إذا كان موت العالم بحق يوجب ثلمة في الدين لا يسدّها شيء، فإنّ شهادة علي عليه السلام انهدام لكل أركان الِهدى وانفصام في العروة الوثقى. علي صراط الحق والهداية، وظلامة علي عليه السلام تتناسب وقدسيته وعلو شأنه.
في مثل هذه الليلة تخفق القلوب وجلاً ومهابة وهي تترقب خبراً تعرفه وقد حفظته! وهو خبر ضربة أمير المؤمنين في محرابه. وإذا كان الخبر عن انهدام أركان الهدى وانفصام العروة الوثقى فالألم والوجل منه لا يبلى بالتكرار ولا يزيد ذكره القلب الا لوعة وتفجعا.
نواصل الليلة المسير مع آيات سورة يس، وأينما تغرف بيدك من معين القران في مثل هذه الليالي إلا ويظهر لك صورة جديد لعلي عليه السلام.*
(وامْتَازوا اليَوْمَ أيّها المُجْرمُون):
بعد أن تحدثت الآيات عن أهل الجنة استثنت وميّزت المجرمين، والاستثناء والتمييز لا يكون إلا للفئة الأقلّ كما هو معروف عقلاً. وكذلك لا يمكن في قواعد اللغة العربية أن تستثني الأكثر لأنه مما عدّ قبيحا. فالآية تريد أن تقول: إن أكثر الناس في نهاية المطاف سيكونون من أهل الجنة و يدخلون دار السعادة واستثناء المجرمين وتميّزهم يدل على قلتهم بالنسبة لأهل الجنة. وهناك دليل عقلي لإثبات ذلك مفاده أن العاهات النفسية هي كالعاهات الجسدية ، فكما أن ذوي العاهات هم الأقل في البشر في هذا العالم ، كذلك فإن أهل النار هم الأقل في الآخرة. وقد دلت على ذلك كثير من النصوص الدينية التي تبحث في محلها.
إذن المتميزون هم الفئة الأقلّ، المجرمون. لكن ما سبب إجرامهم؟ السبب أنهم أخلفوا بعهد الله. وهذا ما سيتضح من الآية التي تليها.
( ألَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيم ):
بالتدبر في هذه الآيات سنرى وجهاً جماليّاً لأمير المؤمنين عليه السلام، وستتجلّى المقابلة بين عبادة الشيطان وعبادة الله المنحصرة في اتباع الصراط المستقيم. ولكن دعونا نسير مع الآية لنتساءل: أين ومتى أخذ هذا العهد من بني ادم؟
ذهب البعض إلى أنّ هذا العهد أخذ على الناس في عالم الذرّ، و أن الله عرّف الناس على الشيطان وحذرهم من الانقياد له. ولكن هذا الرأي تكتنفه مجموعة من المآخذ والإشكالات:
المأخذ الأوّل: الله سبحانه هنا في مقام الاحتجاج، وله الحجة البالغة ﴿ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ ﴾ الانعام 149 فكيف يحتجّ على الناس بأمر غامض وبحدَث لا يتذكرونه؟!. ثم أن من يتذكر ذلك العالم ومجرياته بشكل واضح هم الأقلّ من الناس بينما الخطاب من الله سبحانه و تعالى لكافّة بني آدم.
المأخذ الثاني: عالم الذر هو سابق لعالم الخلق، وسابق لوجود آدم وجنّته والعداوة التي حدثت بينه وبين الشيطان الرجيم. فكيف يمكن أخذ العهد بعدم اتباع الشيطان في عالم لم يوجد فيه الشيطان بعد؟!!
المأخذ الثالث: الآية تكلمت عن أهل الجنة ﴿ إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ ﴾ وجعلت الجنة هي الأصل ثم استثنت المجرمين. فالأصل إذن هو الجنة والنعيم والسعادة والاستقامة، وذلك لأنّ الأساس في طبيعة الوجود هو الرحمة الإلهية، والنهاية هي للحق والعدل وتحقيق أهداف الأنبياء، وهدف الأنبياء وصول الناس إلى رضوان الله وجنّته. ومقتضى هذا الأصل أن تكون مصاديق الهداية والضلال واضحة للناس في هذا العالم لا في عالم نسوه.
مصاديق الشيطان واضحة بيّنة:
من هنا فإن الشيطان لابد أن يكون واضحاً فلا يمكن أن يعهد الله إلينا ألاّنتبعه ونحن لا نعرفه ، ولا يمكن للحكيم أن ينهانا عن اتباع شيء غامض . وإذا عرفنا الشيطان و مصداق الشيطان عرفنا كيف أخذ العهد على الانسان.
