﷽
توطئة
السلام عليك يا رسول الله، السلام على أمير المؤمنين وعلى الصدّيقة الطاهرة وعلى الحسن بن علي ﴿؏﴾، “السَّلامُ عَلَيكَ يا أبا عَبدِ اللهِ وَعَلى الأرواحِ الَّتي حَلَّت بِفِنائِكَ، عَلَيكَ مِنّي سَلامُ اللهِ أبَداً ما بَقِيتُ وَبَقِيَ اللَيلُ وَالنَّهارُ وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ العَهدِ مِنّي لِزيارَتِكُم. السَّلامُ عَلى الحُسَينِ وَعَلى عَلِيِّ بنِ الحُسَينِ وَعَلى أولادِ الحُسَينِ وَعَلى أصحابِ الحُسَينِ”.
أعظَمَ اللهُ اُجورَنا بِمُصابِنا بِالحُسَينِ ﴿؏﴾ وَجَعَلَنا وَإياكُم مِن الطَّالِبينَ بِثأرِهِ مَعَ وَليِّهِ الإمام المَهديّ مِن آلِ مُحَمَّدٍ (عليهم السلام).
السلام على الحسين مع كل فرحة وعيد، السلام على الحسين في يوم الفطر، والسلام على الحسين في يوم عرفة وفي عيد الأضحى، والسلام على الحسين في كل صباح ومساء، وفي كل آن(١)، ولكن السلام على الحسين ﴿؏﴾ في هذه العشرة الدامية يأتي بنحو مختلف، فهو سلام تذوب له القلوب، وتهمل له الدموع، وينفطر له القلب، سلام له حرارة في قلوب المؤمنين لا يبردها شيء أبدًا؛ فقد جاء في الخبر أن النبي ﷺ وآله نظر إلى الحسين بن علي ﴿؏﴾ وهو مقبل، فأجلسه في حجره وقال: “إن لقتل الحسين حرارة في قلوب المؤمنين لا تبرد أبدًا”، ثم قال: بأبي قتيل كل عبرة، قيل: وما قتيل كل عبرة يا رسول الله؟ قال: لا يذكره مؤمن إلا بكى”(٢)، وكأن هناك اقتران واتحاد وسنخية بين الإيمان والبكاء على الإمام الحسين ﴿؏﴾، إذ لا شك أن البكاء على الإمام الحسين ﴿؏﴾ وعلى ما جرى عليه وعلى آل بيته وأصحابه لهو من الأدب الرفيع بمكانه العالي؛ بل هو في أعلى مراتب الأدب والتأدب في محضر رسول الله ﷺ وآله والصدّيقة الطاهرة والأئمة الأطهار ﴿؏﴾ والتفاعل والانفعال مع مصائبهم ﴿؏﴾، وهذا الأدب يعدّ من فعاليات القلب الذي هو أقدس ما يميز الإنسان: فإذا ما وعى القلب كربلاء، واحترق بحرارتها؛ صار محلًا لنزول العطايا والفيوضات الإلهية
الأدب مفهوم إسلامي موسع
وقبل البدء فإننا بحاجة أولًا لبيان معنى الأدب في اللغة، ومن ثم نقف على معنى الأدب في ثقافتنا ومورثنا الديني، فالأدب في اللغة هو الدعوة إلى المأدبة(٣)، حيث كان العرب يطلقون مصطلح الأدب على المائدة وعلى ما يؤكل فحسب، فلم يكن يستخدم في الجاهلية وقبل الإسلام هذا المصطلح لشيء غير ذاك، فلا الدعوة إلى الأخلاق والقيم والقضايا العليا كان لديهم يسمى أدبًا، ولا فنّ الشعر والنثر كان يطلق عليهما قبل الإسلام أدبًا.
وعندما جاء الإسلام وسعّ في تطبيق هذا المصطلح -الأدب- كي يشتمل على السلوكيات الحسنة والمحببة؛ حيث جاء الإسلام مستخدمًا ذلك اللفظ العربي، بعدما وضعه ضمن مفاهيم وأطر تتناسب وأهداف الدين الحنيف وأهداف شريعة النبي الخاتم ﷺ وآله، لذا لم يقتصر استخدام كلمة الأدب على الدعوة للأكل بل تعداه للدعوة إلى مكارم الأخلاق، والدعوة إلى القيم والمبادئ والمواقف و الدعوة إلى السلوكيات الحسنة والرفيعة.
