5
(3)

بِسْمِ اللَّـهِ الرَّحْمَـٰنِ الرَّحِيمِ        

 توطئة 

يقول الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ ۖ﴾ الأنفال: ٢٤

الحسين ﴿؏﴾ سفير رسول الله ﷺ المحيي لهذه الأمة، ومسلم بن عقيل هو سفير الحسين ﴿؏﴾ لأهل الكوفة، وحيث أنّه من أهم مظاهر موت الأمم -كما هو ثابت- هو نقض العهود ونبذ العقود والأيمان والمواثيق، كما أنها من أوضح علامات للمنافق؛ فإن آية المنافق كما جاء في الأثر؛ “إذا وعد أخلف” (١)، وهذا مما يدل على ذوبان الإيمان أشدّ الذوبان.

قدرة المرأة على الإحياء: (٢)

يُحدثنا القرآن الكريم عن مريم ابنت عمران ﴿؏﴾ الطاهرة والعذراء المصطفاة، ويركز على كون المناط والعلة في أن تكون هي لا غيرها أمًّا للمسيح ﴿؏﴾ المحيي، والذي سيحمل رسالة الأبدان والأرواح، والتي ستكون شريكته في حمل رسالة الإحياء والهداية والإرشاد تلك؛ هو عفتها وخدرها وسترها كونه شرط رئيسي وأساسي ومركزي لفاعل الإحياء حين تكون إمرأة.

ومن هنا سيتبين لنا أن ذات العلة، والأسباب المركزية، والأوصاف، والامتيازات التي توفرت عليها مريم ابنت عمران ﴿؏﴾ تميزت بها عقيلة الطالبيين زينب بنت أمير المؤمنين ﴿؏﴾، وهذا الأمر ليس كاشفًا عن عدم وجود أسباب أخرى، أو كون القرآن الكريم لم يهتم بتلك الأسباب، أو أنّ مريم ﴿؏﴾ لا تتمتع بكمالات مهمة أخرى، ولكن باعتبار أن هذا ما يتسق ويتناسق مع سياق البحث ولا يسع المجال لذكر أسباب أكثر.

كمالات مريم ابنت عمران ﴿ع﴾: 

 الأول:

العفة والطهارة يقول ﷻ: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ التحريم :١٢، وللتركيز على تمظهر العفة الكاملة في مريم ﴿؏﴾؛ فإنّ القرآن الكريم قد سبق الكتب المقدسة التوراة والإنجيل في التأكيد على طهارة مريم ﴿؏﴾ ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ آل عمران: ٤٢.    

الثاني:

مريم الرسالية الصدّيقة

الآيات الكريمة تُظهر اشتراك مريم مع عيسى ﴿؏﴾ في الرسالة والدعوة للإحياء؛ يقول آية الله الشيخ جوادي الآملي –دام ظله-: أن الله ﷻ ما عبّر عن رسولٍ وأمه بكونهما آية للعالمين إلا عن عيسى وأمه ﴿؏﴾، يقول ﷻ: ﴿وَٱلَّتِىٓ أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنَٰهَا وَٱبْنَهَآ ءَايَةً لِّلْعَٰلَمِينَ﴾ الأنبياء:٩١، كما أن التعبير بالصديقين قلّما ورد في القران الكريم، وقد عبّر عن مريم ﴿؏﴾ بذلك حيث يقول ﷻ: ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ المائدة: ٧٥.

مواصفات المرأة القادرة على الإحياء

والنقطة التي نريد التركيز عليها هنا؛ ما المواصفات التي يلزم أن يتحلى فيها كل من لديه مشروع رسالي لإحياء الأمة سيما إن كانت امرأة، ونتوسل لبيان ذلك بعدة مقدمات:

المسيحية واليهودية مشتركات وفوارق 

تُعدّ النصرانية امتدادًا لليهودية، فهي ليست ديانة مستقلة، بمعنى أنّ الله ﷻ قد بعث عيسى ابن مريم ﴿؏﴾ لبني إسرائيل بشريعة الدعوة إلى التوحيد؛ الدعوة التي كانت جلية في دعوة نبي الله موسى ﴿؏﴾، كما أنه بُعث في ذات قوم بني إسرائيل لا غيرهم؛ ولذا فيمكن القول أن المسيحية لم تكن إلا فرقة، أو فلنقل تيارًا داخل اليهودية.