لابد أن نعرف أولاً أن الشيطان أعم من إبليس، فإبليس هو من رفض السجود للملائكة وحصل بينه وبين آدم ما هو معروف، ولكن الشيطان له مصاديق كثيرة، وما يصلح ببساطة لإعطاء معيار لمعرفة الشيطان هو نصوص أهل البيت عليهم السلام. ورد في تفسير العياشي: عن أبي بصير قال: سمعت أبا عبدالله عليه السلام يقول: ( يأيها الذين آمنوا ادخلو في السلم كافة ولا تتبعوا خطوات الشيطان ” قال: أتدرى ما السلم؟ قال: قلت: لا أعلم قال: ولاية على والائمة الاوصياء من بعده، قال: و خطوات الشيطان والله ولاية فلان وفلان) (1)
لنعرف أولا ما هو العدوّ؟
العدْو: التجاوز ومنافاة الالتئام، (2) ومنه الركض، ومنه أخذ لفظ العدوّ، فالعدوّ هو الذي يسرع وأنت تتبعه لذا عبّر عنه بـ ” لا تتبعوا خطوات الشيطان “.
الإمام في تفسير الآية يجعل ولاية الأئمة والأوصياء هي السلم، وولاية فلان وفلان ممن كان ضدّ الأئمة هي خطوات الشيطان. مما يدلّ على أن العهد بعدم اتباع الشيطان وخطواته مأخوذ في هذا العالم ومصاديقه بيّنة وواضحة. وليس هو عهد في عالم الذر لأن ّ عالم الذر هو عالم الربوبية وشؤونها التي هي الولاية، ولذلك أشهد الله بني آدم على أنه ربهم فقط وما يتعلق به وهي الولاية ﴿ وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا ﴾ الأعراف 172
ومن الروايات التي تشخّص مصاديق الشيطان في الدنيا ما ورد عن أبي جعفر ( عليه السلام )، قال: “من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فان كان الناطق يؤدي عن الله فقد عبدالله، وإن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان”. الإصغاء في اللغة هو الاستماع والاهتمام بإمالة الرأس للمتحدّث. ومعنى الرواية أنه توجد توجهات ودعوات كثيرة في هذه الدنيا وأي ميل لناطق عن االله فهو ميل لله وعبادة وقرب، وأي ميل واستماع لناطق شيطانيّ هو عبادة واتباع للشيطان. وهذه من المصاديق البيّنة الواضحة.
كما أن الآيات القرآنية أيضًا واضحة في هذا الشأن، يقول تعالى: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ ۖ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا ﴾ النساء 76 الآية تتكلم عن الحرب بين المؤمنين والكافرين، فتقول أن الذين كفروا يتجيشون ضد المؤمنين بأمر من رأسهم وتسميه ( الطاغوت) فالطاغوت هو الشيطان وأولياءه هم أولياء الشيطان، فنحن نعرف الشيطان وندركه ونستطيع أن نشخصه. وحينما يأمرنا الله باتخاذ الشيطان عدوّاً ﴿ إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا ﴾ فاطر 6 فلأنه واضح وبيّن. وهو أيضا يعمل ضدّ الحق وعلينا أن نعمل لمواجهته ، لأن الاتخاذ لا يعني أن تعرف الشياطين فقط بل أن تواجهها.
مواعيد علي لشيعته:
إنّ الذي يقابل ولاية الشيطان هو تجلي الصراط المستقيم ووضوحه ولذلك قال: ﴿ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ﴾ (هذا) اسم إشارة واسم الإشارة يشير للشيء المتحقق.
أريد في هذه الليلة و بمناسبة شهادة أمير المؤمنين عليه السلام أن أفتح نافذة على مواعيد وآمال حقّة وواقعيّة تقابل وعود الشيطان التي هي خدع وغرور وأماني زائفة ﴿ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا ﴾ النساء 4 لا يمكن أن يفي الشيطان لأتباعه، لأن الوفاء بالوعد يتوقف على العلم والقدرة والصدق وكلها لا تمثّل صفات الشيطان بل هي صفات أهل البيت عليهم السلام فهم الصراط المستقيم الذي تجسد في هذه الدنيا ورد عن عبد الله بن أبي يعفور قال قال أبو عبد الله (ع) “قد استحييت مما أكرر هذا الكلام عليكم إنما بين أحدكم و بين أن يغتبط أن تبلغ نفسه هاهنا و أهوى بيده إلى حنجرته يأتيه رسول الله (ص) و علي (ع) فيقولان له أما ما كنت تخاف فقد آمنك الله منه و أما ما كنت ترجو فأمامك”(3) الإمام الصادق يقول وعدتكم كثيراً وكررت هذا الكلام كثيراً حتى استحييت! هل هناك من يشكّ في صدق أهل البيت ووفائهم؟!!
