بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين حبيب إله العالمين محمد وأهل بيته الطيبين الطاهرين.
الحديث حول سورة الواقعة، وقد سميتُ البحث بـ (إشراقات من سورة الواقعة). والسبب في ذلك أنني لن أقف على كلمة كلمة من هذه السورة؛ بل سوف أقف على النكات الأساسية التي ربما لا توجد في سورة أخرى، أو أنها ليست بهذا الوضوح والبيان.
هذه السورة متفق على أنها تسمى سورة علي وأبنائه، وكل مفسّر يورد تبريرًا معينًا لذلك، ولكن من أوضح المبررات وأكثرها انضباطا وبداهة ما استدل به الشهيد مطهري من كونهم ﴿ عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ ﴾ الواقعة/ 15-16، ولا شك أن السرر الموضونة هي مكان أسياد الجنة. وقد ورد عن كلا الفريقين “أن الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة”(1) وضمّ هذا الحديث مع الآية يجعلنا نقبل أن هذه السورة هي سورة علي وآل علي (ع).
البعد العلمي والعملي للإيمان باليوم الآخر
لا يوجد شك بأن الحديث عن اليوم الآخر في ثقافتنا الدينية هو أصل تأسيسي، ويؤثر بشكل كبير على البعدين العلمي والعملي للإنسان.
إن الإيمان بيوم القيامة، والإيمان بالواقعة، والإيمان بالحاقة، والإيمان بكل ما سيأتينا من هذه الأسماء التي تشير لتلك الواقعة؛ يجعل الإنسان من جهة علمية يبدل رؤيته الكونية والفلسفية للوجود ولنفسه بالدرجة الأولى، ولما هو حوله، وهذا بحد نفسه كمال، فإن الإنسان إذا زاد في علمه وزاد في معرفته وإدراكه ووعيه فهذا كمال له ولو لم تؤثر هذه الزيادة على عمل الإنسان.
وهذا المعنى يعالج لنا مسألة أساسية، فنحن دائمًا نتصور أن العلم ما لم يؤدِّ إلى نتيجة عملية فإنه لا قيمة له، ولكن هذا الفهم في حقيقته يعني أننا لا نفهم حقيقة الإنسان. الإنسان موجود ذو بعدين: روحي وعقلي، وهو البعد الذي يعطي النظرة الكونية الواعية. وبذلك يصبح هذا الإنسان أكمل من الإنسان الجاهل الذي يجهل بهذه الحقيقة. نعم هناك أمور قيمتها في بعدها العملي ولكن الإنسان ليس موجودًا عمليا، أوموجود له دافع ومحركية تجاه الأمور العملية فقط، فالإدراك أصل أصيل في الإنسان ومعرفته بحقيقة معينة وإدراكه لها يجعل نفسه وروحه تكبر وتتسع.
إذن معرفة اليوم الآخر تؤسس لكمال الإنسان العلمي والمعرفي، وتجعل نظرته الفلسفية للموجودات ولنفسه ولما حوله نظرة إلهية ذات نتيجة غائية. وسوف نبيّن أن من أهم المسائل التي يُبحث عنها في الفلسفة الوجودية هي البعد العلمي للإيمان باليوم الآخر.
وكما أن للإيمان باليوم الآخر بعد علمي، فإن له أثراً عمليًا على الإنسان، فعندما يصدر عمل الإنسان وهو ناظر للغاية الأخروية؛ فلا شك أن عمله حينئذ يختلف عن العمل المبتور عن تلك النظرة. ومن الطبيعي أن الإنسان له غاية من كل عمل يقوم به، فعندما تريد أن تشرب ماء فأنت تريد الغاية الأساسية وهي الارتواء، وعندما تريد أن تأكل فأنت تريد أن تشبع، عندما تريد أن تزور فلان فأنت تنظر للغاية التي من أجلها تزوره… وهكذا، فكل أعمال الإنسان أعمال غائية، ولذلك كان الإيمان باليوم الآخر كفيل بجعل عمل الإنسان عملًا غائيًا وأبديًا وأخرويا؛ بل إن تفكيره يصبح كذلك.
الأخلاق والإيمان بالمعاد
ما سبق يوصلنا لنتيجة تجعلنا نميز بين الفعل الأخلاقي، وبين الآداب والسلوكيات التي نرتضيها، فإذا كان العمل لا يتعلق بالغاية النهائية التي هي الإيمان بالمعاد والإيمان بلقاء الله سبحانه وتعالى، فإن هذا العمل مهما كان مشحونًا بالشعور والإحساس والعاطفة لا يعد عملًا أخلاقيًا وإن كانت له غايات ومصالح دنيوية مفيدة، بل حتى لو كانت غايته إرضاء الضمير، لأن مجرد إرضاء الضمير ليس مطلوبًا بحد ذاته، وإنما يعد مرحلة أولى، أما الغاية النهائية فهي القرب من الله سبحانه وتعالى.
