تقدم القراءة:

عسل مصفّى ٢

١ رجب ١٤٣٤ هـ

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

عسل مصفّى ٢ / الأشهر الحرم والأئمة الأربعة (١-٢)

هناك ارتباط بين الأشهر الأربعة الحرم وبين أربعة من الأئمّة: عليّ بن أبي طالب، وعليّ بن الحسين السجّاد، وعليّ بن موسى الرضا، وعليّ بن محمّد الهادي عليهم السلام، وقد كثرت الأسئلة حول هذا الارتباط، لذا سنجيب عليها وإن كان ذلك سيجرّنا للاستطراد في المقدّمة.

الارتباط بين الأشهر الحرم والأئمّة الأربعة هو معنى منتزع من عدّة روايات وردت عن أهل البيت عليهم السلام، سنورد بعضها بداية ثم نشرع في الحديث.

الرواية الأولى:

أخبرنا أحمد بن محمّد السياري، عن أحمد بن هلال، قال: وحدّثنا عليّ بن محمّد بن عبد الله الحناني، عن أحمد بن هلال، عن أميّة بن ميمون الشعيريّ، عن زياد القنديّ، قال: سمعت أبا إبراهيم موسى بن جعفر بن محمّد عليهم السلام أجمعين يقول: “إنّ الله عزّ و جلّ خلق بيتا من نور، و جعل قوامه أربعة أركان: الله أكبر، ولا إله إلا الله، وسبحان الله، والحمد لله، ثم خلق من الأربعة أربعة، و من الأربعة أربعة، ثم قال عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ﴾.

الرواية الثانية:

روى الشيخ في (الغيبة) بحذف الإسناد، عن جابر الجعفيّ، قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن تأويل قول الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾

قال: فتنفس سيدي الصعداء، ثم قال: (يا جابر، أمّا السنة فهي جدي رسول الله (صلى الله عليه و آله)، وشهورها اثنا عشر شهرا، فهو أمير المؤمنين، وإليّ و إلى ابني جعفر، وابنه موسى، وابنه عليّ، وابنه محمّد، وابنه عليّ، وإلى ابنه الحسن، وإلى ابنه محمّد الهادي المهديّ. اثنا عشر إماما، حجج الله في خلقه، و أمناؤه على وحيه وعلمه، والأربعة الحرم الذين هم الدين القيّم، أربعة منهم يخرجون باسم واحد: عليّ أمير المؤمنين، و أبي عليّ بن الحسين، وعليّ بن موسى، و عليّ بن محمّد، فالإقرار بهؤلاء هو الدين القيّم، فلا تظلموا فيهنّ أنفسكم، أي قولوا بهم جميعا تهتدوا) [البرهان في تفسير القرآن، ج2، ص: 773]

الرواية الثالثة:

عن محمّد بن سنان، عن فضيل الرسان، عن أبي حمزة الثماليّ، قال: كنت عند أبي جعفر محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السلام) ذات يوم، فلمّا تفرّق من كان عنده، قال لي: (يا أبا حمزة، من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله، قيام قائمنا، فمن شكّ فيما أقول لقي الله وهو به كافر، و له جاحد». ثم قال: «بأبي أنت وأمي، المسمى باسمي، والمكنى بكنيتي، السابع من بعدي، بأبي من يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما و جورا.

ثم قال:«يا أبا حمزة، من أدركه فلم يسلم له فما سلم لمحمّد وعليّ (عليهما السلام) و قد حرّم الله عليه الجنّة، و مأواه النار وبئس مثوى الظالمين. و أوضح من هذا- بحمد الله- و أنور و أبين و أزهر لمن هداه الله وأحسن إليه قول الله عزّ و جلّ في محكم كتابه: ﴿إنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ومعرفة الشهور- المحرم وصفر و ربيع وما بعده، والحرم منها، هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرم- لا تكون دينا قيّما، لأنّ اليهود والنصارى والمجوس وسائر الملل والناس جميعا من الموافقين والمخالفين يعرفون هذه الشهور، ويعدّونها بأسمائها، وإنّما هم الأئمّة القوّامون بدين الله (عليهم السلام)، والحرم منها: أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) الذي اشتق الله تعالى له اسما من اسمه العليّ، كما اشتقّ لرسوله (صلّى الله عليه و آله) اسما من اسمه المحمود، و ثلاثة من ولده، أسماؤهم عليّ بن الحسين، وعليّ بن موسى، وعليّ بن محمّد، فصار لهذا الاسم المشتق من اسم الله جلّ وعزّ حرمة به، وصلوات الله على محمّد و آله المكرمين المحترمين به». غاية غاية المرام – السيد هاشم البحراني – ج ٢ – الصفحة 279