وأما ما ورد في شأن أمير المؤمنين وخاصة في مجال الوفاء لشيعته فكثير جداً، فكم نحن مدانون لأمير المؤمنين عليه السلام وكم في رقابنا لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه من حقوق.
جاء في خبر طويل أن أصحاب أمير المؤمنين عليه السلام دخلوا عليه و هو ساجد يبكي حتى علا نحيبه و ارتفع صوته بالبكاء فقلنا يا أمير المؤمنين لقد أمرضنا بكاؤك و أمضنا و شجانا و ما رأيناك قد فعلت مثل هذا الفعل قط، فقال: “كنت ساجدا أدعو ربي بدعاء الخيرات في سجدتي فغلبتني عيني فرأيت رؤيا هالتني وفظعتني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله قائماً و هو يقول يا أبا الحسن طالت غيبتك فقد اشتقت إلى رؤياك و قد أنجز لي ربي ما وعدني فيك. فقلت يا رسول الله و ما الذي أنجز لك فيّ؟ قال أنجز لي فيك و في زوجتك و ابنيك و ذريتك في الدرجات العلى في عليين. قلت: بأبي أنت و أمي يا رسول الله فشيعتنا؟ قال: شيعتنا معنا و قصورهم بحذاء قصورنا و منازلهم مقابل منازلنا. قلت: يا رسول الله فما لشيعتنا في الدنيا قال الأمن و العافية قلت: فما لهم عند الموت؟ قال يحّكم الرجل في نفسه و يؤمر ملك الموت بطاعته. قلت: فما لذلك حدّ يعرف؟ قال: بلى إن أشد شيعتنا لنا حبّا يكون خروج نفسه كشراب أحدكم في يوم الصيف الماء البارد الذي ينتقع به القلوب، و إن سائرهم ليموت كما يغبط أحدكم على فراشه كأقرّ ما كانت عينه بموته” (4)
أريدكم أن تلفتوا إلى اهتمام علي بشيعته، فهو لا يكتفي بشارة النبي له فيقول يا رسول الله وما لشيعتنا في الدنيا؟ فيجيب: الأمن والعافية. الأمن لا يعني أن لا يتخطّفنا العدوّ ولا يظلمنا ولا يقتلنا، بل الأمن يعني أن لا تخرج العقيدة من قلوبنا. الله يعبّر عن مؤمن آل فرعون بـ ﴿ فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا ۖ وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ ﴾ غافر 45 رغم أنه قتل، وذلك يعني أنّ الله وقى عقيدته وثباته. الأمن لايقصد به الأمن من القتل بل هو أن لا يسلب حب أمير المؤمنين من قلوبنا. الأمن أن نجتمع في كل سنة في شهادة أمير المؤمنين ونرى أن من أهم أعمال هذه الليلة أن نذكر مظلومية أمير المؤمنين، وإذ فقدنا هذا الشعور فقد خرجنا من الأمان.
علي يستعدّ للرحيل في مثل هذه الليلة بهذه الروح التي حملت هموم الأمة في حياتها وفي مماتها وهو الذي يقول ( كنت أحسب أن الامراء يظلمون الناس ، فإذا الناس يظلمون الامراء)(5) أينما غرفنا من حياة علي عليه السلام نجد وفاء منه وأينما التفتنا إلى هذه الدنيا وإلى هذا الدهر وإلى هذه الأمة نجد ظلما لعلي صلوات الله وسلامه عليه.
إلا لعنة الله على الظالمين
* المحاضرة ليلة 19 شهر رمضان 1436هـ
(1) تفسير العياشي: ج 1، ص 102، ح 294
(2) مفرادات الراغب الأصفهاني
(3) أعلام الدين، ص٤٥٦
(4) البحار: 42/ 194 و 195 ح 11، عن كنز الفوائد.
(5) بحار الانوار ، ج٤١، ص٥

0 تعليق