ولربما أول من استخدم مصطلح الأدب في غير محله -على النحو المتعارف عند العرب- هو رسول الله ﷺ وآله حينما قال: “أدبني ربي فأحسن تأديبي”(٤)، ويعدّ هذا الاستعمال توسعًا في المفهوم وتعديًا في التطبيق من الدعوة لما يؤكل، إلى الدعوة للعمل بالأفعال والسلوكيات الحسنة والمندوبة.
فأصبح الأدب بمفهومه الموسع -والذي لم يكن يعرفه العرب قبل البعثة النبوية الشريفة- مصطلح إسلامي صرف، وغدا معناه في مورثنا الديني هو إظهار لأسرار تلك العبادات بظرافة وفن وشاعرية(٥)، كنحو من الدعوة إلى أسرار تلك العبادات والمعاملات بغية وقصد جذب الآخرين نحو تلك الآداب والسلوكيات الحسنة.
وعلى ذلك نجد أن علماء الفلسفة والأخلاق يفرقون بين الأخلاق والأدب؛ فالأخلاق(٦) كما يقولون إنما تعبرّ عن شاكلة الإنسان من خلال ممارساته وسلوكه؛ حيث تبدأ بنحو العوارض على الذات، ثم تتطور -وتتكون بنحو تدريجي-حتى تغدو ملكات عند الإنسان، وبعد ذلك يأتي الإنسان بأفعال طبقًا لتلك الملكات بلا معاناة.
ولكن الآداب ليست كذلك، بل هي المظاهر التي تجذب الإنسان نحو ذاك القانون، والإلتزام بتلك الأخلاق، وذلك كون الإنسان بالأصل يفرّ من القانون ومن الالتزامات، ولذلك فقد جعل ديننا الحنيف -بحكمته- لكل التزام ولكل ضابطة ولكل قانون أدبًا يدعو إلى ذلك القانون كالجاذب إليه(٧).
آثار الآتيان بالآداب
الصلاة -على سبيل المثال- هي التزام بين العبد وربه، يجب على المكلف أن يأتي بها على كل حال، لكن التعطر والتطيب للصلاة، واختيار الملبس الحسن، والمكان الجيد والمناسب من حيث الفضاء والمناخ والذي قد يجعل النفس مقبلة منجذبة نحو أداء التكليف يعدّ من الآداب المعنوية للصلاة؛ وهذا هو الحال مع بقية الفرائض كالصوم أو الحج أو الزكاة والصدقة حيث لكل منهم آداب، وكذلك بقية أعمال البرّ كبرّ الوالدين له آداب، بل كذلك فإن للطعام والمشرب والمسكن لكل له آداب، بل قد لا يخلو سلوك في شريعتنا الغراء من سنن وآداب، يقول أمير المؤمنين ﴿؏﴾: “والآداب حلل مجددة”(٨).
وربما إذا ما ترك الإنسان الإتيان بتلك الآداب؛ فقد يجعله هذا ينسى ذات القانون وأصل قيمة العمل، مما يفقد العمل قيمته وأثره؛ كما لو أن شخصًا أراد أن يهدي شخصًا هدية ولم يقدمها بالنحو المناسب، فقد ترد عليه(٩)، كذلك الحال مع العبادات فإذا ما جاء بها الإنسان وهو غير ملتزم بآدابها ربما ترد عليه هذه العبادة(١٠)، فالدعاء والتعقيب من آداب الصلاة، وعدم الالتزام بهذه الآداب سيؤدي -ولو بنحو تدريجي- إلى شحوب هوية الصلاة، وبالتالي إلى شحوب الهوية التي تمثلها هذه الصلاة مما قد يؤدي إلى تضعيف الإيمان في أعماق نفس المصلي؛ إذ أن الفصل بين المعتقدات والسلوكيات يؤدي إلى القضاء على تلك المعتقدات رويدًا رويدًا، وربما محوها واستلالها من جذورها.
ولذا يخطأ بعض الناس حينما يتصورون مدعين أن الإيمان محله القلب فحسب، دون أن ينعكس ذلك الإيمان بسلوك يجللّ الجوارح ويكسوها من حلله، كمن نراه يدعي أن نواياه الحسنة محلها قلبه، كما يجري على لسان بعض النسوة اللاتي لا يلتزمن بفريضة الحجاب الشرعي بدعوى أن حجابهن محله القلب، لكنهن حين لا يسلكن هذا النمط والسلوك الإيمانيّ بالنحو الذي فرضه الله ﷻ، سيؤدي ذلك إلى استلال وزوال تلك المبادئ والقيم الإيمانية من جوف القلب بنحو تدريجي.
