تقدم القراءة:

وراثة الأرض مستقبل الصالحين

الأربعاء 14 شعبان 1438هـ 10-5-2017م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

إنّ من أهمّ المسائل الفكرية التي تشغل ذهن إنسان اليوم هي مستقبله.

هناك مدارس عدّة تحدثت عن مستقبل الإنسان، لكن أغلبها اعتمد على مقدّمات وفرضيّات إما أن يكون قد بان خطؤها وعدم صحّتها، أو أنّها لا تتجاوز حدّ الظنون والاحتمالات المتراكمة التي لا تغني عن الحقّ شيئا. وكل هذه المدارس ينقصها عنصر أساس لمعرفة مستقبل الأرض، وهو أخذ عالم الغيب كعنصر أساس في دراستها للواقع.

ربما لم يصل الإنسان للتمكن والسيطرة على الأرض كما وصل إليه إنسان اليوم، ولكن في نفس الوقت لم تمتلئ الأرض بالظلم والجور والطغيان كما هي عليه اليوم.

ما يهمّ الإنسان ويعالج مشكلته هو معرفة واقعه وعاقبته ومعرفة مستقبله بصورة قطعيّة. وأمّا معرفته بالآلة وأنواع التكنولوجيا واستعماله لها فماذا يمكن أن تضيف له مع جهله بمصيره الشخصيّ؟!

وهذه حقيقة بديهيّة لدى العقل وهي من المسلّمات العقائديّة.

إنّنا حينما ندخل عنصر الغيب والقطوعات الإلهيّة للأفكار ستكون للنتيجة قيمة علميّة وروحيّة تجعل التعبير عن مبدأ إثبات هذه الحقيقة ذا قيمة. والإيمان بالإمام المهديّ (ع) وبظهوره، إيمان بالغيب وهو من قبيل الإيمان بالقطعيّ الثابت.

إذن حل مشكلة الإنسان في أمرين:

الأمر الأوّل: أن يعرف مستقبله بشكل قطعيّ.

بذلك نفهم ما تؤكّده النصوص فيما يخصّ مستقبل الأرض وعاقبتها، وهو ما يعرف بعصر الظهور. يأتي التأكيد مثلاً بقوله: فَتَمَّتْ كَلِمَتُكَ صِدْقاً وَعَدْلاً ،لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِكَ، وَلا مُعَقِّبَ لآياتِكَ” كما في الدعاء: “اَللّـهُمَّ بِحَقِّ لَيْلَتِنا وَمَوْلُودِها، وَحُجَّتِكَ وَمَوْعُودِها، الَّتي قَرَنْتَ اِلى فَضْلِها فَضْلاً فَتَمَّتْ كَلِمَتُكَ صِدْقاً وَعَدْلاً لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِكَ، وَلا مُعَقِّبَ لآياتِكَ، نُورُكَ الْمُتَاَلِّقُ، وَضِياؤُكَ الْمُشْرِقُ، وَالْعَلَمُ النُّورُ في طَخْياءِ الدَّيْجُورِ، الْغائِبُ الْمَسْتُورُ، جَلَّ مَوْلِدُهُ وَكَرمَ مَحْتِدُهُ، وَالْمَلائِكَةُ شُهَّدُهُ، وَاللهُ ناصِرُهُ وَمُؤَيِّدُهُ، اِذا آن ميعادُهُ، وَالْمَلائِكَةُ اَمْدادُهُ”(1).   

كما نلاحظ ذلك في النمط الخاص بالآيات القرآنيّة التي تتكلّم عن المستقبل. كما في قوله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ* إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ  الأنبياء 105-106

التأكيد بـ (قد) مع (اللام) يفيد التأكيد المشدّد، و(الكتابة) تفيد الجمع والانضمام والتثبيت. فحين نريد التعبير عن جيش منظّم مقتدر نقول: (كتيبة)، وهو كالكتابة التي تربط وتنظم الحروف بحيث تفيد كلمات، وإلّا فالحروف المفكّكة لا تفيد معنى  ولا تصوّراً ذهنياً واضحا.  فالآثار المكتوبة والعهود والقرارات التي كانت تحوّل إلى الأديم كان يراد بقاؤها وتثبيتها.