إذن معرفة اليوم الآخر وأحداث اليوم الآخر تجعل عمل الإنسان عملا أبديًا، وله نتيجة وصدى في عالم الغيب، وأما إذا كان عمل الإنسان لمرحلة وفائدة مقطعية فإن هذا العمل في ثقافتنا غير أخلاقي، المعلومة صحيحة فكل عمل لم يعبّأ بلقاء الله سبحانه وتعالى، أو ما نسميه نحن (النية) وهي قصد وجه الله سبحانه وتعالى، فهذا العمل لا يعتبر قيميًا بالمعنى الأخلاقي والفلسفي الذي نعتقده في صحة العمل وعدم صحة العمل.
إن سبب انتخاب هذه السورة في هذه الأشهر الشريفة هو أنها تشكل المبدأ لمعرفة ولتأسيس نظرة صحيحة وواقعية تطابق بشكل كامل الواقع الخارجي.
والواقعة هو اسم من الأسماء التي عبّر بها القرآن عن اليوم الآخر ضمن أسماء كثيرة سنتناول بعضها ثم نشرح معنى الواقعة.
يوم القيامة:
يقول تعالى:
﴿ لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ ﴾ القيامة/ 1-2
لماذا وصف اليوم الآخر بيوم القيامة؟!
الجواب: هناك عدة أوجه:
الوجه الأول: لاحظوا أن الإنسان ينشأ في الحياة الدنيا بشكل تدريجي فيبدأ نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم يكبر ويتحرك ثم يستطيع أن يجلس ويقف…
فقيام الإنسان في هذا العالم مرّ بمراحل سابقة حتى وصل إلى أن تكون له القدرة على القيام، ولكن في ذلك العالم الذي يأتي بغتة ﴿ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ ﴾ الأنبياء/ 40 في ذلك العالم الدفعي يكون الإنسان في أقوى حال يمكن أن يكون عليها وهو حال القيام، وعندما يقوم الإنسان فإن كل قواه تصبح يقظة منتبهة وفي حالة تحفّز شديد.
لماذا يقوم الإنسان يوم القيامة ؟!
يقول جلا وعلا: ﴿ فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنظُرُونَ ﴾ الزمر/ 68
حين ينتظر الإنسان مصيرًا ما كنتيجة شهادة جامعية أو ما شاكل؛ فهو يقوم، فكيف لو كان ينتظر مصيره النهائي الذي سيعيش فيه خالدًا؟! هنا لا يمكنه أن يقعد أصلا، ولا نقصد أنه توجد إمكانية للإنسان بأن يقعد أو لا يقعد؛ بل إن وجود الإنسان لا يستطيع إلا أن يمارس عملية القيام لأنه ينتظر.
الوجه الثاني: سمي يوم القيامة لأن الإنسان إذا مر أمام عظيم أو مر أمامه عظيم أو رأى عظيمًا فإنه يقف، فلو مرّ علينا أستاذ نجلّه ونقدّره فنحن نقف له، ولو تصورنا أنه يمر علينا إمام معصوم فهنا لا نستطيع الجلوس. لاحظوا أننا حين نذكر الإمام الحجة (عج) فنحن نقوم لأن ذكره يجعلنا نتصور أنه يطل علينا بإشراقاته النورية. فماذا لو ظهرت أمام الإنسان ربوبية الله كاملة؟! التفتوا إلى قوله تعالى: ﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ المطففين/ 6 يقومون لأن رب العالمين ظهر لهم وكشف لهم ما كانوا محجوبين عنه في هذا العالم.
إن حالة الإنسان في يوم القيامة حقيقة غير متصورة وغير محتملة وغير متوقعة؛ لأن الفاسق والتقي والشقي والسعيد كلهم في حالة قيام؛ وتصور عدم القيام في ذلك الوضع مستبعد؛ لأن هذه حالة فطرية وأصيلة في الإنسان.