فقد جاء نبي الله عيسى ﴿؏﴾ مُحييًا لسنة وشريعة نبي الله موسى ﴿؏﴾، وكل ما دعا إليه موسى ﴿؏﴾؛ ولذلك فإن القرآن الكريم عبّر عنهما بكونهما رسولين إلى بني إسرائيل(٣). وعندما بعث الله عيسى ﴿؏﴾ أعلن عن سلسلة من المسائل والشرائع؛ الغاية منها إحياء ما جاء به نبي الله موسى ﴿؏﴾، فلم يخرج عن إطار اليهودية، ولكنه جاء لإحياء التوحيد والسلوكيات التي حرّفت وانحرف عنها أهلها.

كما أراد منهم أن يعلموا أن النبوءة التي كان قد أخبرهم بها نبي الله موسى ﴿؏﴾ قد تحققت فيه وفي أمه، كما أن ذات الإخبار كونه نبوءة نبي الله موسى ﴿؏﴾ يُعدّ حجة، وهو مشابه تمامًا لإخبار الإمام الحسين ﴿؏﴾ للمسلمين يوم كربلاء بما فيهم جيش بني أمية بأنه نبوءة النبي الأعظم ﷺ والتي قد تحققت، والذي كان ﷺ يبكيه ويستعبر عند ذكره وذِكر ما يجري عليه وعلى أهل بيته ﴿؏﴾، وأنه سيُقتل على أيديهم (٤)ولذا فقد قرن الإمام الحسين ﴿؏﴾ جرأتهم تلك عليه بجرأة اليهود والنصارى على الله ﷻ وأنبيائه ورسله ﴿؏﴾.

الفوارق بين الديانتين ومرحلة الانفصال 

كان اليهود يعدّون المسيح ومن يؤمن به مبتدعون في الدّين ويسفهون بهم، ويستخفون بهم، ويحاربونهم ويسفكون دماءهم، ولسنا هنا في مقامِ القول مَن المستقيم، ومَن غير المستقيم فكلاهما قد نالهما التحريف.

وبالرغم من ذلك فلم يزد الظلم وسفك الدماء وشن الحروب، إلا انتشارًا للمسيحية أكثر، ومع ذلك بقى جزءٌ كبيرٌ من المسيحيين يخالطون اليهود، مما حدا بأحد الكهنة ويدعى “بولس” أن يفصل بين التعاليم اليهودية والمسيحية وينقحها. (٥)

حتى إزداد تشدد اليهود نحوهم، وعملوا أذكارًا للعن المسيح ﴿؏﴾ والعياذ بالله، عندها استقل المسيحيون وانفصلوا عن بعضهما البعض، وبهذا فقد تخلصوا من هذا الاختلاط مع اليهودية، وحصل بينهما الانقسام فأصبحتا مدرستين.

وهنا نلفت لما يثار حول تسرب الإسرائليات لتراثنا الروائي؛ ويحق لنا أن نطرح سؤالًا: ما المشكلة في أن تتشابه الديانات طالما أن مصدرهم واحد؟! لقد تحدث القرآن الكريم في كثير من الآيات الكريمة عن أحوال اليهود وبني إسرائيل؛ فهل يمكن القول أن القران الكريم مشبع بالإسرائيليات والعياذ بالله، أم إن هذا التشابه يُعدّ دليلُ ضعفٍ أم قوة، أم هو إثبات على وحدة الديانات ووحدة المصدر؟!

لماذا لا يتم النظر إلى هذه المسألة من هذا الجانب؟! (٦)

المسيحية وطهارة مريم ﴿؏﴾ 

إذا قرأنا في كتب تاريخ النصرانية، والكتاب المقدس “الإنجيل” نجد أنّ هناك عدم وضوح في الحديث حول طهارة مريم ﴿؏﴾، حيث كانوا يعتقدون أن مريم ﴿؏﴾ مثلها مثل سائر الناس، ولدوا ملوثين بالخطيئة، إذ يقولون أنه عندما أكل آدم ﴿؏﴾ من التفاحة صارت تلك الخطيئة ” أكل التفاحة” في أصل وجوده، وهذه الخطيئة لم تُمحَ إلا عندما -قُتِل عيسى ﴿؏﴾- حسب زعمهم.

