تقدم القراءة:

الذكرى السنوية الثالثة لشهداء حماة الصلاة 1439هـ

الأحد 13 شعبان 1439هـ 29-4-2018م

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

“أولئك على هدى من ربهم”

رغم وجود مشتركات لا تحصى بين الشهداء وسائر الناس من حيث الزمان والمكان والأفكار والمعتقدات إلا أن هناك مسافة فارقة بينهما لأجلها الله اختارهم واصطفاهم، والفارق هو تماما كالفارق والمساحة بين الهدى والهوى، فهناك مراحل ومنازل ومقامات ومسافات طويلة بينهما.

المسافة الضوئية بين ذات الشهيد والشهادة

انتصر الشهداء في باطنهم بشجاعة واقتدار إذ سطروا ملاحم بطولية في ساحات الذات الأكثر سعة من المسافة بين باب مسجد الإمام الحسين (ع) والمحل الذي تشضت فيه أجسادهم، تلك المسافة التي ربما لا تتجاوز على الأرض مائة متر أقل أو أكثر لم تكن أرواحهم في مسافتها بل في مسافات ضوئية أو كما عبر عنها القرآن نورية هادوية لأنهم ليسوا مهديين فقط بل على هدى من ربهم. فقد امتطوا أنوار الهدى وخرجوا من قبضة الهوى، إذ صعدوا معارج الهدى وخرجوا من غياهب الهوى، لأن المعركة بالدرجة الأولى والنزاع الدائم منذ خلق الله آدم هي بين الهوى والهدى.

ولأننا جميعا ندرك في وجداننا صعوبة هذه المعركة وعظمة الانتصار فيها فإننا نكبرهم في أعماقنا ونجلهم ونحترمهم ونشعر بالمسؤولية تجاههم.

الهدى التشريعي والهداية الفطرية التكوينية

ما الهدى الذي امتاز به الشهداء؟

ليس الهدى الذي امتازوا به عن غيرهم في معرفة الأحكام الشرعية أو حفظ السور القرآنية، لكن على ما يبدو أن العمدة في هذا المُكنة والشجاعة، لأنه كم من عالم قتله جهله وعلمه معه لا ينفعنه. السيد صاحب الميزان في شرح الآية ﴿هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ البقرة/ 2 يذهب إلى أن الهدى هنا ليس الهدى التشريعي بل الهداية الفطرية التكوينية، ويعبر عنها أستاذنا الجوادي بأنها رأس المال اللازم لقبول هداية القران، بل هي الأرض الخصبة لقبول القرآن والشرع.

النفر الأصعب والهداية الواقعية

ربما ينفر العالم من أرضه إلى أرض أخرى لتعلم الأحكام الشرعية ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ التوبة/ 122 ليس هذا هو النفر الأصعب، ﴿انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا التوبة/ 41 النفر الأصعب مقاومة مغريات جاذبية الأرض ﴿إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الأَرْضِ التوبة/ 38

فهل كان السبب في ثبات أصحاب الإمام الحسين(ع) في ذلك الزحام – وقد بلغت الروح منهم التراق – هل كان التزاما منهم بحكم شرعي؟ بعد إعذار الإمام الحسين لهم ؟! أم هي مسألة هداية واقعية تشدهم إليه كما يتمسك الرضيع بالضرع. كانوا يخافون على حياتهم الروحية مقابل الحياة النباتية وأهواء الأرض.

متلازمة الإيمان بالغيب وجهوزية الانتصار

هناك ارتباط بين الإنسان وبين السماء والغيب، فالذي يُؤْمِن بالغيب يرى ما في السماء أوسع مما في الأرض، ويرى ما في خزائن الله ثروات لا يراها أهل الأرض. إن من أعظم ما في الغيب بل أعظم مغيب عنا هو الإمام المهدي (ع) الموجود في كل الوجود، فالإيمان بالمهدي من الصفات التي تحرك الأرواح وترفع الأعمال وتصحح الأفعال وتطيب الخلق وتهب الرزق، وهنا تكمن جهوزية الانتصار في معركة الهدى على الهوى، وهنا الذخيرة الواقعية، وقد جاء في الرواية في ذيل تفسير الآية ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ البقرة/ 3 أي بالمهدي.. إن الإيمان لا يمكن أن يتعلق بالوهم والخيال، لأن العلم ركن من أركان الإيمان.

ثنائية .. الهدى والهوى

الشهداء يؤمنون بالغيب ويعرفونه وقد عرفوه بتغييب أهوائهم وظهور مشروعهم في باطنهم فالمسألة ليست من تعليم معلم ولا من تفهيم مفهم، ولأنهم على هدى من ربهم ولأننا نجدهم قامات شامخة في معركة الحس والغيب، الهدى والهوى، الأرض والسماء، الاستعجال إلى الجنة وعدم الركون لجهنم، لذا نرى أن في إحياء ذكراهم حياة لنا وبهم تعمر أرضنا وأوطاننا وبهم يحيا نسلنا وبهم ندفع عن معتقداتنا وبهم نكف أيدي الشياطين عن أمانينا.

نسأل الله لهم علو الدرجات ونسأل الله بهم التوفيق.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

إحصائيات المدونة

  • 198٬580 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

بنيان مرصوص ٢ 0 (0)

أنّ ديباجة الدخول لعالم البنيان المرصوص هو هذا التسبيح, وفهم طلب الله النصرة لدينه لا يمكن أن يفهم صافيًا نقيّا إلا عبر بوابة التسبيح، لأنّ الله هو الغني العزيز الذي لا يفتقر ولا يغلب ولا يقهر، ومن هنا ختمت الآية التي بدأت بالتسبيح بالقول ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

بنيان مرصوص ١ 5 (1)

يقول أستاذنا الجواديّ: مازال الحسين يقول من أنصاري إلى الله، بمعنى أنّ أنصار الحسين لا ينقطعون، ولذا نقول: اِنْ كانَ لَمْ يُجِبْكَ بَدَني عِنْدَ اسْتِغاثَتِكَ وَلِساني عِنْدَ اسْتِنْصارِكَ، فَقَدْ اَجابَكَ قَلْبي وَسَمْعي وَبَصَرَي…
فكربلاء ستبقى ماء يسقي الفطرة، لنحيا خلال هذه العشرة حياة جديدة، كربلاء خروج من الكفر إلى التوحيد، ومن الرجس والنجاسة إلى الطهر، ومن النقص إلى الكمال.

حبّ فاطمة ﴿؏﴾ نجاة في الحرب النّاعمة 5 (1)

وإذا ما تأملنا في الأصول الفكرية والثقافية لدّيننا الإسلامي الحنيف وشريعة نبينا المصطفى ﷺ وآله الغرّاء؛ سنجد أنها لم تأتِ على إلغاء تلك الغرائز المودعة في ذات الإنسان، أو تغيير بُعده الوجودي بحرفه عن مساره الإنساني، بل جاءت لتؤكد على هذا المفهوم بربطه بأصل الدّين الحنيف، وما الروايات الشريفة المتضافرة والمتواترة التي تربط الإيمان بالحبّ إلا دليلاً واضحًا على عدم دعوة الدّين الإسلامي لإلغاء الحبّ البتة.