وكذلك الأمر بالنسبة للأمور العبادية التي لا تتغير أيضاً فيقال لها مكتوبة ﴿ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا ﴾ النساء/ 103.

وعندما يقول الله تعالى: ﴿ وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ ﴾ الأنبياء/ 105 أي هناك كلمات مكتوبة ثابتة محقّقة جزميّة الوقوع.

وقد يراد بالذكر هنا مطلق الكتب السماوية وما جاء به الأنبياء، أو يراد به خصوص التوراة، لما فيها من تجربة انتصار نبي الله موسى (ع) أمام أعتى فرعون على وجه الأرض، ذلك الذي جعل أهلها شيعاً وقال: ﴿ أَنَا رَبّكُمْ الْأَعْلَى ﴾ النازعات/ 79  وقال: ﴿ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَٰذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي ﴾ الزخرف/ 51 فكانت عاقبته أن أغرق في الماء الذي كان يعتقد أنه مبرر لربوبيته، بينما نجا موسى وقومه بعصا يهش بها على غنمه! والأسباب كما يقول صاحب الميزان: لا تغلب إرادة المتسبب. ولعله لشدة انقلاب المعادلة لصالح المستضعفين يكون هذا مذكور في التوراة فيكون المراد بالذكر هو التوراة. وعلى نحو العموم فإن أحد طرق معرفة الواقع هو (الذكر) ولذا أمرنا أن نسأل أهل الذكر ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ  النحل/ 43 هذه قاعدة عامة وهذا سبيل لمعرفة الحقيقة من أهلها.

الأمر الثاني: أن يعرف الإنسان طريق نجاحه و فلاحه.

(الوراثة للأرض) نتيجة، ولقد ذكرت الآية في الطريق إليها خاصّيّتين لا بدّ لمن سيرث الأرض أن يتصّف بهما: (عباد وصالحون).

الخاصيّة الأولى (عباد): نعلم أن (عباد) هي صفة مشبهة تفيد الثبوت والدوام، وهي تختلف عن (عابد) التي هي اسم فاعل، ومن خصائصه الاتصاف بالفعل على وجه الحدوث، أي وقت إنجاز الفعل، فالعابد قد يعبد الله على حرف.

ولعل الوصايا الشرعية بإحياء هذه الليلة لكي يكسب الإنسان هذه الصفة، فقد جاء عن الإمام الباقر عليه السلام: “هي أفضل اللّيالي بعد ليلة القدر، فيها يمنح الله العباد فضله ويغفر لهم بمنّه، فاجتهدوا في القربة إلى الله تعالى فيها فإنّها ليلة آلى الله عز وجل على نفسه أن لا يردّ سائلاً فيها ما لم يسأل الله المعصية” 

واللطيف في الآية أنها عبّرت بالإرث ـ الذي هو كسب مجّاني ـ على سيطرة عباد الله على الكرة الأرضيّة. لكن إذا تأمّلنا فإن الحصول على الإرث المادّي يتوقّف على موت المورِّث، في حين أنه من شروط الحصول على الإرث المعنويّ ـ الذي هو من قبيل ما ذكر في الآية ـ أن يميت الوارث الصفات السيّئة في نفسه.

إذن الشرط لنيل الإرث هو أن يكون الإنسان من عباد الله، فالعبادة تحيي القلب وتميت الشهوة، وبذلك يستحقّ أن يكون وارثا.

الخاصية الثانية (الصلاح): والصلاح لا يصدر إلّا ممّن يمكنه الإفساد أيضا، فالتقابل بينهما تقابل الملكة وعدمها، لأنه كان يمكن أن يكون فاسدا، ولكنه أصبح صالحاً علماً وعملاً وأخلاقاً وفكرا، لذا صفة الصلاح من الصفات التي لا تطلق على الله سبحانه.