كذلك عندما يتوجه البعض بالحديث بنحو ينافي الأدب عن العلماء والمرجعية، فإن هذا السلوك من عدم التأدب هذا مع هؤلاء العظماء الأجلاء يعدّ كاشفًا عن عدم الاعتقاد بضرورة التحلي بتلك الآداب التي أوصانا بها ووجهنا نحوها ديننا الحنيف.
الأدب العاشورائي بنحو خاص
قد يكون ومما لا شك فيه إن لهذا الموسم المبارك -شهريّ محرم وصفر- آداب وسلوكيات خاصة(١١)، منها ما يعدّ أدبًا فرديًا، ومنها ما يعدّ أدبًا اجتماعيًا -والتي سنقف عليها وسنسعى لتبيانها، كما أنها هامة ولازمة بكلى جانبيها على المؤمنين مراعاتها لحفظ هذا الموسم الاستثنائي، واستنزال فيوضات هذه الأيام العظيمة.
ومن هذه الآداب العاشورائية المناطة بالفرد -كما هو معلوم- ما هو ظاهري مادي أو باطني عقلي أو قلبي؛ كلبس السواد، وحضور المجالس الحسينية بسكينة ووقار، وإظهار حالة الحزن(١٢)، والبكاء أو التباكي(١٣) عند سماع مصيبة الحسين ﴿؏﴾، وغيرها من الآداب والوصايا الفردية التي حثت عليها الروايات الشريفة، وجاء على ذكرها العلماء الأعلام.
هناك أيضًا أدب اجتماعي رفيع وهو هام للغاية، وهو اجتماع المؤمنين لأجل ذكر وإحياء كربلاء وهذه الشعيرة الربانيّة، فإن ذات هذا الاجتماع وهذا الحضور يعدّ تسجيل موقف اجتماعي يختلف بحيثياته عن السلوك أو الموقف الفردي.
وقد جاء في الروايات حثّ المؤمنين على الاجتماع مع إخوانهم من أجل إحياء هذه المجالس واستذكار مصيبة الحسين ﴿؏﴾(١٤)، وأن يَبكوا ويُبكوا(١٥)، لتغدو بذلك مجتماعتنا مجتمعات حسينية يحبها الله ورسوله ﷺ وآله.
وعلى ذلك نقول: أنه لو لا هذا الاهتمام الاستثنائي بهذا الموسم العاشورائي، ولو لا هذه العناية الخاصة والفريدة التي أوليت له على النحو الفردي والاجتماعي؛ لما باتت هذه المراسم العاشورائية محط أنظار الأمم القاصي منها والداني؛ وتحولت إلى مركزية ومحورية في فكرنا الشيعي الإمامي لا تقلّ عن أيّ منسك من المناسك أو شعيرة من الشعائر، بل وقد تزيد؛ وغدت وسام يحدد هوية الفرد الشيعي وصبغة تصطبغ المجتمعات الشيعية عمومًا.
الآداب الاجتماعية وتحقيق أهداف كربلاء
إن الآداب الاجتماعية -كما هو شأن الآداب الفردية- مهمة وأساسية للغاية، وتتناسب وطبيعة ومحورية القضية كقضية كربلاء وثورة الإمام الحسين ﴿؏﴾.
فإذا ما جذرنا المواقف في كربلاء -على كلا جبهتيه- سنجد هناك المواقف الفردية والتي قد لا تقدم الكثير للأمّة بما هي أمّة(١٦)، والموقف الذي تصنعه الأمّة بما هي أمّة.
ففي جانب الأمة التي اجتمعت على الباطل، وسلّت سيف البغيّ لقتل ابن بنت نبيها ﷺ وآله، وتعدّت على حرم رسول الله ﷺ وآله وخذلته، في مقابل الأمّة الأخرى والتي اجتمعت على الحق والتقوى وإعلاء كلمة الله ﷻ، أمّة ذابت حبًا وعشقًا وولاءً في الحسين ﴿؏﴾ ونصرته وبذلت مهجتها فيه.
ولذا نقرأ في الزيارة: “فَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً قَتَلَتكَ وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً ظَلَمَتكَ وَلَعَنَ اللهُ اُمَّةً سَمِعَت بِذلِكَ فَرِضِيَت بِهِ”(١٧).