قبل الدخول في شرح الروايات السابقة سنمرّ على بحث قرآنيّ في معنى الآية التي هي محلّ الحديث، والتي ربطت الروايات فيها بين الأشهر الحرم والأئمّة عليهم السلام. هذا البحث القرآني سنتناوله مرّة على نحو التفسير وأخرى على نحو التأويل:

مع تفسير الآية:

يقول تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ…﴾ [التوبة: 36].

جوّ الآية: 

الآية هي من سورة التوبة، وقد وردت في سلسلة من الأحكام الفقهية والأخلاقيّة وجملة من المفاهيم القرآنيّة حول الجهاد في سبيل الله، هذه الآية تتوسّط آيات الجهاد لتعلن حرمة القتال في أزمنة معيّنة، فكأنّها بمثابة رفع الرايات البيض للصلح والسلم والانقطاع للعبادة في أربعة أشهر، ولذلك علل كثيرة.

النظريّة الإسلاميّة في نظم الحياة الاجتماعيّة:

يلفتنا في هذه الآيات منهجٌ أساس للحياة الاجتماعيّة في الإسلام. ويؤسس لنظرية تـُقابل النظريّات البشريّة التي يرى أغلبها أنّه لا فرق بين الحياة الاجتماعيّة للإنسان والحيوان، فالقانون في كليهما هو أنّ البقاء للأقوى، ومنهجها أنّ القويّ يأكل الضعيف. بينما يبني الإسلام الحياة الاجتماعيّة قدر الامكان على التعاون والصلح والصفاء والمودّة، وليس على الاقتتال بل ولا حتّى على الجهاد في سبيل الله الذي هو من أفضل الطاعات، فالقاعدة الكلّية التي تقوم عليها الحياة الاجتماعيّة في الاسلام يحكيها قوله تعالى ﴿وَالصُّلْحُ خَيْرٌ﴾ [النساء: 128] هذه القاعدة وإن كانت ضمن آية في مورد الخلافات الأسريّة لكنها جاءت كقاعدة كليّة تقضي بأنّ الصلح هو الأصل، وهو الخير.

كما يدعو الإسلام إلى التعاون على البرّ والتقوى، ونجده في مقابل نظريّة البقاء للأقوى ينص على حرمة التنازع ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46] بل حتّى إذا اضطرّ المسلمون لدخول حرب فيجب أن تكون في سبيل الله ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 190] فلا قيمة لأيّ عمل جهادي إذا كان لصرف التوسع والسيطرة، وإنّما يكون للجهاد قيمة إذا كان لإزالة الموانع عن سبيل الله والتوحيد ولنشر العلم ورفع الجهل – هذا إذا لزم الأمر-  أما القاعدة الأساس فهي ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] فالدين لا يحدث بالإكراه، ولا يمكن للقناعات أن تصل للقلوب والعقول عبر إراقة الدماء، ولا يمكن أن يتمسّك أحد بعقيدة أكره عليها.

لذا فالسبيل الأوّل لنشر التوحيد هو التعليم ولعل الرواية التي تقول “مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء” تشير إلى هذا المعنى، فالأفضليّة هنا لا تعني كثرة الثواب فقط بل تشير إلى أنّه إذا استطعتم نشر الدين وهداية الناس بالتعليم والإرشاد فهو الأصل وهو أفضل من اللجوء للغة أخرى وهي لغة القتال والجهاد، لأنّ مداد العلماء –أي نشر العلم والتعليم– هي ما يحفظ الدين في الواقع ، ومادامت قناعة الآخر بالفرض والإجبار فهي قناعة لا تدوم ولا يؤمَن انقلاب صاحبها.