ثم قالت الآية: ﴿ إِنَّ فِي هَٰذَا لَبَلَاغًا لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ ﴾ الأنبياء/ 106 لأنّ المستفيد من هذا البيان هم هذه الشريحة، حيث أن التعبد لله أرضية لقبول الحقيقة وتهيئة النفس للتأثر بالقول البليغ. وإلّا فالقرآن كتاب للناس ﴿ الر ۚ كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ  إبراهيم/ 1

ولو تسائلنا لماذا (بلاغ) وأمر مهم؟!

لأنّ عدم معرفة هذه الحقيقة تؤثّر على المصير. فمن كان هنا أعمى عن هذه الحقيقة فهو في آخرته أعمى وأضلّ، وتجدر الإشارة إلى أن الفارق بين الأعمى في الدنيا والأعمى في الآخرة أن الأعمى في الدنيا لا يرى الجميل ولا القبيح بينما الأعمى في الآخرة لا يرى الجميل ولكنه يرى القبيح ﴿ وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُوا رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ ﴾ السجدة/ 12 من هنا، إذا قيل أن أفضل العبادة انتظار الفرج فبهذه الشرائط.

لاحظوا قوله: ﴿ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَىٰ لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا  يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا ۚ وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ  النور/ 55 لماذا لم يقل: يعبدونني ولا يشركون بي شيئا؟

لأنّ العطف يفيد المغايرة، والكلام هنا ليس عن العبادة المقطعيّة كالصلاة والصوم والحجّ، وإنّما المقصود هو العبادة الإداريّة والاجتماعيّة، وهي تحتاج إلى إخلاص مؤكّد، إذ ما فائدة وجود قوانين حقّة  والقيّمون على تطبيقها يشوبهم الهوى ويختلط عليهم الحقّ أحيانا؟! المراد هنا العبادة الحكومتيّة الإداريّة التي تحتاج تديّناً خالصاً وتوحيداً خاصّا، لأنّ أصعب العبادة اتخاذ الموقف السياسيّ والثبات عليه والتزام الحقّ وأهله، هذه العبادة تقتضي نفي الهوى عن النفس، لذا لتوكيد هذه الحالة التوحيديّة قال: (يعبدونني لا يشركون بي شيئا).

ومن هنا يتّضح أن حديث القرآن عن النفاق والمنافقين ليس أمراً عبثيّاً، وليس لسرد قصص وقعت وانتهت بل تتكرّر نفسها، وقد كان النظام الذي يدعو له رسول الله (ص) والتشريعات الإلهية حقة ولكن وجود شريحة كبيرة من المنافقين هي علة انهيار التجربة والتشريع الإلهيّ الخالص ولذا لم يرثوا تركة رسول الله (ص) إلّا بالغصب والظلم والاختلاس.

إن إلزام النفس بالحقّ خالصاً لله وجعل الحقّ محوراً بحيث يعطف الإنسان هواه لصالح الهدى هو سبب وراثة الأرض. وموت الجهل والجبن والرياء وحبّ الرئاسة هو التوحيد المحض الذي يجعل كلّ حركات الإنسان عبادة. ولقدسيّة هذه الطاعة التي لا تماثلها طاعة قال ( وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم ).

هذه العاقبة وهذا المستقبل القطعيّ سمّي في الدعاء بنورك المتألق وضيائك المشرق. وجاء في الروايات في ذيل تفسير هذه الآية ( نزلت في القائم وأصحابه )(3)

النصف من شعبان/ 1438هـ


1- إقبال الأعمال السيد ابن طاووس ج3_330

2-  أمالي الطوسي 302/1

3- ‏غيبة النعماني: بسنده عن الصادق عليه السلام في معنى قوله عز وجل: “وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا”، قال: نزلت في القائم وأصحابه.


 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 198٬428 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 0 (0)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (1)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.