وقد يكون من أحد أهمّ أسباب تكرار إحياء مصيبة الإمام الحسين ﴿؏﴾ في كل زمان ومكان، وفي كل عصر ومصر، هو تكرر وجود أمثال قتلة الحسين ﴿؏﴾ -يزيد عليه لعائن الله وأعوانه الظلمة-، وتكرر من يناهض المشروع الحسيني الإلهي وأهدافه الربانيّة، ويناهض القضية الحسينية ويعاديها ويحاربها، ويعلن مسفرًا شاهرًا ظاهرًا مواجهتها.
وما دامت تلك المناهضة والمعاداة متحققة في كل زمان ومكان يتعين أن يوجد في مقابل ذلك من يحيي أهداف الحسين ﴿؏﴾، ويتصدى لتلك المعاداة دائمًا وأبدًا، وهذا لا يمكن أن يتحقق بشخص واحد يتخذ هذا موقفًا مهما بسل، ويحيي تلك الأهداف الربانيّة التي نادى بها الإمام الحسين ﴿؏﴾، بل ينبغي على الأمة مجتمعة أن تتصدى للمواجهة ولإحياء أهداف حركة الإمام الحسين ﴿؏﴾، وهذا مما أكدّ عليه الأئمة الأطهار ﴿؏﴾ (أتجتمعون وتحييون أمرنا)
فلو جلس -كمثال- أحد ما بمفرده ولبس الأسود بمفرده، واستمع لمصاب الحسين ﴿؏﴾ بمفرده وبكي بمفرده، دون أن يخرج لمواجهة أحد فحتمًا لن تصل رسالته حتى لجاره، ولن يخيف موقفه هذا أحد كان من كان؛ ولن يغدو لعمله هذا أدنى تأثير على الساحة الاجتماعية بتاتًا، وحتمًا لن يعدّ سلوكه الفردي هذا إحياء لقضية الإمام الحسين ﴿؏﴾ وأهدافها السامية.
مقابل هذا نجد أن ذات السلوك والحركة الاجتماعية هي التي تشكل موقفًا وتظهر دورًا في التصدي لأولئك المناهضين لأهداف النهضة الحسينية.
وبهذا الفهم نستطيع أن ندرك مضامين الآيات الشريفة التي تتحدث عن الولاية كما في قوله ﷻ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ المائدة: ٥٤، يأتي الأمر بها وهو يستحثّ ويستنهض الموقف الاجتماعي للأمة بالثبات والبقاء والتمسك بالشريعة الغراء، فمن يرتدد ويحيد عن الطريق؛ فلن يأتِ الله بإنسان -فحسب- يحبه الله ﷻ؛ بل سيأتي الله ﴿بِقَوْمٍ﴾؛ فالأمر هو أمر الأمة وموقفها دورها الذي سيحفظها في كل تجلياتها؛ كون الأمة هي القادرة على حفظ شأنية الولاية؛ وكما جاء عن الصدّيقة الطاهرة ﴿؏﴾: “وإِمَامَتُنَا أَمَانًا مِنْ الفُرْقَةِ”(١٨).
كربلاء انتزاع الفرد من محورية الذات وإغراق في اجتماع واتحاد القلوب
ومن أجل ذلك كانت كربلاء الإمام الحسين ﴿؏﴾؛ حيث تسامت فيها تجليات الموقف والدور الاجتماعي؛ والذي فيه كمال ورفعة الأمم، لذا نجد أن الروايات التي تتحدث عن إحياء كربلاء تركز على شأنيه وأهمية ومحورية هذا الدور.
وهنا يأتي مكمن القضية إن -صحّ التعبير-، وأثر وأهمية الأدب الاجتماعي للمجتمعات عمومًا؛ فعالم اليوم والثقافة اللبرالية والعلمانية والغربية أجمع ربما اتحدت إرادتها على تحول الفرد بكل ما يتضمنه من فكر وعقل وقلب ومشاعر بحيث يتمركز حول محورية الذات وتأصيل الفردانية؛ فهي تدعوه وتجرّه للإنزلاق في وحل الأنا والفردانية المقيتة، وهذه الفرقة هي التي تجعل كل فرد في المجتمع يتقوقع حول ذاته ونفسه وينغمس في همومه الشخصية دون أن يكترث للقضايا المجتمعية والإسلامية السامية(١٩).