اليوم – يومئذ:
ورد التعبير عن الظاهرة الكونية التي ستحدث بعد هذا العالم بـ (اليوم) و (يومئذ)
﴿ يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ ﴾ آل عمران/ 106 ﴿ يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ النور/ 24 ﴿ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ﴾ إبراهيم/ 48 ﴿ يوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ ﴾ النور/ 25 ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاضِرَةٌ ﴾ القيامة/ 22. نحن في عرفنا نطلق لفظ اليوم على المقطع الزماني المتكوّن من أربع وعشرين ساعة، أو نسمي النهار يوما، وحتى فقهيا يطلق اليوم على الساعات المضيئة من الوقت. وقد نعبّر أحيانا باليوم عن حادثة وواقعة مهمة حدثت لنا، مثلا نقول ( يوم ذهبت للكويت…) أقصد الحدث المهم الذي وقع أثناء وجودي في الكويت والذي كان أسبوعًا مثلًا أو شهرا…
حين يسمي القرآن اليوم الآخر بأنه يوم فهو لا يريد ما تعارفنا عليه، فذلك اليوم لا يخضع لحركة الشمس، بل هو يوم تجمع فيه الشمس والقمر وتكشط السماء وتتناثر النجوم، والاعتبارات التي نقسم بها أيامنا لا تكون موجودة.
في يوم القيامة ليس هناك مصير مشترك – بتعبير الشهيد مطهري -، فمع أن الناس مجتمعين في ساحة المحشر كما يقول تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِين لَمَجْمُوعُونَ إِلَىٰ مِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ ﴾ الواقعة/ 49-50 لكن لكل منهم مصير مختلف، ولا يستفيد أحد من نور أحد. على عكس هذا العالم، فهناك اشتراك في المصير كما لو أشرقت الشمس على الوجود فالكل يستفيد من نورها، لكن في يوم القيامة القوانين مختلفة، فمع وجود المنافقين والمؤمنين في مكان واحد إلا أن المنافقين يخاطبون المؤمنين بقولهم ﴿ انظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُم ﴾ لكن يأتيهم النداء ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾ الحديد/ 13 والحال أن المؤمنين يتمتعون بنورهم في ذات الآن ﴿ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَىٰ نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ ذَٰلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ الحديد/ 12 لأن نور المؤمنين في ذلك العالم ليس من جنس النور المادي الذي نراه في عالم الطبيعة، والذي من شأنه أن يصل لمن يكون قريبا منه؛ بل هو نور وجودي، فالمؤمن وجوده نور، علمه نور، معرفته نور، نفسه نور، روحه نور، إدراكه نور، أخلاقه نور… لذلك لا يمكن للمنافق والكافر أن يستفيد منه لأن وجود الأخير جهل و ظلمات فالمسألة هناك مسألة حركة اشتدادية وجودية وقد انتهت مسألة الحركة الامتدادية، لذا تقول الآية : ﴿ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ الْعَذَابُ ﴾
إذن فلا يريد القرآن باليوم ما نعنيه نحن في تعبيراتنا، لأن أحوال ذلك اليوم أحوال وجودية، وما سوف يحدث في الحقيقة هو تعيين للموجودات وتشخيص للمرتبة الوجودية لكل إنسان، من هنا فذلك اليوم هو يوم لكل أحد.
لماذا الواقعة؟
أحد أسماء هذه الظاهرة الكونية هو الواقعة، فلماذا تسمى بالواقعة؟ ولماذا اخترنا الحديث عن الواقعة؟
سوف نذكر سببين جديرين بانتخاب سورة الواقعة:
السبب الأول: سبب علمي.
فمسمى الواقعة تعبير عن الأمر الوجودي الواقعي، وهو الشيء الذي يبحث عنه الإنسان. فعندما تتسع مدارك الإنسان ويبدأ عقله بالتفكير فإن أول ما يبحث عنه هو تمييز الواقعيات من الموهومات الخيالية، وهمّ الإنسان الأساسي في كل شؤونه هو أن يكون ما يعتقده وما يفعله مطابقًا للواقع والحقيقة،(2) وأكثر ما ينفر منه هو مخالفة الواقع.(3) وإذا جهل الواقع ولم يعرف ما يجري من حوله فهو لن يجهل المبدأ والمعاد؛ بل لن يعرف البديهيات من علة ومعلول وكبير وصغير.
سورة الواقعة تتكلم في الأصل عن الأمور الواقعية ولذلك قالوا إن كلمة الواقعة لا تفسرها أي كلمة ثانية، نعم قد ترادف معنى الوجود المتقرر أو العيني، ولكنها كلمات قريبة، لكننا نعرف أنه لا يوجد في اللغة العربية كلمات مترادفة؛ بل هناك اختلافات دقيقة بين الألفاظ حتى لو تشابه معناها.
السبب الثاني: سبب عملي.
يقسم العرفاء وأصحاب السلوك والسير وعلماء الأخلاق مراحل القرب الإلهي والارتباط بالله سبحانه وتعالى في سلوك الإنسان التكاملي إلى خمس منازل:
١- معرفة الواقع
عندما يعرف الإنسان الواقع، فهو يرتب على تلك المعرفة سلوكًا عمليا. لأضرب مثالا.. لكل منّا مخاوف، ومنشأ هذه المخاوف هو المعرفة، فنحن نعرف أن الأسد يفترسنا ونهرب حين يقترب منّا، بل إن المعرفة تضاعف قدرة الإنسان وطاقته، فنحن نتمكن من الركض لمسافة معينة؛ لكن حين ندرك خطرًا نركض أضعاف تلك المسافة، هذه القوة حصلت بسبب إدراكنا ومعرفتنا لهذا الواقع.
وهذا ينطبق على الأمور المعنوية أيضا، فلو عرفنا المضارّ الواقعية للكذب والبهتان وسائر المعاصي فكم سوف نهرب منها وكم ستهبنا تلك المعرفة قوة للهروب منها والابتعاد عنها!
إذاً عندما يعرف الإنسان الواقع أكثر، فإن مشاعره وأحاسيسه ودوافعه وبواعثه للعمل تكون أشدّ وقد ورد “من كثرت عواطفه كثرت معارفه”(4) وأمام الإنسان مراحل معرفية كثيرة تحتاج إلى طي لتنكشف له أعماق الحقائق، ليعرف أن هناك ما يجب أن يخشاه ويرجوه خوفًا ورجاءً عقليا. وبذلك يدرك أن ما يخافه من أمور مادية ليس شيئا أمام ما لا تقوم له السماوات والأرض.
٢- الهجرة:
المرحلة الثانية التي يتحدث عنها أصحاب السير والسلوك وهي مرحلة الهجرة من الباطل إلى الحق. يقول تعالى:
﴿ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ ﴾ المدثر/ 5.
وقد تناول السيد الإمام (قد) الهجرة في كتاب الأربعون حديثا بشكل كاف. وكلما كانت دائرة معرفة الإنسان أوسع وفعالة أكثر… كلما أصبح يهرب من الجهل إلى العلم، ومن الباطل إلى الحق، ومن البخل إلى الغنى وهكذا.
٣- المسارعة:
لا شك أن الإنسان إذا عرف أكثر فسوف تكون له طاقه وقدرة على الحركة السريعة. وهذا نلاحظه في خطابات التعبئة والطرح التعبوي الذي يدفع بالإنسان إلى المسارعة فيما عبئ له.
والقرآن يعبئ الناس فيقول:
﴿ وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ﴾ آل عمران/ 133 فالمعرفة بشكل طبيعي تسبب الهجرة والميل، والهجرة تجعل الإنسان ينتقل في المراحل والمراتب الأخلاقية والمعرفية بشكل سريع، لذا فالثغرة الأساسية لدى الإنسان الذي يعمل بكسل وتباطؤ، هي ضيق معرفة الواقع، لأن الوهم لا يحرك الإنسان.
ولأن المسارعة من مراحل السلوك ؛ فكل تأخر عن عمل معروف وعمل خير هو مذموم عند الله، يقول سبحانه: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَىٰ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ ﴾ الحديد/ 10 فلا يمكن أن يستوي من ينفق قبل النصر ومن ينفق بعد النصر وثبات المشروع، لا يتساوون لأنهم لم يدركوا الحقيقة والواقع في ذات الوقت، فمن أنفق بعد الفتح تأخر في إدراكه زمانًا عن ذلك الذي أنفق قبل الفتح، وهذه السبقة الزمانية في معرفة الواقع لها حسابها عند الله. فالسابقون هم من أزالوا الموانع وحققوا أصل المشروع، لأنهم الذين أدركوا مطابقة المشروع للواقع، وهذا أمر آخر نتحدث عنه في مكانه.
٤- المسابقة:
نحن نعرف أن الوصايا الدينية تنهى عن التسابق في الأمور الدنيوية، كأن يسابق الإنسان ليمتلك أفضل مسكن، وأن يكون أول من يحصل على إصدار جهاز جديد أو ما شاكل، لذا ورد في الرواية “كن ذنبا ولاتكن رأسا”(5) أي لا تكن أنت من يتسابق لفتح مشاريع دنيوية فالمسابقة في أمور الدنيا مذمومة، في حين أن القرآن يمدح المسابقة في أمور الخير
﴿ أُولَٰئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ ﴾ المؤمنون/61 .فالذي يكتشف ويلامس الواقع يهاجر ثم يسارع ثم يسابق.
٥- الإمامة:
المرحلة الأخيرة في المسير التكاملي للإنسان هي الإمامة
﴿ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا ﴾ الفرقان/72 وليس المراد بالإمامة التقدم الموقعي الاجتماعي أو السياسي فقط؛ بل هي تقدم مصحوب برفع الآخرين وتنقيتهم. تمامًا كما أن إمام الجماعة هو الذي يقرأ الفاتحة والسورة نيابة عن المأموم؛ كذلك الإمام في الشأن السياسي والإجتماعي والأخلاقي هو تصفية وتزكية لمن يتبعه، والآيات والروايات مليئة بهذا المعنى.
الواقعة انكشاف لواقع الأمر
وقد اتضح مما سبق أن معرفة الواقع كما هو عليه يحدث تنويرًا للإنسان. فسورة الواقعة لا تتكلم عن اليوم الآخر من زاوية أنه يوم القيامة، أو زاوية أنه الحاقة أو النشور، أو أنه يوم تبلى السرائر، هذه كلها عدة زوايا لهذه الصورة أما المشهد المتكامل فهو أنه يوم انكشاف الواقع كما هو، وهو يحقق المطلب الأول للإنسان ويعطيه النظرة الوجودية الصحيحة.
وإذا وقفنا على كلمة الواقعة، وأردنا أن نعرف ماذا تحمل في داخلها من ثقل معنوي ومعرفي سنرى أن الواقعة من الواقع، وهي تعبّر عن أمر متحقق موجود سواء علمنا به أم لم نعلم.
ثم إن هذا الواقع لم يسبق بعدم، وعندنا أكثر من قرينة تدل على هذا المعنى: فقد ورد في الروايات عن الواقعة بأنها أمر موجود الآن، عن أبي الصّلت: قال قلت ـ للإمام علي بن موسى الرضا (ع) ـ يابن رسول الله (ص): أخبرني عن الجنة و النار أهما اليوم مخلوقتان؟ قال: “نعم، و إن رسول الله (ص) قد دخل الجنة ورأى النار لماّ عُرج به إلى السماء” قال فقلت له: إن قوماً يقولون إنهما اليوم مقدرتان غير مخلوقتين فقال (ع): “ما أولئك منا ولا نحن منهم، من أنكر خلق الجنة و النار فقد كذّبَ النبي (ص) وكَذّبنا وليس من ولايتنا على شيء و يُخلّد في نار جهنم، قال الله عَزَّ و جَلَّ: ﴿ هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ ﴾، و قال النبي (ص) لمّا عُرج بي إلى السماء، أخذ بيدي جبرائيل فأدخلني الجنة، فناولني من رطبها فأكلته”(6)
وقراءة آيات السورة يساعد على هذا المعنى، فنفس لفظ (الواقعة) يدل على أنها موجودة الآن بغض النظر عن علمنا وعدمه؛ لأن الأمور الواقعية موجودة ومتحققة، وكل ما هناك أننا لا نراها وهي محجوبة عنا و ستنكشف لنا في ذلك العالم
﴿ فَكَشَفْنَا عَنكَ غِطَاءَكَ ﴾ ق/22 هذا الغطاء غطاؤك، أنت صنعته وحكته وجعلته بين عينيك هذا الجهل والوهم يكشف عنك في يوم الواقعة فلا مجال هناك للوهم.
كما أن قوله ﴿ وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ ﴾ يدل على تحقق ذلك وأحوال ذلك اليوم تدل على ذلك، هؤلاء السابقون المقربون هم الآن كذلك، فتقديم الضمير (أولئك) حصر السبق والقرب فيهم، والمقربون اسم مشتق ويفيد الثبوت والبقاء.
وقوله تعالى ﴿ وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ * إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَٰلِكَ مُتْرَفِينَ ﴾ فهم الآن مترفون فكان فعل تام لا ناقص يتكلم عنهم وهم في الدنيا، فهم من الأصل كانوا مترفين وكانوا يصرون على الحنث العظيم.
إذن العلم والمعرفة هو أول طريق للتكامل يقول تعالى: ﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ ﴾ فالواقعة بما هي أمر متحقق و موجود الآن ويجب أن يدركه الإنسان وإذا عرفه يجب أن يتكامل سواءً تكامل علميا أولا، وحتى إذا لم يترتب عليه عمل، فإن هذا المعتقد بحدّ نفسه كمال، ثم يتكامل بعمل الصالحات وبهذا يصبح الشقين متكاملين.
ولهذا لاحظوا عندما يتكلم الله عن أصحاب اليقين في سورة هل أتى يقول ﴿ إِنَّ الأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ﴾ الإنسان/ 5 الأبرار هم الآن يشربون لأنهم الآن يوفون بالنذر ويخافون يوم القيامة.
تأتي تتمة الحديث وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.

0 تعليق