فوفق رؤيتهم تلك فهذه الخطيئة وراثية؛ ولهذا فهم يعتقدون أن مريم ﴿؏﴾ قد ولدت ملوثة، لأنها ولدت من أم وأب، حيث أن هذه الخطيئة قد سرت في أبناء آدم جميعًا، بما فيهم مريم ابنت عمران ﴿؏﴾. ويستثنون من تلك النظرة نبي الله عيسى ﴿؏﴾ حيث خلقه الله ﷻ بدون تلوث كونه جاء من غير فحل، لكن هذه العقيدة سرعان ما تبددت بعد حين من الزمن، ورُفضت هذه الفكرة، وشيئًا فشيئًا أصبحت عقيدة أغلب المسيحيين أن مريم ﴿؏﴾ قد ولدت طاهرة، ولم تطهر بقتل الفادي والذي هو عيسى ﴿؏﴾ كباقي النّاس، إذ كان يجب أنْ يعدها الله ﷻ لدور كبير وهو ولادة عيسى ﴿؏﴾. كما لا يمكن أن تكون العلّة أضعف من المعلول من جانب عقلي.

القرآن الكريم وطهارة مريم ﴿؏﴾  

 يرى القرآن الكريم أن قدرة مريم ﴿؏﴾ على إيصال الرسالة وتحمّل الهداية، وإحياء الأمة، تتمركز في مسألة طهارتها، يقول ﷻ عن بني إسرائيل ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ النساء:١٥٦

كلّ الأديان الإلهية تُولي اهتمامًا بالغًا لمسألة الأعراض والعفة، كما لو نلاحظ  التعبير ﴿بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾، فلعله لا نجد في القرآن الكريم تعبيرًا عن الإثم بأنه عظيم إلا في مسألتين:

  • مسألة الشرك بالله ﷻ فيقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ ۚ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَىٰ إِثْمًا عَظِيمًا﴾ النساء: ٤٨
  • والبهتان في مسألة الأعراض، يقول ﷻ: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ النساء:١٥٦

إن في ادعاء اليهود واتهامهم لمريم ﴿؏﴾ في عفتها لجرأة وجسارة، وهم بذلك يشبهون بني أمية -عليهم لعائن الله- في ادعاءاتهم وجسارتهم على الله ﷻ وأهل بيت العصمة والطهارة ﴿؏﴾. 

الرسالية والتوجس من عدم قبول الحق 

ولتحمل مريم ﴿؏﴾ أعباء الرسالة ولتكون شريكًا فاعلًا وقويًّا للإحياء، كان لازمًا أن يطهرها الله ﷻ عن تلك التهمة، وهنا نجد معنىً دقيقًا جدًا، يستعرضه القرآن الكريم بكامل البلاغة والبيان والدقة في إثبات لأهمية هذا الأمر، فعندما حملت مريم ابنت عمران ﴿؏﴾ بعيسى ﴿؏﴾ واتخذت من أهلها مكانًا قصيًا، حالها حال كل امرأة حين يأتيها المخاض تتوارى عن الأنظار، وعندما جاءها المخاض قالت: ﴿قالت يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ مريم: ٢٣

فمريم ﴿؏﴾ التي كلمتها الملائكة، ورأت جبرائيل ﴿؏﴾، وعلمت أن عيسى ﴿؏﴾ رسول من الله ﷻ (٧)، وأنها تحمل رسالة الله ﷻ، كيف يمكن أن يتصور أنها في معرض هذا الابتلاء والامتحان تتمنى الموت، ومن المفترض أن تصبر، وهذا الأمر قد يعدّه البعض نقطة ضعف في مريم ﴿؏﴾.

وربما أفضل من أعطى تصويرًا لهذا المعنى هو آية الله الشيخ جوادي –حفظه الله- حيث يقول ما مفاده: إذا تأملنا في الموضوع تلفتنا مسألتين مهمتين

 الأولى:

علاقة مريم ﴿؏﴾ بالله ﷻ والملائكة، وهذه مسألة مفروغ منها، فقد كانت في ذلك على بيّنة من ربها. 

الثانية:

علاقتها بالرسالة ودورها في حملها، وفي أنها تُعد بوجودها وبعبادتها وبانقطاعها وتبتلها لله ﷻ رسولًا لبني إسرائيل، أيّ لديها دور رسالي، مرتبط بهداية النَّاس، وإرشادهم وتعليمهم، وهذا متوقف على كون الهادي طاهر ونظيف، فإذا كان هذا الهادي، وهذا المحيي امرأة.

