لاشك أن من يقرأ تاريخ الأرض بسهولها وجبالها وأنهارها ومياهها واليبس الصحراوي منها ويسير في أخبارها؛ يعجب من اليد الحكيمة التي ربطت بين التشريع والتكوين في عالم واحد يحكي وحدانية الله سبحانه ﴿ لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ﴾ الأنبياء: 22. ربما يطلق الفساد غالبا على الجانب الذي يمسّ حركة الإنسان، وإن كان يشمل كل توقف عن الكمال في أي مورد.
هذه الأرض العارية بالأصل في نظر القرآن هناك أمور تزينها اعتبارا وشكلا، وهناك أمور أخرى تزيّنها وتكسوها وتستر ثغراتها بالحلل الأبدية. فالأنهار والأشجار والذهب والحليّ والمباني الفارهة جمال للأرض ﴿ إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا ﴾ الكهف: 7 لكن كل هذه المظاهر مع أنها ساجدة في حال إخبات للأرض ﴿ وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ ﴾ الرحمن: 6 ولكنها أدوات تجميل محدودة، ومظاهر جمال للعرض فقط، إذ لم تمسّها يد الإنسان بفنّه الروحي، ولم تحكِ قدرات الإنسان المعنوية، ولم تحمل في جنباتها خصائص الإنسان المتألّه الموحد.
وكما أن في السماء زينة تناسبها ﴿ إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ﴾ الصافات: 6 ﴿ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ﴾ الحجر: 16 هناك من جهة أخرى مايزين الأرض والسماء في وقت واحد، لأن حكايته بعمق حكاية الإنسان العميق الموحّد الفتيّ الشجاع الفدائي الذائب في عالمه العقلي، الذي وجد نفسه هو من يعمر الأرض، وهو المستحقّ الواقعي للأرض، فرأى أن جمال الأرض إنما يصحّ بمدّ حبل هذه الخصائص الإنسانية للسماء، وأنّى لأيّ نهر أو بحر أو برّ أو شجر أو نبات أن يخرق عوالم السماء؟!
يقول الإمام الخميني في معنى قول النبي الأكرم (ص) (جُعلت لي الأرض مسجدا وطهوراً)(1) “إن النظافة الواقعية للبيئة تطهيرها من ملوثيها” (2) ولكن، ومع أن الأرض كلها مسجد وطهور؛ إلا أن في الأرض قطع متجاورات، وبعضها أفضل من بعض، وحكاياتها وقصصها مختلفة في العمق، وبعضها يشدّك وتهوي له ككتاب تجد نفسك فيه، وتتمنى أن تكون لك تلك الشمائل والفضائل التي يحكيها، وتعيش مع بطل القصة في كل مراحله.
مقام ابراهيم الخليل
قال الله في حق هذا المقام ﴿ وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى ﴾ البقرة: 125 فمع أن نبيّ الله إبراهيم (ع) زيّن الأرض بشجاعته وقوة إرادته الاستثنائية، وله في كل أرض يذكر فيها التوحيد رمز عريق في فطرة الإنسان؛ لكن قيامه ببناء بيت لله تتمحور حوله القيم التي هي جوهر الإنسان من الإخلاص والفداء والوقار والشيخوخة المنهومة بذات الله؛ هو أجمل ما في وجه الأرض. وحين يجد الإنسان نفسه ابنا لهذا الأب المورِّث لكل هذه القيم ﴿ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ ﴾ الحج: 78 هناك يرى أرضا تزيّن السماء، أسّسها مكافح منافح ذابّ عن التوحيد، ليهب لكلّ سليم الصدر، عازم على أن يترك توقيعا في دفتر بنبي الله إبراهيم اسمه.
(واتخذوا من مقام ابراهيم مصلى) لأنه لا انفكاك بين إقامة القسط وإقامة الوجه عند كل مسجد، فالعدل والصلاة بالنسبة للإنسان حقيقة ذات وجهين: في السماء صلاة وفي الأرض إقامة قسط.

1. الكافي / الكليني ج2 كتاب الايمان باب الشرايع ح1 ص17
2. (راجع مقالة فاطمة طباطبائي في مؤتمر تنظيف البيئة في المانيا)

0 تعليق