والإسلام إنّما فرض الجهاد والقتال من أجل دفع المتهوّرين ممن يريدون الاصطدام مع الحقيقة ومن يريدون تسخير ما لديهم من قوّة وسلاح وإمكانيات لضرب الحقّ، و يهدّدون بها الحياة الإنسانيّة ويصدّون عن سبيل المعرفة. إنّ جهاد هؤلاء ودفعهم يعني علاج هذا التهوّر وإيقافه، وهذا لمصلحتهم بالدرجة الأولى وإصلاحا للمجتمع الإسلاميّ بالدرجة الثانية. فليس الغرض الاوّلي من الجهاد هو القضاء على المتهوّر والإرهابيّ نفسه، وإنّما القصد إيقاف تهوّره و إسقاط سلاحه النفسيّ، ومعالجة مرضه الروحيّ وهذا لا يحدث إلا بإرهابه. لذا قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ ﴾ [الأنفال: 60] فالآية تدعو لإعداد السلاح لإخافة وإرهاب هؤلاء المتهوّرين فليس من الحكمة إطلاق العنان لمن يستحلّ حقوق الناس ودماءهم وأعراضهم ويسحق كرامتهم، لأنّ تركه يعني أنّه سيتحوّل إلى صادّ عن العدل والكرامة التي تضمن الحياة الإنسانيّة، وبقاء هؤلاء الصادّين عن الحقّ ينشر الضيم والظلم الذي يشكّل الأرضيّة لتفشّي الشرك والكفر والتشكيك.

هذا النوع من مواجهة الحقّ لا بدّ أن يواجَه من قبل المؤمنين بالنزول إلى ساحة الجهاد والقتال، لأنّ الدين لا بدّ أن يكون قويّا حازما في مواجهة الظلم والفساد، لكي يكون مؤثّرا ومحرّكا في حياة الناس، ولا بدّ لمن حمل الدين أن لا يتساهل في دفع المضلّلين، ولهذا قال عليّ عليه السلام “لا يدفع الضيم الذليل” أي من يقبل بالذلّ فإنّه يهيّء المناخ المليء بالظلم والضيم لنموّ طفيليّات الجهل والانحراف. 

(الجهاد) هذا الخيار الضروريّ الذي يفرضه الإسلام في مواجهة الظلم والانحراف رغم أهمّيّته في حفظ الدين والمجتمع الإسلاميّ ورفع الضيم وتطهير النفوس من الجهل، ورغم طابعه الذي يقوم على الحرب والمواجهة، إلا أنّ الإسلام يحيط هذا العمل المقدّس بمجموعة من الأخلاقيّات، لأنّ روح الإسلام التي هي روح الطهر والعدالة لا بدّ أن تشاع .

ومن تلك الأخلاقيّات ما يحكيه قوله تعالى ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 194] أي أنّه إذا فرضت حرب على دين التوحيد والحقّ والعدل فيجب أن تراعى فيها (التقوى)، فإذا اختلفت مع أحد وكان ظالما لك فيجب أن تراعي التقوى. والتقوى تعني أن لا تتجاوزوا الحدّ في تصفية الحسابات، فمن اعتدى عليكم بكلمة فجوابه كلمة، ومن اعتدى بأخذ مال فجزاءه كذلك، وهكذا تدخل التقوى إلى هذا الجوّ المحموم بمشاعر العداوة والانتقام كعنصر روحيّ يضمن إعادة المشاعر والإحساس المتصاعد بين الطرفين للاعتدال ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ [المائدة: 8] كانت هذه مفردة واحدة من مفردات أخلاقيّات وأحكام وقوانين الخلافات في الإسلام.