فإذا ما جاءت تهمة -والعياذ بالله- بما يخل بهذه القدسية، فعند ذلك لن تكون في موقع التأثير، وبحسب تعبير آية الله الشيخ جوادي يقول ما مفاد كلامه: لماذا تقول مريم ﴿؏﴾. ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَاَ وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ فوظيفة مريم ﴿؏﴾ هي الهداية والإرشاد والإحياء، ومثل هذا النوع من التهم وهذا البهتان العظيم في بُعد عفتها؛ فذلك قطعًا مما يؤلم ويقتل أيّ امرأة، لتقول ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَاَ﴾، ولكن إذا ما أخذنا بلحاظ أن مريم ﴿؏﴾ تريد أن تُحيي الأمة، وتنشر المعارف الدينية، فإن قتل هذه المرأة وقتل هويتها، ورساليتها، هو في الحقيقة من خلال اتهامها بهذه التهمة، فالعفّة سمة أصلية في جانب تربيتها، والتشكيك في طهارتها وعفتها سيزعزع تلك الصورة؛ فأنى لغير العفيف أن يُوجد عفة! فهذا الجانب سيموت مع هذه التهمة؛ وبذلك سيكون واقع مريم ﴿؏﴾ كالميت، فاقد أدنى قدرة على التأثير والإحياء.

ويضرب آية الله الشيخ جوادي لذلك مثالًا لطيفًا، يقول: لو أن شخصًا مزارعًا أُبتلي بسوء الخلق، سيظل يزرع ويبيع ويشتري، وقد لا تواجهه مشكلة، لكن لو أن أستاذَ أخلاقٍ قد أتهمّ في خلقه، فمَن سيستمع لنصحه وإرشاده؟!

ويضيف قائلًا: كل الأنبياء ﴿؏﴾ كانت ردّة فعلهم فيما يرتبط بالنّاس الخوف، كنبي الله موسى ﴿؏﴾ عندما جمع فرعون السحرة، وجاءُوا بسحرٍ عظيم، قال ﷻ: ﴿أَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾  طه:٦٧، رغم أن موسى ﴿؏﴾ يعلم أن هذا سحر، وأنه وهم في وهم، ولا يبعث على الخوف البتة، -وعلى حد تعبير الشيخ جوادي -مثله كمثل ما يحدث في السيرك تمامًا، يأخذ قطعة قماش ويجعلها عصفورًا؛ فلا شيء يجلب الخوف البتة؛ فلماذا أوجس في نفسه خيفة موسى ﴿؏﴾، وهو يعلم أن ما جاءُوا به سحرٌ ساحر، وما جاء به معجزة ؟ يقول ﷻ: ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾  طه: ٦٨، لكن خوف موسى له مبرره العقلائي، وهذا المعنى يشير إليه أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في خطبه في نهج البلاغة فيقول: ” لمْ يُوجِسْ مُوسَى ع خِيفَةً عَلَى نَفْسِهِ بَلْ أَشْفَقَ مِنْ غَلَبَةِ اَلْجُهَّالِ وَ دُوَلِ اَلضَّلاَلِ اَلْيَوْمَ تَوَاقَفْنَا عَلَى سَبِيلِ اَلْحَقِّ وَ اَلْبَاطِلِ مَنْ وَثِقَ بِمَاءٍ لَمْ يَظْمَأْ” (٨)فمنشأ تخوف موسى ﴿؏﴾ هو همّ وواجس كل رسالي، منبعه ودافعه هو شدّة اهتمامه لمدى تقبل الناس لهذه الهداية، وعلى هذا النحو؛ فإن مريم ﴿؏﴾ لما قالت ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هذا﴾ مريم: ٢٣؛ فلأن هذا النوع من التهمة في عفتها، يسلبها قدرتها على الإحياء.

وقد بعث الله ﷻ نبي الله عيسى ﴿؏﴾ وأمه بهذه الكيفية وضمن هذا التنظيم والتخطيط كي يُحيوا رسالة نبي الله موسى ﴿؏﴾ فهي امتدادٌ لها، وإذا ما اتهمت في عفتها؛ لن يسعها التأثير أو إحياء أحد كان من كان وبأي حال من الأحوال.

