من أكثر الليالي وحشة هي هذه الليلة. ومن ضيق الأفق والتعبير أنْ نقول أن هذه الليلة كانت موحشة على الأرامل والمحتاجين والأيتام، أو على الكوفة التي فقدت راعيها، أو على المنبر الذي خطب فيه علي أمير المؤمنين، في الحقيقة كل هذه التعابير تضيق ببيان وحشة هذه الليلة.
لاشك أن التعرف على أي إنسان ومعرفة خصائصه يكون عبر آثاره / أقواله وأفعاله حال حياته، وإنما تقدّر قيمة حياة أي شخص بقدر ما يقدم للإنسانية من علم وعمل صالح. عندما نبكي أمير المؤمنين (ع) بعد أكثر من ألف سنة فلأنه آية الله الكبرى يقول عليه السلام (مالله آية أكبر مني)(1) فإذا قرأنا أقواله في الشرعيات وجدناه الأقضى (أقضاكم علي)(2) إذا سمعناه في الأخلاقيات والمواعظ فنراه ينحدر منه السيل ليصعق همام صعقة خرجت روحه فيها، وهو في الإلهيات ووحدانية الله والعلوم المتعالية واحد متفرّد لم يأت بما جاء به نبيّ ولا وصيّ ولا عارف ولا حكيم، فمثل هذا الوجود لا يستوحش لفقده ابناؤه ومنبره، بل كل عاقل يستوحش لفقده، وكلّ موحد مريد لله يهمّه صلاح نفسه، بل كل مريد لصلاح دنياه هو بحاجة لأمير المؤمنين (ع). ولا نجد لنا عوناً في تعريف شأن علي ومقاماته وموقعه في دنيانا وأخرانا أفضل من القرآن الكريم.
وصلنا في سورة يس إلى قوله تعالى ﴿ أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ * وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ * ﴾
وتحدثنا عن المقابلة بين الشيطان وبين الصراط المستقيم المتجلي في أمير المؤمنين (ع)، قلنا أن كلاهما يعِد ولكن الشياطين تعطي مواعيد الغرور والكذب والزيف و في مقابل هذه المواعيد الشيطانية هناك الوعود الصادرة من أهل البيت (ع) وعلى الخصوص من أمير المؤمنين (ع).
اليوم سوف نتحدث عن الترابط بين معرفة العهد الذي أخذ على الإنسان بعدم اتباع الشيطان وبين العهد المعهود المأخوذ على الناس بالطاعة والإتباع لأهل البيت ولأمير المؤمنين (ع) لذلك يجب أن نتعرف على طبيعة هذا العهد.
خصائص العهد الإلهي:
قلنا بالأمس أن هذا العهد لا ينبغي أن يكون عهدًا غامضًا بل ينبغي أن يكون عهداً واضحاً وبينا. لأن العهود إذا فقدت الوضوح والبيان فهي تفقد جدّيتها وأهميتها، وكلما كان الميثاق مهماً وضرورياً وأصيلاً يجب أن يكون واضحاً وبيّن المعالم. وقد أخذ الله عهداً على بني آدم بأن لا يتبعوا الشيطان، ومن المهم لنا كطرف معنيّ في هذا العهد أن نعرف تفاصيله. وعليه نطرح هذا السؤال:
كيف يمكن أن يكون هناك عهد بين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى؟
يمكننا أن نتصور عقداً وعهداً بين شخصين وطرفين في عرض بعضهما، كأن يكتب الإنسان عهداً أو عقداً مع إنسان أو مع مؤسسة أو شركة، أو يمكن أن يجري عهداً مع نبي أو وصي حتى، لكن كيف يمكن أن يكون هناك عهد بين الإنسان وبين الله سبحانه وتعالى الذي لا يتكنّه(3) ولا تعرف ذاته، ولا ينال حقيقته غوص الفطن؟ وكيف للعقل أن يتصور علاقة بين الإنسان وبين الله، واتصالاً بين موجودين ليسا في عرض بعضهما. وكيف لله سبحانه أن يحتجّ بعهد كهذا؟؟؟
الجواب البديهي هنا أن نقول أن هذا العهد المأخوذ على الإنسان هو القرآن الكريم و هذا موجود في الروايات، عن الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام قال: ( القرآن عهد الله إلى خلقه، فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده وأن يقرأ منه كل يوم خمسين آية )(4) والعهد الذي أخذه الله سبحانه وتعالى من الإنسان هو هذه الحقائق والمعاني الموجودة في القرآن من معارف الإلهيات والتوحيد والإيمان بالجنة والملائكة، و من أحكام الفقه والعبادات والشرعيات، ومن أوامر ونواهي وزواجر ومستحبات.
لكن يرد هنا سؤال مهم: هل نفهم كل ما ورد في القرآن؟!
القرآن فيه محكم وفيه متشابه وفيه عام وخاص وفيه مقيّد و مطلق، كلنا نقرأ القرآن الآن في شهر رمضان لكن كم نفهم من القرآن؟ أي كم نستطيع أن نعرف بالدقة من معاني الآيات الموجودة في القرآن مثلما نعرف معاني العهود التي نأخذها من الطرف الآخر؟
الحقيقة أننا نعرف جميعا أن القرآن قطعيّ الصدور ظنّي الدلالة، ولذلك فإن العلماء والمتخصصين في التفسير عندما يفسرون الآية القرآنية يقولون والله أعلم، فهل يمكن أن يكون القرآن عقداً وعهداً مأخوذاً على الإنسان والإنسان لا يعرف المراد منه؟
إذا قلنا أن العهد المأخوذ هو القرآن الكريم، فهذا يضطرنا لافتراض أن هناك واسطة تعلمنا القرآن. وهم ليسوا إلا من خوطب به محمد وآله عليهم السلام. وتجدر الإشارة إلى أن هذا أحد الأدلة المهمة لإثبات الولاية، وأنها تنصيب من قبل الله سبحانه وتعالى. مقابل ما يورده المتكلمون من أدلة الولاية، فالمتكلمون يستدلون على ضرورة تنصيب وليّ بعد رسول الله (ص) بأدلّة اجتماعية في الغالب، فيقولون مثلاً أن رسول الله حاكم ومؤسس دولة وهو صاحب مشروع ويحمل مسؤولية أمة ولا يمكن أن يترك هذا المشروع وهذه الأمة بلا حاكم عليها. والحق أنه يشكل على هذا الدليل بالقول: يمكن أن يكون هناك إنسان عادل ويقوم بتعيين خلف عادل له، وليس ذلك من خصوصيات الرسول والرسالة. بينما الدليل الفعلي هو أننا بحاجة إلى من يفهمنا العقد الذي بيننا وبين الله أكثر من حاجتنا لمن يقيم العدل، لأنّ ذلك العالم هو عالم الخلود والبقاء وهو الأهمّ.
ضرورة الوجود الحسيّ للعهد:
إذن لابد أن يكون هناك واسطة يفهم تماماً ما ورد في هذا العقد والعهد، ويكون الاتصال به ممكناً وله وجود حسيّ عينيّ. لاحظوا كيف يعبر الله سبحانه عن الوجود البدني لمحمد بن عبدالله (ص) يقول: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾ الفتح 10 يد الله أي يد رسول الله. في الأخبار أن رسول الله (ص) إذا أراد أن يبايع المؤمنين يضع يده فتصير يد الله فوق أيديهم. هذه الآية مثل قول الله سبحانه: ﴿ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى ﴾ الأنفال 17 الرامي والفاعل الذي نراه في الخارج وهو رسول الله (ص) لكن في الحقيقة إذا أخذنا السلسلة الفعلية للفعل نجد أنه صادر عن الله سبحانه.
الموجود الذي يصل إلى مرحلة يكون بها يد الله و لسان الله و عين الله ويعي القرآن بكل تفاصيله فهذا الإنسان هو الوجود الحسي لعهد الله في هذه الأرض فالعهد لا يُحتمل فيه التشابه و الغموض والظنيات. ولذلك نحن نقول أن الضرورة العقلية تقتضي أن يكون هناك قرآن مجسد في الخارج. ومن هنا فإن معنى قول رسول الله (ص) (إني تارك فيكم أمرين أحدهما أطول من الآخر: كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الارض وعترتي ألا وإنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض)(5) لن يفترقا ليس من حيث الزمان بل أنه لا انفكاك بين الآيات القرآنية وبين آل محمد (ع) و انفكاكهم يعني انثلام الدين.
جاء في وصية أمير المؤمنين (ع) لمحمد ابن الحنفية ( إقرأ وارقَ )(6) والرقي هنا للإنسان، فهو يرتبط بروح الآية ويتحد وينسجم معها فيُصبح هو والقرآن شيئاً واحداً هذا الإنسان يُصبح هو العهد المعهود والميثاق المأخوذ. ومن هنا سمي يوم الغدير بيوم العهد المعهود والميثاق المأخوذ ولكن هل هذا العقد المأخوذ كان مع أمير المؤمنين ع في يوم الغدير؟
لنجيب على ذلك لابد أن نعرف حقيقة يوم الغدير وهل أن يوم الغدير والعهد المعهود والعقد المأخوذ هو تلك البيعة التي عقدها رسول الله لأمير المؤمنين في غدير خم في السنة العاشرة من الهجرة وانتهى أو أن العقد له ارتباط بوجود الطرفين بشكل دائم؟
بقاء العهد ببقاء طرفيه:
الجواب: العقد لابد من وجود طرفيه حتى يبقى ويستمر ولذا فالعقد الذي أخذ في يوم الغدير بمعناه الحقيقي لا يقتصر على يوم الغدير فقط بل هو يتكرر دائماً لأن الطرف الذي عقد معه العقد ( أمير المؤمنين ) له طبيعة وجود مطلقة مجردة عن الزمان والمكان. لأن مقتضى كون هذا العهد عهداً إلهياً أن يأخذ ممثله ومجسّده الخصائص الربانية.
وإذا تأملنا في خصائص علي وأبنائه عليهم السلام نجد أنهم مظهر كامل لله سبحانه، يقول تعالى: ﴿ كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإِكْرَامِ ﴾ الرحمن 26/ 28 ويقول ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ القصص 88 هناك فرق بين أن يبقى ربك وبين أن يبقى وجه ربك. ولنفهم ذلك لابد أن نوضح هذا المعنى:
الله سبحانه هو عين العلم وعين الحياة، وهوخالق الموت والحياة. هذه الحياة التي أوجدها الله هي صفة لفعله سبحانه. وهي مختلفة عن صفة الحياة الذاتية له لأنها متأخرة عن وجود الله سبحانه، فتكون هي ظهوراً الله، وبهذا فهي وجه الله. ولذلك معنى قوله تعالى ﴿ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ ﴾ أي الإنسان الكامل. فوجه الله ليس هو ذات الله، لكنه يحمل صفة البقاء وعدم الفناء لا بذاته بل من قبل الله سبحانه بما أنه مظهر له.
هذه الوجاهة التي يأخذها الذي ينصبه الله هي ما نتوسل به (يا وجيها عند الله أشفع لنا عند الله) لأنه يكون بذلك إنساناً وجيهاً في موقع مسموع الكلمة عند الله، هذا الوجيه يأخذ الخصائص الربوبية من الله سبحانه و لذلك هو حيّ دائماً، وهو مستثنى من كل الأحكام ولذا لا يشمله ﴿ فَصَعِقَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ ﴾ الزمر 68.
هذا الإنسان الوجيه الحيّ يكون العهد و العقد معه دائماً لأن حياته باقية دائمة لا تنتهي. وهو ينتقل بوجوده البدني من عالم إلى عالم لكنه موجود دائماً. ومن هذا المعنى استدل بعض فقهائنا مما ورد في استحباب الانفاق يوم الغدير أن هذا الانفاق لا يختص بيوم الغدير فقط بل يمتد في كل أمر يخدم قضية الغدير، وهو مثل من ينفق مالاً من أجل التهيؤ للحج فهو يحسب في ذلك الضمن مهما تباعد وقته.
يقول (جبران خليل جبران ) (إن علي ابن أبي طالب كلام الله الناطق، قلب الله الواعي، نسبته إلى من عداه من أصحاب رسول الله ص شبه نسبة المعقول للمحسوس ذاته من شدة الاقتراب ممسوس في ذات الله )(7) الممسوس في ذات الله ليس له زمان دون زمان، و العهد و العقد معه مبرم في كل زمان.
موقف الأمّة الدائم من عهد علي (ع):
وكما أنه موجود في كل زمان فأعداؤه الشياطين موجودون أيضاً، ولعل ترجمة ذلك ومن أوضح الأمور في واقعنا الإسلامي ، فنفس الخوارج الذين كانوا يحاربون أمير المؤمنين (ع) يعودون ليحاربوا شيعة أمير المؤمنين بنفس الشعارات و المضامين، فكما أن العهد والعقد مع الأمير (ع) دائم و ممتد فمن وقفوا في وجه هذاالعهد مستمرون في مواجهتهم له .
ورغم أن هذا العهد مع أمير المؤمنين واضح في زماننا أشد الوضوح ، بل يعد من المسلمات، إلا أن الأمة لم تعِ ذلك بعد. أما آن الأوان لهذه الأمة أن تتعلم أن أمانيها، مصلحتها، استقرارها وسلامتها لا يكون إلا بعودتها إلى منهج علي سلام الله عليه الذي يقول “أنا الذي فقأت عين الفتنة”(8) لكن الأمة لم تفهم عليّا من قبل ولم تفهمه إلى اليوم، لذا كان من أكثر الموارد التي يتشكى منها أمير المؤمنين و يتظلم منها من أن هذه الأمة مع وضوح هذا العقد والعهد لم تسلم له لدرجة كانت تقارنه بمعاوية!!
إن أحوج ما تحتاجه الأمة في هذا الوقت و في هذا الزمان هو العودة إلى منهاج أمير المؤمنين (ع) الذي كان لشدة مظلوميته يقول: ” ووالله لأسلمنّ ما سلمت أمور المسلمين ولم يكن فيها جور إلا عليّ خاصة “(9) فأمير المؤمنين (ع) مسلم ما دامت أمور المسلمين بخير حتى إذا هجم على داره صلوات الله عليه فهو مسلم، مادام لم يجمع الحطب إلا على داره فهو مسلّم، مادام سيحفظ بذلك بيضة الدين وكيان الدولة الإسلامية فهو مسلّم … هذا الجرح بقي في قلب علي (ع) يوم اصطف جيشه في النهروان و يوم اصطف له الجيش في صفين، حينها نظر إلى الألوف فأشار إليهم وقال “إيه يا يوم الاثنين” يعني يوم الهجوم على الزهراء (ع) “أينكم عن يوم الاثنين” يعني يوم الهجوم على بنت رسول الله (ص)، جرح الزهراء، فقد الزهراء آلام الزهراء لم تزل تنحت في قلب أمير المؤمنين (ع) حتى آخر لحظاته، حتى في مثل هذه الليلة وفي مثل هذه الساعات، كان يتقلب على فراش مرضه و هو يذكر مصابها و ينعاها..
ألا لعنة الله على الظالمين

(1) بصائر الدرجات : 21
(2) الكافي ج 7 ص 424
(3) أي لا يعرف كنه ذاته سبحانه
(4) الكافي ج2 ص609
(5) بحار الأنوار
(6) وسائل الشيعة ج15 ص168
(7) حاشية الشفاءء ص566/ باب الخليفة والإمام
(8) نهج البلاغة خطبة 91
(9) نهج البلاغة خطبة 94
جيد جيداً نحتاج مثل هذه الأبحاث ومزيد من العمق