وإيغالاً من الإسلام في سَوق الإنسانيّة للصلح والصفاء والسلم فرض أربعة أشهر حرم، وأعلن حرمة القتال فيها ولو لأسمى الأهداف، هذه الحرمة ليست في شريعة معيّنة أو ديانة خاصّة، بل هي في كلّ الأديان السماويّة من لدن إبراهيم عليه السلام. لاحظوا الآية ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ﴾ إنّها تقول أنّ حرمة هذه الشهور هي من عند الله وليست من وضع البشر وهي مثل قوله تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] أي كما أنّه من الثوابت التي دعا الإسلام إليها كّل الأنبياء هي التوحيد و النبوّة و المعاد وإنما تتغير الشريعة ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: 48] فكذلك هذه الأشهر، هي كالدين والمعتقدات الأوّليّة لا يمكن أن تتغيّر فهي فطرة الله، حرمة هذه الاشهر باقية ثابتة لأنّها من عند الله، وما عند الله باق كما يقول أستاذنا الأمليّ.

ولكن ما سرّ هذه الأشهر الأربعة؟

هذا يدفعنا لطرح التفسير التأويليّ والوجه الباطن للآية، والذي وعدنا به في بداية الحديث.. 

وهذا التأويل يحلّ هذا السؤال، فنحن نعرف أنّ الزمان متشابه ومتماثل لا فرق بين قِطَعِه، وبتعبير الفلاسفة “ما تفرّق في الزمان اجتمع في وعاء الدهر“ فالزمان متفرّق بالقياس للمتزمّن ولكن وهو مجتمع لا تفاوت بين أجزائه. لذا حينما تقول الآيات في الحديث عن هذه الأشهر ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ نعلم أن هناك تميّزا لهذه الأشهر في أصل الخلقة، ولها حرمة وقدسيّة واقعية، وليست هذه الأحكام والتعاليم والقوانين إلا طريقا لحفظ هذه المكانة، والدعوة لعدم ظلم النفس فيها ﴿فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ تأكيد على ضرورة احترامها وتعظيمها.

الحرمة الواقعيّة لهذه الأشهر والمعنى الباطن لهذه الآية نجده في الروايات التي ذكرناها في أوّل الحديث، هذه الروايات -ضمن تطبيق هذه الآية على نحو التأويل- تشير بقرائن داخليّة وخارجيّة من نفس الرواية على علاقة هذه الأشهر بالأئمّة عليهم السلام واختصاص الأربعة الحرم بأربعة معصومين.

عودة للرواية .. 

عن محمّد بن سنان، عن فضيل الرسان، عن أبي حمزة الثماليّ، قال: كنت عند أبي جعفر محمّد بن علي الباقر (عليهما السلام) ذات يوم، فلمّا تفرّق من كان عنده، قال لي: “يا أبا حمزة، من المحتوم الذي لا تبديل له عند الله، قيام قائمنا…. ثم قال “يا أبا حمزة، من أدركه فلم يسلم له فما سلم لمحمّد وعلي (عليهما السلام) و قد حرّم الله عليه الجنّة، و مأواه النار وبئس مثوى الظالمين، و أوضح من هذا- بحمد الله- وأنور وأبين وأزهر لمن هداه الله وأحسن إليه قول الله عزّ و جلّ في محكم كتابه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ ومعرفة الشهور-المحرم وصفر و ربيع وما بعده، والحرم منها، هي: رجب، وذو القعدة، وذو الحجّة، والمحرم- لا تكون دينا قيّما، لأنّ اليهود والنصارى والمجوس وسائر الملل والناس جميعا من الموافقين والمخالفين يعرفون هذه الشهور، ويعدّونها بأسمائها، وإنّما هم الأئمّة القوّامون بدين الله (عليهم السلام)، والحرم منها: أمير المؤمنين عليّ (عليه السلام) الذي اشتق الله تعالى له اسما من اسمه العليّ… [راجع بقيّة الرواية في بداية الدرس].

لاحظوا أنّ الامام بقرينة ذيل الآية وهي قوله: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾ يقول أنّ صرف معرفة أسماء الشهور ليست ديناً قيّماً، لأنّ اليهود والنصارى وغيرهم ممن نعتقد بفساد عقائدهم يسمّون هذه الأشهر بأسمائها أيضاً، إذن فهذه الشهور لها وجودات أخرى، هي التي تجعل الدين قيّماً ولهذه الأسماء علل وأصول.

ولو تساءلنا: ما الذي يقوّم الدين ويجعل له آثاره المتوقّعة منه، ويكون الدين عامل سعادة وصلح وصفاء وطهر وانسجام وتعاون ومحبّة؟ 

تجيب الرواية: “إنّما هم الأئمّة القوّامون بدين الله” فهذا الدين لا يكون قيّماً إلا بوجود المقوّم (أي الإمام) ولكي يكون الدين قيّما مؤثّرا فلا بدّ أن يكون له في كلّ سنة أربع مراحل للصلح والصفاء والسلم، وقد ذكرنا سابقاً أنّه لا بدّ أن يكون هناك فراغ لا يحدث فيه أي تصادم وقتال مهما كان هذا القتال مقدّسا، وذلك للتفرّغ للعبادة التي تؤدّي إلى الصلاح، وتكامل الناس نحو الصلاح يهيّئهم ليرثوا الأرض ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾[الأنبياء: 105] ليكون من شأن الأرض بعد امتلائها بالصالحين أن تصل في نهاية المطاف إلى أبي صالح المهديّ عجّل الله فرجه.

ما علاقة هذه الأشهر الأربعة بالأئمّة الأربعة؟ وما هي خصوصيّتهم؟

لنجيب على هذا السؤال لا بدّ من معرفة المراحل التي مرّ بها التشيّع، فقد مرّ التشيّع بمحطّات أربع كانت أساسيّة في بقاء التشيّع وتثبيته وهي:

  1. ولاية أمير المؤمنين عليه السلام، حيث انقسم المسلمون إلى فريقين مع الولاية وضدّها. 
  2. شهادة الإمام الحسين عليه السلام، حيث خرجت فئة من الشيعة عن الجادة فقالوا بإمامة محمّد بن الحنفيّة وانحرفوا عن إمامة الإمام عليّ زين العابدين عليه السلام وهم من عرفوا بالفرقة الكيسانيّة. 
  3. بعد شهادة الإمام الكاظم عليه السلام حيث أنّ فرقة من الشيعة لم تقل بإمامة عليّ الرضا عليه السلام وهم من عرفوا بالواقفيّة. 
  4. في ولاية الإمام عليّ الهادي عليه السلام إذ حدثت فتنة عظيمة وانشقاق كبير، لم يسلم فيها من الشيعة إلا من تمسّك بولاية الإمام الهادي ليكمل السلسلة إلى الإمام المهديّ عجّل الله فرجه.

في هذه المحطّات الأربع المصيريّة في تاريخ التشيّع نجد في كلّ مرحلة (عليّا) يكون التمسّك به هو الضامن للسلامة والهداية، فالقائل بإمامة هؤلاء الأربعة (علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين، وعلي الرضا، وعلي الهادي) هو في الواقع من اعتصم بالعروة الوثقى، وصح ّمذهبه واعتقاده.

وهذه الخصوصيّة لهؤلاء الأربعة المعصومين لا تعطيهم مطلق الأفضليّة على بقيّة الأئمّة لكنّها فضيلة تميّزهم عليهم السلام، وهذا التخصيص نوع من تدبير الله وتربيته لعباده. 

إذن اتّضح من خلال هذا التأويل ارتباط (العليّون الأربعة) بالأشهر الأربعة الحرم، وفهمنا معنى أن من قال بإمامتهم وأقرّ بهم فقد اهتدى للدين القيّم. 

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

تاريخ كربلاء قراءة عمودية 5 (1)

هي عقيلة بني هاشم بنت أمير المؤمنين ﴿؏﴾ التي تجلّت في كربلاء عبر سلسلة من الأحداث التّاريخية الصعبة والشّاقة والقاسية؟! سيّما باعتبارها امرأة، لكنها مع كل تلك المعطيات أصابت كبد الحقيقة، وأدركت الهدف على أكمل وجه وأتمّ صورة.

بنيان مرصوص ٢ 5 (1)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