الدعم والتأييد الإلهي بالسريّ:                                                                                                                                                                                                       

يقول ﷻ: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾ مريم:٢٤  الشيخ جوادي يشير إلى معنى لطيف جدًا في تفسير هذه الآية كما أن لها ارتباط بالآية السابقة: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَّنسِيًّا﴾ 

كلمة السريّ لها معنيان: الماء الذي يسري، وهو الماء الجاري؛ بدليل، الآية التي تليها ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾ مريم: ٢٦، وهناك معنى آخر ورد في اللغة، هو ما يتبناه آية الله الشيخ جوادي ويحاول تقويته، أن السريّ هنا بمعنى سيدّ القوم وشريفهم، فمريم ﴿؏﴾ والتي تخشى على مشروعها الرسالي ودورها في عملية الإحياء، تعلم أنها عندما تُتهم؛ فهذا النوع من التهمة والهتك لأيّ امرأة مانع وحائل دون قدرتها على التأثير، ولذا وهي في تلك الحال ناجت ربها ﷻ: ﴿يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَٰذَا﴾ على نحو التوسل والدعاء لله ﷻ أن يؤيدها من عنده، فجاءها الجواب من جبرائيل ﴿؏﴾ أو الطفل الذي ولدته -عيسى ﴿؏﴾- هناك اختلاف في الآراء هل المنادي هو جبرئيل أو نبي الله عيسى ﴿؏﴾؛ ليقول لها ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ فقد أيدك الله بالسريّ؛ أيّ السيد الشريف، فذهب بذلك روع مريم ﴿؏﴾، وأذهب حزنها حيث سيحله سيّد قومه، حيث سيرى الجميع سيادته؛ وهو من سيبرأها، من تلك التهمة التي ستلصق بها، وهذا فعلًا ما حدث؛ فحينما أشارت إليه، خاطبهم فعلموا ببرائتها وطهرها وعفافها ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ ۖ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا ۞ قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا﴾ مريم:٢٩- ٣٠ (٩)

والشيخ جوادي والذي يتبنى هذا الرأي يرى إن هذا المعنى والذي يرجحه هو فحسب ما يعالج مشكلة وحيرة مريم ﴿؏﴾؛ إذ لم تكن لدى مريم ﴿؏﴾ أدنى مشكلة في الأكل والشرب حيث أنه: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا﴾ آل عمران: ٣٧، فهي تأكل وتشرب دائمًا، وليست بحاجة للماء الجاري في هذا الوقت بالتحديد. 

العفّة أهمّ عامل في فاعلية المرأة وقدرتها على الإحياء 

ومن هنا نخلص إلى القول إلى أنه كما أنّ أهم عامل في فاعلية المرأة وقدرتها على الإحياء والتأثير هي: العفة والطهارة والستر، وعدم الاختلاط بالرجال -كما سوف يأتينا في المحاضرة القادمة-؛ فإن أكبر حربة يمكن أن تضرِب المرأة وتُضرب بها هو تعريضها إلى مسببات التساهل في مسألة الستر والعفة، وخلع الحجاب، مما توقع بالأمة في أسباب التسافل والإنحدار.

ويمكن الاستدلال بهذا على أن مسألة الحجاب هي في واقعها حق من حقوق المرأة الفردية والاجتماعية معًا، والعفة شأن من شؤونها، ويجب عليها أن تُطالب بهذا الحق؛ فالعفة وحدها هي التي تجعلها في معرض لنظر الله ﷻ، ورؤية الملائكة لعبادتها. وهذه العفة هي التي تجعلها في حالة روحية عالية بحيث يمكن لها أن تهب هذه الروحية للآخرين، كما تجلب الارتباط بالله ﷻ.

وفي سؤال موجه من قبل إحدى الفتيات لماذا أوجب الله ﷻ على المرأة الحجاب أثناء الصلاة ؟ 

كان الجواب أن الله ﷻ يحب أن يرى المرأة بتمام سترها وحجابها فهذا المظهر هو موضع محبوبية الله، وعفة مريم ﴿؏﴾ هي التي جعلت الملائكة تخاطبها وتناديها ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِين﴾ كما يشير إلى ذلك الشيخ جوادي. فالجميع قد يدعوا الله حين الصلاة؛ لكن هذه العفّة هي التي استجلبت الملائكة.