فتأتي كربلاء اليوم فتنتزعنا وتنتزع مجتمعاتنا الإيمانية من تلك الحالة الفردانية القاتلة، والانتقال بنا إلى الحالة الاجتماعية والجماعية، إلى حالة (الأمة) الواحدة.
وهنا نطرح هذا المثال وهذه الصورة: فمع بلوغ حالة الفردانية مراتب عالية وللأسف الشديد، حدا بالبعض -من الفتيات والشبان على حدّ سواء- بالعزوف عن الزواج، ولذلك بسبب عدم استعدادهم أو رغبتهم في تحمل أعباء المسؤولية اتجاه الآخر، يقول الشهيد مطهري -رضوان الله عليه- إن هذا الانتقال من الذاتية والتوسع في المسؤولية ليشمل الآخر هو كمال؛ ولذا نجد النموذج الأسوة والذي قدمته للأمة وللدين مولاتنا السيّدة خديجة ﴿؏﴾؛ حيث كانت تمتلك الجمال والكمال والوجاهة، والأموال والإمكانيات المادية والبشرية من العمال والخدم، -فهي في حينها وكما قيل كانت تدير ثلث إقتصاد الجزيرة العربية-، أيّ -وإنها وبحسب تعبير اليوم- تدير أقتصاد الجزيرة وشركات عظمى بمستوى ونطاق الجزيرة العربية برمتها، فلم يكن ينقصها شيء- بمفهوم فتيات اليوم- كي تحتاج للزواج وتأسيس الأسرة، ولكننا نجد أنها من بادر بالتقدم لخطبة رسول الله ﷺ وآله، ففي تحملها المسؤولية وخروجها من حالة الفردانية والذاتية هو تمام كمالها.
البكاء واتساع الإرادة
إن هذا الإحياء الجماعي في ذكر المصيبة ورواية حوادثها ووقائعها، وهذا الوعظ والإرشاد هو الذي يبقي كربلاء حاضرة مؤثرة فاعلة في النفوس، وما أشارت إليه الرواية في قول رسول الله ﷺ وآله “لا يذكره مؤمن إلا بكى”(٢٠)؛ فهذه الرواية وإن كانت تنطبق وتنصرف نحو كل مؤمن يأتي بهذا العمل بنحو منفرد، ولكن وبحسب ثقافتنا الإسلامية أن كل عمل له بُعد عبادي فردي وآخر اجتماعي، ومما لا شك فيه إن الإتيان بالعمل بنحو جماعي يكون أفضل وأسمى، كما في صلاة الجماعة، والحجّ؛ فإن السلوك الجماعي يتجلى فيه اتحاد القلوب وسموها ورفعتها.
ولذا نجد إننا وعبر مرّ التاريخ وعلى نحو ارتكازي كمجتمعات موالية فإننا نجمع قضايانا ونحلّها في هذه العشرة الأيام المباركة؛ لأننا -وبتعبير آخر- نجد النّاس وإن أجتمعوا بأبدانهم إلا أنه قد اجتمعت معه القلوب والمشاعر واتحدت الإرادات والرؤى بنحو قلّ نظيره؛ فغدت إرادتهم أوسع وأجلّ؛ فهي ليست إرادة فرد واحد فحسب بل المجموع، حيث لا نجد بين الحضور من يريد أن يخالف نهج الحسين صلوات الله وسلامه عليه.
إن شعيرة البكاء(٢١) هذه هي أبقت تلك الجذوة ملتهبة في قلوب المؤمنين، فكل عين هي باكية على الإمام الحسين ﴿؏﴾، وكيف لا يبكي الموالون من شيعة أهل البيت ﴿؏﴾ إمامهم وهم يدكون بعقيدة وإيمان راسخ أنّ الصدّيقة الطاهرة فاطمة الزهراء صلوات الله وسلامه عليها حبيبة رسول الله ﷺ وآله، وقرة عينه وثمرة فؤاده قد بكت الحسين ﴿؏﴾ منذ أن كان جنينًا في بطنها، وحملته نطفة في أحشائها، كما وقد بكته يوم ولد، وبكته وهو طفل يمشي، وبكته في تلك اللحظات التي كانت تودع فيها أباها رسول الله ﷺ وآله، وكما ورد أنها ﴿؏﴾ جاءت بالحسن والحسين ﴿؏﴾ لرسول الله ﷺ وآله وقالت له: يا رسول الله هذان ابناك فانحلهما، فقال رسول الله ﷺ وآله: أما الحسن فنحلته هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فنحلته سخائي وشجاعتي”(٢٢).
