش (لم يجز أن يشاهده خلقه)؛ إذ أن كونه متعالٍ في وجوده فهذا يعني ليس له تحيز، وهو محيط بكل شيء، إذن فالعقل يدرك أنه لا يمكن أن يلامس خلقه ولا أن يباشرهم ويباشروه كما يشير الإمام ش، لذا فنحن محتاجون إلى أن نباشر الخالق ويباشرنا ولمعالجة هذا الأمر وسدّ هذه الحاجة فنحن بحاجة لسفراء؛ فإذا عرفنا أن لنا صانعا لا نباشره ولا يباشرنا (فقد ثبت) حسبما يقول الإمام ش أن له سفراء في خلقه وعباده يدلون الناس على مصالحهم ومنافعهم وما به بقاؤهم وفي تركه فناؤهم، فهناك أشياء إذا ما تركت فنى الإنسان وهلك، ولا بدّ له ممن يدله الطريق كي لا يهلك.
ومن اللافت أن يقول الإمام ش ثبت: يعني ثبت بالعقل الثابت والمستقر الذي لا يتغير ولا يتبدل، فالثابت: هو المتحيز في الحقيقة وفي الواقع وفي الخارج الذي هو غير قابل إلى الزوال أبدًا وهذا المعنى يُعد برهانًا ثابتًا، فثبت الآمرون والناهون عن الحكيم العليم في خلقه، وثبت عند ذلك أنهم معبرون عنه وهم أنبياء الله ﷻ وصفوته من خلقه؛ حكماء مؤدبون بالحكمة، مبعوثون عنه.
المقدس بين التصورات الواهمة وحاجة الناس لمن يشاركهم أحوالهم
ولا بدّ أن يتميز هؤلاء المبعوثون على نحو الضرورة كونهم مشاركون للناس في أحوالهم، مثلهم مثل كل الناس وهذا ما يحتاجه الناس كي يتبعوهم؛ يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق.
فقد كان ظن المشركين -عندما كانوا يسمعون عن نبي الله إبراهيم ش كونه إنسان مقدس وعظيم ومنزه- وتصوروا أن إبراهيم ش ما كان ليأكل الطعام ولا ليمشي في الأسواق ولا يعاشر الناس. وهذا حال بعض الناس إذ يظنون أن كون الشخص عالم وعارف ومنقطع لله ﷻ فلا يحق ولا ينبغي له أن يعاشر الناس، ويلزم أن لا يمارس أموره الحياتية.
لقد جاء القرآن الكريم كي يحطم مثل هذا التصور الواهم، كي لا يقع الإنسان يومًا فريسة لمثل هذه التقديسات الوهمية، فبعض الناس يطالبون العالم أن يكون إنسانًا منفصلًا منعزلًا في شؤونه الخاصة ليس كأي أحد فلا يمكن أن يكلمه أو يجلس معه أي أحد كان، ولا يعطي من وقته لكل أحد ﴿وَقَالُوا مَالِ هَٰذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ ۙ لَوْلَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾ الفرقان: ٧، فهم كمن يرى الجانب الملكوتي من ذلك المقدس فحسب، وهذا غير صحيح، لا بدّ وأن يكون هذا الشخص نافذ في حياة الناس، ولذا يجب أن يكون هؤلاء كما أنهم يتشاركون مع الناس في الخلق والتركيب فيلزم أن يشاركوهم أحوالهم أيضًا .
يقول الإمام الخميني قدس الله روحه: إننا يجب أن نرتبط بأبناء الأئمة ب لأنهم في جانبهم البشري أكثر وأقرب إلى طبيعتنا وتركيبتنا، لذلك فهم موكلون بقضاء حوائجنا؛ إذ أن هناك سنخية بيننا وبينهم، فهم الأقرب لإدراك حوائجنا وإن كان الإمام المعصوم الكامل يفهمنا أكثر، إلا أن المعصوم ش قد يقول لنا كمثال وبنحو ما أستغنوا عن هذه الحوائج الصغيرة، فبحسب مقام المعصوم لا يرى لتلك الحاجة من أهمية تذكر، ولذا وجب وتحتم أن يكون هناك أناس مؤيدون من عند الحكيم العليم بالحكمة والأدلة والبراهين والشواهد، يجب أن يكون لديهم القدرة -كما يقول الإمام الصادق ش – من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، ولا بدّ أن لا تخلو الأرض من حجة لله ، يكون معه علم يدل على صدق مقال رسول m
ضرورة الحاجة للإمام الحجة بوجه خاص
وهنا من الجيد إثارة هذه النكتة، فهناك من شكك ويشكك في وجود الإمام ﴿عج﴾ بين ظهرانينا، كما يدعي البعض أنه سوف يولد، وكل هذه الأدلة والروايات والتي تتحدث عن ولادة الإمام -صلوات الله وسلامه عليه- للأسف يتم قراءتها على أنها ضعيفة السند، وبالإمكان التشكيك في أسانيد أكثر تلك الروايات، ولكن هل يمكن التشكيك عقلًا حسب ما ثبت بالدليل العقلي ووجب بالضرورة العقلية كونه ولا بدّ من أن يكون هناك حجة للناس معيّن من قبل الله ﷻ فلا يجعل الطريق نحوه ﷻ منقطعًا، ولا يجعل بيننا وبينه فاصلة، فالعقل يدرك وجوب وجود حجة لله ﷻ قبل خلقنا، والحجة يكون قبل الخلق كما ورد في رواية “لو كان هناك نفرين على وجه الأرض لكان أحدهما الحجة”(٣).
فلماذا لا بدّ من حجة؟
لأن بقطع هذه الحلقة أو هذه الواسطة والذي هو الحجة ﴿؏﴾ عن كل هذه الموجودات لن يبقي هناك مبرر عقلائي لوجود الإنسان؛ لأن كل تلك المقومات الموجودة لدى الإنسان -غير الحجة- يشاركنا فيها سائر الموجودات وأكثر.
وهنا لنضرب مثالًا:
كما يقول العرفاء والفلاسفة إذا رأينا الإنسان والحيوان والموجودات الخارجية الأخرى لوجدنا أن استفادة الإنسان والحيوان منها على حدٍ سواء، بل الذي يستفيد من تلك الموجودات أكثر هو الحيوان؛ فهو يأكل أكثر ويتزاوج وينام أكثر مما عليه حال الإنسان السوي.
فحاسة السمع على سبيل المثال لدى الحيوانات أقوى مما هي عليه لدى الإنسان، ولذلك فكما ورد في الرواية: “إذا مات ابن آدم وحاسبته الملائكة وكان مسيئًا تضربه الملائكة، كل الحيوانات تسمع الضربة إلا الإنسان”، فقدرة الإنسان على السمع محدودة ولا يسعه أن يتجاوزها علوًا و انخفاضًا(٤)، أما الحيوان فهو يمتلك حواسًا أشدّ قوة كالبصر والسمع واللمس.
الحجة هو من يملأ قلب الإنسان وعقله
ما الذي يمكن أن يملأ الإنسان ويعبأ وجوده ؟ لا يملأ الإنسان إلا ما يعبئ وعاء قلبه وضميره، فالمكنة المرّكزة في الإنسان هي قلبه وعقله، والحجة صلوات الله عليه يملأ هذا القلب حبًا وولهًا وتوقًا إليه.
وبملاحظة هذا المعنى نجده حاضرًا في الدعاء المأمورون بقراءته في زمن الغيبة وكذلك في الدعاء الوارد بعد زيارة آل ياسين؛ وذلك لكون الموالي يبحث عن الامتلاء ، ويطلب من الله ﷻ ذلك وهذا ما يقوم به الإمام صلوات الله عليه شريطة أن نقدم استعدادنا للإمام، وكما ورد في المأثور سأل أحدهم رسول الله m قال له أريد أن أكون معك في درجتك في الجنة، فقال له m، أعني على سجودك(٥).
وهذا حالنا مع الإمام (عج) ، وهذا ما يقوم به في روح كل العالم فكما سيملأ الأرض قسطًا وعدلًا هو يملأ الأرض والوجود روحًا، لا أنه سيوجِد الشيء الذي يملأ به الأرض قسطًا وعدلًا، بل هو سيعّدل الموازين و يملأ الأرض.
والدعاء الوارد عقب زيارة آل ياسين يشير لهذا المعنى وهو غاية في الأهمية “وَأن تَملأَ قَلبي نُورَ اليَقِينِ وَصَدري نُورَ الإيمانِ وَفِكري نُورَ النِّياتِ وَعَزمي نُورَ العِلمِ وَقُوَّتي نُورَ العَمَلِ وَلِساني نُورَ الصِّدقِ وَدِيني نُورَ البَصائِرِ مِن عِندِكَ وَبَصَري نُورَ الضِّياءِ وَسَمعي نُورَ الحِكمَةِ وَمَوَدَّتي نُورَ المُوالاةِ لِمُحَمَّدٍ وَآلِهِ ب، حَتّى ألقاكَ وَقَد وَفَيتُ بِعَهدِكَ وَمِيثاقِكَ فَتُغَشِّيَني رَحمَتُكَ يا وَلِيُّ يا حَمِيدُ” فكل شيء يجب أن يمتلأ؛ القلب والصدر، والفكر والعزيمة والعمل واللسان والدّين، وهذا ما نرجوه ونأمله، وهو ما يقوم به الإمام ﴿عج﴾ بالأصل، بل وبالدرجة الأولى، وهذا هو ما نريده من الدّين تحديدًا.