ولذلك إذا ما طالعنا خطبة السيّدة زينب ﴿؏﴾ في مجلس يزيد، نراها قد أثارت هذه المسألة وركّزت على هذه الحيثية بالذات، كونها لها ارتباط بتحرك أيّ امرأة في أي شأن، سيما في شأن إحياء الأمة؛ فزينب ﴿؏﴾ والتي عرفت بالعفة والطهارة، وبالاحتجاب، تقرع يزيد حيث تقول له: “أَمِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ يَحْدُو بِهِنَّ الْأَعْدَاءُ مِنْ بَلَدٍ إِلَى بَلَدٍ وَيَسْتَشْرفُهُنَّ أَهْلُ الْمَنَاقِلِ وَيَبْرُزْنَ لِأَهْلِ الْمَنَاهِلِ وَيَتَصَفَّحُ وُجُوهَهُنَّ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ وَالْغَائِبُ وَالشَّهِيدُ وَالشَّرِيفُ وَالْوَضِيعُ وَالدَّنِيُّ وَالرَّفِيع”(١٠) وهذه أكبر مشقة يمكن أن تقع فيها امرأة كزينب ﴿؏﴾ وتتحملها؛ يُقال وكما ورد في الروايات إن هتك الستور أكبر وأشدّ على الأئمة ﴿؏﴾ من القتل، وحسب ما يبدو من ظاهر ما جرى على مسلم بن عقيل ﴿؏﴾  فإنه قد فطن إلى هذه الجريمة، فهو يعرف أن بني أمية يمعنون وسوف يوغلون في ظلم أهل بيت العصمة والطهارة ﴿؏﴾. 

وفي مثل هذا اليوم أصبح مسلم بن عقيل بالكوفة في مدينة أشباح بلا أرواح، ما خان مسلم بن عقيل صديق أو رفيق، لكن خانته المدينة بأكملها. وقد نسيهم التاريخ لأنهم أعجاز نخل خاوية، لم يترك الله ﷻ لهم من باقية؛ إلا امرأة واحدة؛ طوعة العفيفة الشريفة كلنا نحفظ أسمها ونحبها ونحيي ذكراها، لموقفها الرساليٌ والبطوليٌ إذ كانت حيةً ذات شعور وإحساس ومعرفة وكانت طاهرة عفيفة ؛ لذلك بقيت وجيهةً بالحسين ﴿؏﴾ في الدنيا والآخرة.


  1. عنه (صلى الله عليه وآله): ثلاث من كن فيه كان منافقا وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم: من إذا ائتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، إن الله عز وجل قال في كتابه:  (إن الله لا يحب الخائنين)  [ميزان الحكمة ج٤ص٢٣٣٩]
  2. الدروس القادمة -بمشيئة الله-  سنتحدث عن اقتدار المرأة على الإماتة
  3. في إشارة للآية (٤٩) من سورة آل عمران (وَرَسُولًا إِلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ…..) 
  4. قال: فعندها ضرب الحسين ﴿؏﴾ يده على لحيته، وجعل يقول: اشتد غضب الله على اليهود إذ جعلوا له ولدا، واشتد غضبه على النصارى إذ جعلوه ثالث ثلاثة واشتد غضبه على المجوس إذ عبدوا الشمس والقمر دونه، واشتد غضبه على قوم اتفقت كلمتهم على قتل ابن بنت نبيهم، أما والله لا أجيبهم إلى شئ مما يريدون حتى ألقى الله تعالى، وأنا مخضب بدمي…. [بجار الأنوار ج٤٥ ص١٢].
  5. لتقريب المعنى يمكن القول أنه شبيه بالدور الذي قام به الشيخ المفيد -قدس- حيث استطاع أن يستخلص عقائد الشيعة الإثنا عشرية المختلطة بغيرهم ، ويؤسس لمدرسة كلامية واضحة تُميز الشيعة عن غيرهم. فقد كانت عقائد الشيعة الاثنا عشرية مختلطة بغيرها ولكنه استطاع استخلاصها وتأسيس مدرسة كلامية تميزت بها الشيعة 
  6. يمكن مراجعة دورة للشيخ مرتضى الفرج على اليوتيوب “تقارن بين ما هو في القران وبين ما هو في التوراة والإنجيل” حيث يقول أن المادة المتطابقة قد تصل إلى نسبة ٩٥ %. 
  7. في الجلسة القادمة سنقارن بين مريم ﴿؏﴾ وبين السيدة زينب صلوات الله وسلامه عليهما.
  8. ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة ص١٠٧
  9. وهذا مشابه لما يأيدّ الله به أنبياءه وأولياءه ﴿؏﴾ كما أيّد أمير المؤمنين ﴿؏﴾ بكرامات كثيرة، منها ولادته في الكعبة الشريفة.
  10. السيد ابن طاووس، اللهوف في قتلى الطفوف ص١٠٦

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 3

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن