عظم الله أجوركم جميعا بشهادة الإمام المقدام موسى ابن جعفر (ع) باب الحوائج، ولرسول الله (ص) ولأمير المؤمنين (ع) وأمه الزهراء (ع) وأهل بيته حار العزاء وجزيل المثوبة…
لم أبحث عن مصدر تسمية الإمام بباب الحوائج، ولكن ظرفه وطبيعة رسالته الاجتماعية تساعد على هذه التسمية. ويمكن أن نبينها بعدة معان، منها:
١- أنه قاضي الحوائج وهو باب الله الذي منه يؤتى، وأن من كان له حاجة فيجب أن يأتها من بابها، وقد جاء في تفسير الآية ﴿ وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا ۚ ﴾ البقرة/ 189 عن أمير المؤمنين (ع): “نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منها… فمن بايعنا وأقرّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها… “(1) وهو عليه السلام منهم، فهو باب يؤتى منه لكل حاجة.
٢- المعنى الآخر هو أنه عليه السلام حقيقة “باب الحوائج”، أي هو الباب الذي تنكشف به الحوائج الواقعية والفقر إلى الله، و تزال به الحجب والحوائج الوهمية التي طالما تشاغل بها الإنسان.
إن شعور الإنسان بالاستغناء – ما دام يعيش في رغد من الحياة النباتية والشبع الحيواني – هو ما يؤدي إلى أن يطغى ويتجاوز حدّه الإنساني ويستكبر ﴿ كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى* أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى ﴾ العلق/ ٦-٧
فمنذا يفتح له باب العقل ويرفع عنه حجاب الوهم ويريه قدره وعظيم حاجته لله؟!
لا شك أن إدراك عظمة الله وذلنا، غنى الله وفقرنا، ربوبية الله وعبوديتنا… هي معارف نحتاجها، بل هي رسالة كل الأنبياء، وهي حقيقة التوحيد حين يظهر في حياتنا. ففقرنا وانقطاعنا عمّا سوى الله هو ما نحتاجه واقعاً دائماً و أبدا.
ولذا جاء في الدعاء المنسوب للإمام (ع): “إلهي… أصبح ذلّي مستجيراً بعزتك، وأصبح فقري مستجيراً بغناك، وأصبح جهلي مستجيراً بحلمك… وأصبح ظلمي مستجيراً بمغفرتك…”(2)
أي إنني أستجير بك من أن أنظر لنفسي بخلاف الفقر والجهل والحاجة… فنحن في الواقع مقصّرون في معرفتنا بحاجتنا لله، وإننا في كل أحوالنا ظالمون في نظرتنا لحاجتنا لله، فنستجير بالله من أن تغلق علينا أبواب هذه المعرفة ويسدّ عنا كشف فقرنا.
جاء في دعاء الإمام زين العابدين (ع): “لا ينكشف منها إلا ما كشفت”(3)
ألا نحتمل أن معناها: لا ينكشف لنا من حوائجنا إلا ما كشفته أنت لنا!
إن سجن الإمام موسى ابن جعفر (ع) – مع كونه مستطيعا أن يفتح أبواب خزائن الأرض كلها – كان ليبقى مثالاً لنا في كونه باب كلّ الحوائج لله.
فحبسه عن القدرة على قضاء حاجاته المادية، وانصرافه التام لحاجته الواقعية، وهي عبودية الله وفقره لله، وطلبه أن يتفرغ لقضاء هذه الحاجة (العبودية المطلقة) يصحّح تسميته بالقياس إلى رسالته هذه “باب الحوائج”.
أي يعلمنا أن الحوائج محجوبة عنا فنحن أحوج إلى من يكون باباً مشرعاً لنا لنتمحّض ونخلص من شركنا الخفيّ والجليّ… إنّه (ع) بسجنه وانقطاعه فتح لنا باباً كنا غافلين عنه، وسلك طريقاً لتربية شيعته وتأدية رسالته. وليبقى لكلّ سجين حمل رسالة الدين وأدّى وظيفته نموذجاً كاملاً في الصبر والاستقامة والعبودية لله وحده، ورفض الظلم والجبروت والطغيان، وعدم طلب الحاجة إلا من الله وأن حاجتنا هي الله! “فأنت لا غيرك مرادي، ولك لا لسواك سهري وسهادي، ولقاؤك قرة عيني، و وصلك منى نفسي، وإليك شوقي، وفي محبتك ولهي، ورؤيتك حاجتي…”(4)
و هناك احتمالات أخرى ربما تحملها هذه التسمية وكلها صادقة في حقه سلام الله عليه.
رزقنا الله في الدنيا زيارته و في الآخرة شفاعته.

1- الاحتجاج للطبرسي.
2- مهج الدعوات لابن طاووس.
3- الصحيفة السجادية الدعاء السابع.
4- مفاتيحح الجنان ، مناجاة المريدين للإمام زين العابدين (ع).