﷽
المسؤولية العظمى الملقاة على عاتق الإمام زين العابدين ﴿؏﴾
يمكن القول إن ما جرى في وادي كربلاء وفي صبيحة يوم عاشوراء بالتحديد هو ظهور لفساد كان كامنًا مخفيًا في باطن الإنسان؛ على اختلاف أنواعه وتنوع أنماطه وتبدل عناوينه؛ إذ لم يبقى موبقة أو إثم أو جريمة أو ظلم أو شرك أو جحود إلا وقد برز واصبح ظاهرًا جليًّا للعيان.
يقول ﷻ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ الروم: ٤١.
فبمجرد ما هوى الإمام الحسين ﴿؏﴾ مضرجًا بدمائه الطاهرة على أرض الطفوف؛ في ذات تلك اللحظة وقع التكليف وثقل الإمامة وحمل مسؤولية الولاية العظمى على كتف الإمام زين العابدين ﴿؏﴾، وقد تجلى ظهور مقام الإمامة في نفسه(١)، وبات مسؤولًا عن تغيير هوية النّاس -كما يعبر عن ذلك الشهيد المطهري-، فالإمام ﴿؏﴾ كما هو يرى هذا الظهور للفساد وتفشيه في البر والبحر، وفي عرض هذا الكون وطوله، وبكلتا عينيه، وبعمق توحيده؛ فهو مدرك في ذات الوقت لدوره ومسؤوليته العظمى في قيادة الأمة، والسير بها نحو درب الهداية والتوحيد الخالص، وما أصعبه من دور؟!
إذ ولا شك فيه فإن المسؤولية في ذلك الظرف الحالك الذي كان يحيط بالإمام زين العابدين ﴿؏﴾ كانت أشدّ وأصعب، بحيث يتسنى للإمام ﴿؏﴾ العمل على تغيير وحوش الفلوات وعسلانها؟! وإعادة بناء الإنسان، والعمل على تطبيب تلك القلوب التي فقدت الإحساس بإنسانيتها؟! والضمائر التي باتت غير مدركة لقبح ما اقترفت! الأمة التي فقدت كامل أشكال الإرادة! فبلغ بها الحال ما بلغته من تسافل جعلها تقتل ابن بنت نبيها ﷺ وآله، أو ترى ذلك فترضى به.
الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ وترميم كيان الذات الإنسانية المحطم
لقد انبرى الإمام ﴿؏﴾ للعمل على إعادة بناء ذلك الكيان المحطم في ذات الإنسان، والأمة، والبشرية أجمع وعلى مرّ العصور، كان يرى ﴿؏﴾ وبعمق نظرته التوحيدية، ومعرفته ببواطن الأمور، وروابط الأحداث وحقائقها وعواقبها، بأن أصل كل ذاك الفساد عائد إلى نقطة أساسية وجوهرية ومركزية، وهي انمحاء العلاقة الأخلاقية مع الله ﷻ.
من هنا نجد أن أدعية الصحيفة السجادية جاءت لمعالجة كل تلك العلاقات الأخلاقية بمختلف مناحيها، والتي قد فسدت -أو تفسُد-؛ سواء تلك العلاقات التي يجب أن تحكم وتؤطر علاقة الإنسان بربه كدعائه في طلب التوبة؛ حيث نجد مضامين تلك الأدعية الأخلاقية الراقية والعميقة تترقى لتبلغ ذروتها – في محورية صلاح تلك الأخلاق بنحو العلاقة التي تحكمها بالله ﷻ.
وعلى غرار ذلك أدعيته ﴿؏﴾ في طلب المغفرة وإظهار التقصير والتضرع والاشتياق والتذلل والتحميد والاعتراف والاستقامة؛ كما في دعائه في يوم عرفة حيث يقول: “أَنَا الْمُسِيءُ الْمُعْتَرِفُ الْخَاطِئُ الْعَاثِرُ، أَنَا الَّذِي أَقْدَمَ عَلَيْكَ مُجْتَرِئاً، أَنَا الَّذِي عَصَاكَ مُتَعَمِّداً، أَنَا الَّذِي اسْتَخْفَى مِنْ عِبَادِكَ وَبَارَزَكَ، أَنَا الَّذِي هَابَ عِبَادَكَ وَأَمِنَكَ أَنَا الَّذِي لَمْ يَرْهَبْ سَطْوَتَكَ، وَلَمْ يَخَفْ بَأْسَكَ”.
أو الأدعية التي تشكل نحو علاقته بنفسه، كما في دعاء مكارم الأخلاق، أو التي تحكم علاقته مع أقرانه، كدعاءه ﴿؏﴾ لوالديه، أو دعاءه لجيرانه، ودعاءه لأهل الثغور، بل وشمل دعاءه ﴿؏﴾ على الشيطان؛ كونه أول عنصر فسد في هذا الكون.