بالله ما أعلى صبرك يا أبا عبد الله الحسين ﴿؏﴾، إنه لصبر النبيين والقديسين والمقربين.
ألا لعنة الله على الظالمين.
-
إشارة إلى استحباب زيارة الإمام الحسين ﴿؏﴾ في كل تلك الأوقات والأزمنة.
-
مستدرك الوسائل تتمة المصدر الصفحة
-
يَرجِعُ أصْلُ كَلِمةِ “الأدَبِ” في اللُّغةِ إلى مَعنى الدُّعاءِ، ومِنه قيلَ للوَليمةِ: مَأدُبةٌ؛ لأنَّ صاحِبَها -وهُو الآدِبُ- يَدْعو النَّاسَ إليها. [موسوعة اللغة العربية]
-
بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ١٦، ص ٢١٠
-
توثيق
-
مصدر تعريف
-
كما في الاصطلاح اللغوي للأدب من كونه الدعوة إلى المأدبة كما عند العرب، فإن الأدب في الإسلام يدعو ويخلق الجواذب للالتزام بالقيم والقوانين، فالآداب تجذب الإنسان نفسه نحو هذا الإلزام.
-
الرضي رفعه إلى أمير المؤمنين ﴿؏﴾ أنه قال: العلم وراثة كريمة، والآداب حلل مجددة، والفكر مرآة صافية. [موسوعة أحاديث أهل البيت ﴿؏﴾، الشيخ هادي النجفي، ج ١، ص ١٧١]
-
أو أراد إنسان أن يمالح أخيه أو رفيقه -يحيث ورد استحباب ممالحة المؤمن-، ولكن لو تصرف بنحو خشن أو لم استخدام كلمات غليظة على القلب ستتحول هذه الممالحة إلى صراع وخلاف وعداوة، أقترح حاشية أو حذف
-
فقد جاء في الرواية من صلى ولم يعقب فإن صلاته هذه تلف في خرقة ويضرب بها وجهه ويقول الله سبحانه وتعالى انظروا إلى عبدي صلى ولم يدعني وكأنني بخيل ردوا صلاته عليه توثيق
-
فلدينا في ثقافتنا الروائية الكثير من الروايات الواردة عن أهل البيت ﴿؏﴾ في التأدب والتعامل في هذه الموسم العاشورائي.
-
جاء في الرواية: “شيعتنا خلقوا من فاضل طينتنا، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا”.
-
توثيق
-
“تجلسون وتحدثون؟ قال: نعم جعلت فداك قال: إن تلك المجالس أحبها فأحيوا أمرنا يا فضيل! فرحم الله من أحيى أمرنا، يا فضيل من ذكرنا أو ذكرنا عنده فخرج من عينه مثل جناح الذباب غفر الله له ذنوبه ولو كانت أكثر من زبد البحر” [بحار الأنوار، العلامة المجلسي، ج ٤٤، ص ٢٨٢]
-
توثيق
-
ولو كانت هذه المواقف مهمة ولها أثرها. مقترح إضافة
-
زيارة وارث، الشيخ القمي، مفاتيح الجنان
-
الخطبة الفدكية، الموسوعة الفقهية الميسرة، الشيخ محمد علي الأنصاري، ج ١، ص ٢٩
-
كثير ما نسمع ونقرأ ونطالع من رسائل وتوصيات تنتشر على مواقع التواصل تركز على محورية الفرد، ومنطوق لسانها أهتم بنفسك فقط، ولا تتعبها من أجل الآخر، وأقطع عن نفسك كل تلك العلاقات السامة التي لا تشعر نحوها بالارتياح، المهم أنت وحدك ذاتك، راحتك، طموحك وما ترموا الوصول إليه أنت فقط، فليكن سعيك همّك فكرك متوجه نحو هذه النفس واترك عنك الآخر.
-
توثيق
-
هناك تأكيد في الروايات الشريفة على فضلية البكاء والإبكاء والتباكي على مصاب الإمام الحسين ﴿؏﴾
-
أخبرني أبي عن شيخ من الأنصار يرفعه إلى زينب بنت ابن أبي رافع، عن أمها قالت: قالت فاطمة ﴿؏﴾: يا رسول الله هذان ابناك فانحلهما، فقال رسول الله ﷺ وآله: أما الحسن فنحلته هيبتي وسؤددي، وأما الحسين فنحلته سخائي وشجاعتي. [الخصال – الشيخ الصدوق – الصفحة ٧٧]