وهو ما يعطي المبرر لوجود العقل والقلب واللسان، فكيف يجد الإنسان التعقل لبصره إذا لم يكن هناك نور الضياء؟! وما مبرر اللسان إذا لم يمتلأ بنور الصدق؟! وما لحاجة للسمع إذا لم تتم به نور الحكمة؟!
فالحجة هو من يملأ عقل الإنسان وقلبه، ولذلك الذي يرعى عقولنا وقلوبنا هو الإمام المهدي ﴿عج﴾ ومن الغريب أن هناك بعضًا من الناس دأبه السؤال مالذي يمكن أن نستفيده من إمام غائب كوننا لا نراه؟ والجواب نحن نستفيد منه كونه يعتني بأشياء لا نراها، فهل نرى عقولنا؟ وهل يمكننا أن نرعاها من أن تزل؟
ولو خلينا وشأننا أيسعنا أن نحافظ على إيماننا؟
وعلى ذلك نقول: إذا ما حذف الإمام الحجة صلوات الله عليه من منظومتنا العقائدية؛ ستغدو المنظومة الدينية غير عقلائية، ونحن كما أسلفنا نريد من الدّين العقلانية والمنطقية والتطهير والتزكية لعقولنا وقلوبنا على حد سواء.
نقول في الزيارة الجامعة الكبيرة “وَجَعَلَ صَلاتَنا عَلَيكُم وَما خَصَّنا بِهِ مِن وِلايَتِكُم طِيباً لِخَلقِنا وَطَهارَةً لأنفُسِنا وَتَزكِيَةً لَنا وَكُفَّارَةً لِذُنُوبِنا” ومعنى الصلاة عليهم هو أن نذكرهم.
فهل يتصور أحد إن ما يقوم به الإمام الحجة بالأمر القليل؟! فمن يظن أنه قليل فقد أنزل نفسه إلى مرتبة ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ طه: ٥٤، ولكن من أدرك أنه غير قليل كان ممن تخاطبهم الآيات: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ المؤمنون: ٥١، فهو ممن يحول الأكل إلى طاقة وعمل صالح، ونحن نعمل صالحًا إذا ما أمتلئ القلب بحب أبي صالح، وهذا هو سبب كنية الإمام الحجة (عج) بأبي صالح فهو الأب لكل شخص صالح قد هداه الإمام لعمل الصالحات، وهذا تمامًا هو ما نريده من الدّين.
فهل نتصور أن الدين يحل لنا المعادلات ؟! هذا العمل تقوم به عقول المتدينين وهذا كله موجود في الدين وهذا ما نستنتجه؛ فالدين يملأ قلبك نورًا وعقلك نور المعرفة، وهذا يتطابق مع الإمام الحجة ﴿؏﴾ فهو الذي يرعى إيماننا ويهدينا ويتصرف في قلوبنا.
وختامًا نقول: إن البحث في أسانيد الروايات وكونها ضعيفة، أو كون الإمام ﴿؏﴾ سوف يولد فهذا كلام أقرب للمهزلة لا يقبلها العقل البتة.
نسأل الله لنا جميعًا أن نكون ممن يعبأ الإمام عقولهم وقلوبهم ويصلح أحوالهم لنكون من الصالحين ومن خيرة أنصار المولى أبي صالح .
- بمعنى الضرورة العقلية وليس إمكان وجود الإمام والتي ليس بعدها إلا المحال .
- الكافي – ج١ – ص١٦٨.
- رواه عدة من أصحابنا، عن أحمد بن محمد البرقي، عن علي بن إسماعيل، عن ابن سنان، عن حمزة بن الطيار قال: سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول: لو لم يبق في الأرض إلا اثنان لكان أحدهما الحجة – أو الثاني الحجة – الشك من أحمد بن محمد.
[الكافي – الشيخ الكليني – ج ١ – الصفحة ١٨٠]. - الإنسان السوي يستطيع أن يسمع الأصوات بين 20 إلى 20,000 هيرتز.
- فعن أبي فراس ربيعة بن كعب الأسلمي خادم رسول الله ﷺ ومن أهل الصُّفة قال: كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فآتيه بوضوئه وحاجته، فقال: سلني فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود، رواه مسلم.