بل تجاوزت تلك المعالجات لتشمل إصلاح علاقته بالطبيعة أيضًا؛ ومن هنا يمكن أن ندرك مضامين الأدعية المختلفة، كدعاؤه عند رؤية الهلال وأدعيته في الليل وفي النهار، وفي أيام وليالي شهر رمضان المبارك، وفي يوم الفطر أو يوم عرفة أو في عيد الأضحى، بل وعند سماع صوت البرق وسقوط المطر، بل وكل ما على وجه الأرض؛ كونهم عناصر ومفردات تشكلت من الطبيعة؛ حيث يتعين أن تكون الأخلاق الرفيعة هي الحاكمة في علاقة الإنسان مع كل ما حوله.
الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ والعلاج الجذري لظواهر الفساد
حيث ينطلق ﴿؏﴾ في بنائه الإصلاحي من أعظم نقطة ينطلق منها الإنسان ليصحح بذلك سلوكه وظاهره وباطنه، بل وكل فساد ظهر على وجه الأرض ليعالجه علاجًا جذريًا منطلقًا من المركز الأساسي والواقعي؛ وهو الباطن الذي ظهر به ذاك الفساد.
وعلى ذلك نجد أن الإمام ﴿؏﴾ قد جاء على تكرار بعض من تلك المعاني بمناحي وأشكال مختلفة وعديدة، في سبيل تحقيق تلك المعالجة الأخلاقية والسلوكية، وتعميق أثرها في النفس، ومن أجل الحصول على تطبيب جذري لتلك الأمراض الفاسدة التي اعترت الأمة، وتعتريها في كل زمان ومكان.
فمما لا شك فيه إن كل تلك المفاسد تحتاج إلى إصلاح، لكنها في حقيقتها ظواهر طفت على السطح -كما وعبرت الآيات الشريفة- ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ﴾، هي كاشفة في بواطنها عن فساد العلاقة الأخلاقية مع الله ﷻ، فلربما يكون العبد مما يؤدي الصلاة، ويأتي بباقي العبادات، وقد يكون لديه عقيدة سليمة؛ لكنه في بُعده الأخلاقي مع الله ﷻ فاسد.
لقد غدت تلك الأدعية في واقع الحال-إن صحّ التعبير في نحو تشبيه المعقول بالمحسوس- كالصيدلية الروحية المتنقلة في متناول كل إنسان وفي أيّ مكان وزمان؛ ليعيد من خلالها بناء ما فسد من نفسه وأخلاقه، وروابطه وعلاقاته، وعلى رأس كل ذلك علاقته وخلقه وتأدبه في محضر الحق ﷻ.
إن هذه الأدعية السجادية تعدّ تجلٍ لإمامة الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ في قدرتها على كسح ذلك الفساد الذي ظهر في البر والبحر، واقتلاعه من جذوره.
الإمام زين العابدين (ع) طبيب دوار بطبه
وبهذا يحق لنا أن نفخر ونقول إن الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ من أكمل المصاديق الذين وصفهم رسول الله ﷺ وآله بصفات الرسل والأنبياء طبيب دوار بطبه(٢).
إن هذا الدور العظيم الذي قام به الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ لهو في واقعه قراءة ربّانية إلهية توحيدية إيمانية معرفية عرفانيه لأصل المشكلة ومكنونها، ومعالجة جذرية لمسبباتها؛ بحيث لا نجد أمرًا لا بدّ أن يكون للإنسان فيه نظرة ورؤية وموقف، ويحتاج إليه حاجة واقعية وحقيقية، إلا ونجده موجودًا في هذه الصحيفة السجادية.
ويمكن القول: إن هذا الأسر والظلم الجور وتقييد الأيدي والأرجل والسبي وتلك الأفاعيل بعترة رسول الله ﷺ وآله وأمانته، والتعدي على بنات النبوة والرسالة بالضرب والسبي والإهانة؛ كلها ما كانت لتمنع الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ من معالجة تلك الأمة وتطبيبها؛ وما كانت لتحول دون أن يحددّ للنّاس منشأ المرض، وتبيان طرق علاجه؛ حيث لم يكتفِ الإمام ﴿؏﴾ بالسعي لتبديل السلطة الظالمة الغاشمة فحسب، بل قام بتوعية النّاس على قبح الفساد الذي عمّ الأمة سواء في الجانب السياسي الاجتماعي الاقتصادي والأخلاقي.
إن هذا السبي وهذه الحركة وهذا التنقل والأسر هو ما ساهم في واقعه في إحداث تلك الصحوة والتوبة والعودة والأوبة والرجوع لله ﷻ عند المسلمين، ونبذ بني أمية وترك إنحاء الشرك بالله ﷻ.
فسلام على الإمام زين العابدين ﴿؏﴾ يوم ولد، ويوم جرح، ويوم تمرض بجراحاته، ويوم رأى ما رأى في كربلاء، ويوم أُسر، ويوم جاهد، ويوم يبعث حيا.
والحمد لله رب العالمين.
- فكما جاء في الخبر أن الإمام ﴿؏﴾ يعرف أنه أصبح إمامًا بوقار يحدث في نفسه ومسؤولية يجدها في أعماقه.
-
شرح نهج البلاغة – أبن ابي الحديد ج ٧ الصفحة ١٨٣