تقدم القراءة:

تفسير سورة الغاشية ١

الثلاثاء 22 مايو 2012مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

انتخبت هذه السورة لوضوح وجلاء وعمق ما فيها من حديث عن ولاية أمير المؤمنين سواء على المستوى اللفظي الظاهري، أو على مستوى البحث الروائي أو  العرفاني. لذا سيكون بحثنا حول هذه السورة المباركة ونحاول استعراض ما فيها من نكات ولائيّة. 

يقول تعالى : ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4) تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ (5) لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ (6) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ (7) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8) لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (10)

قبل بدء السير مع الآيات سنتحدّث عن ثواب قراءة سورة الغاشية . ورد أنمن قرأ هذه السورة فقد أحرز ليلة القدر، ومعنى من قرأها أي من فهمها.

وردت هذه الرواية في كتابي كنز الدقائق ونور الثقلين وهما من أفضل الكتب التفسيرية الروائية، في ثواب الأعمال عن أبي عبد الله عليه السلام قال: (من أدمن قراءة هل أتاك حديث الغاشية في فريضة أو نافلة غشّاه الله برحمته في الدنيا والآخرة وآتاه الأمن يوم القيامة من العذاب). وفي مجمع البيان عن رسول الله (ص) : (من قرأها حاسبه الله حسابا يسيرا). 

﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ

 افتتحت السورة بسؤال: هل أتاك حديث الغاشية؟ وهذا أحد فنون الخطاب القرآني الذي تكرّر في أكثر من سورة: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا [الإنسان 1] ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ [الفيل 1 ] … وهكذا. ولعل النكتة في ذلك أن القرآن يريد أن يعالج طبيعة أساسية في الإنسان وهي عدم التركيز الذهني .  الإنسان ذهنه في الأعمّ الأغلب متشتت غير متمركز، منافذ ذهنه كثيرة، وفي اللحظة الواحدة تتوارد عليه الكثير من الخواطر، وينتقل من واد إلى واد، كطائر على الشجرة ينتقل من غصن لآخر بلا رابط ولا سبب، هذا الإنسان إذا أردت أن يتمركز ذهنه في لحظة واحدة اسأله سؤالا، بمجرد أن تسأل إنسانا سؤالا  ما فإن ذهنه يتمركز على نقطة واحدة ليجيب أو على الأقلّ لينتظر الجواب. لذلك أغلب الخطباء والمحاضرين والكتّاب البارعين يبدؤون بطرح سؤال، وهذا من الفنون الجاذبة للمتلقّي، أن تأتي بسؤال هو مورد اهتمام الجميع فالكلّ سينتظر الجواب.

ولأن القرآن جاء ليشكل رابطا بين الإنسان وبين الله تعالى لذلك تبدأ الآيات بالسؤال: هل أتاك؟ السؤال يضع الإنسان في نطاق مسؤولية الجواب، والجواب يجعل بين السائل والمسؤول رابطا واتصالا، يقول له: أنت لست مهملا، أنت مورد اهتمام، الله يريد لهذا القلب المتشتّت المتبعثر أن يجتمع لتكوين نحو اتصال وارتباط بالله.

طبيعة اللغة القرآنية 

يشار للقرآن بعدّة أسماء، نكتفي بالإشارة لثلاثة منها. يسمى كتاب الله مرّة بكلام الله ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ [التوبة 6]، ومرّة يسمّى قرآنا  ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا.. [يوسف2]، ومرّة يسمى حديثا ﴿ .. فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ [المرسلات50]وكلّ واحد من هذه الأسماء فيه نكتة دقيقة وعميقة.

 فالقرآن يعبّر عن نفسه بالكلام إذا أراد أن يتنزّل من مستوى المعلّم إلى مستوى المتكلم، ليزيل الحواجز بينه وبين الإنسان، فمستوى المعلّم يختلف عن مستوى المتكلم، المعلّم عليه شرح الموضوع وتقديمه معنونا ومرتبا ومقروءا، والإنسان أمام المعلّم يكون صرف متلقّ، هذا هو معنى قرآن، أي أنه يعلّم، لكن القرآن ليس دائما يتعامل مع الإنسان كمعلّم، ففي أوقات يتعامل معه كمتكلّم، حين لا يريد أن يجعل هناك طوليّة، بل يريد أن يكون في عرضك، أن يريك أنه الداني في علوّه. فهو إذن كلام كما يتكلم أيّ شخصين مع بعضهما مرة هذا يبدأ الكلام ومرة ذاك، يخرجان من موضوع ويدخلان في آخر ومن فكرة إلى فكرة. إذا عرفنا هذا نفهم لماذا نجد القرآن يتحدث في قضية فقهية وقانونية وفجأة ينتقل إلى مسائل أخلاقية دون أن نجد رابطا يجعل القارئ بسببه إلى اتهام فهمه للعلاقة بين الموضوعين. والواقع أن ما علينا أن نفهمه هو أن القرآن حينها يكون في مورد كلام، أي في مورد إزالة الفوارق والموانع بينه وبين محدّثه الإنسان. ويمكن ملاحظة الفرق بين أسلوب الكلام وأسلوب التعليم لو قارّنا مثلا بين كتاب كتبه مؤلّفه، وبين كتاب هو تقرير لمجموعة محاضرات تمّ إلقاؤها، الأخير يبدو أقرب إلى كلام.

أيضا يشار للقرآن بالحديث؛ من التحديث والحداثة. بمعنى أن طرحه دائما متجدّد. ومن يتّهم المتديّنين بأنهم يتبعون منهجا بالغ القدم، وأن مناهج ذلك الزمن وآلياته لا تصلح لهذا الزمن، وأن كتابا نزل في بيئة بدائية وغير مثقّفة يفصلنا عنها زمن طويل، لن يكون صالحا لزماننا، فإننا نجيب عليه بأن خصوصية القرآن أنه نزل ليخاطب الناس في ذلك الزمن القديم بلغة الحداثة، هو لا يبلى بمرور الزمان. والمطالب الموجودة في هذا الكتاب حديثة ومتجدّدة دائما،  وهو كالشمس تماما، فنحن لا نستطيع أن نقول للشمس التي تشرق كلّ يوم بأنها قديمة وما عادت تصلح، لأن هذه الشمس التي تشرق منذ القدم تشرق كلّ يوم إشراقة جديدة، على كائنات جديدة، تحرّك فيها الحياة بشكل جديد، في حين أن الشمس هي هي، وحركتها هي هي، منذ أن خلق الله الدنيا إلى يومنا، كذلك الماء والهواء .. على قدمها إلا أن عطاءها حديث ومتجدد. هذا القرآن على قدمه له في كلّ زمن طرح جديد، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإن الإنسان كلّما قرأ القرآن، ومرّة بعد مرّة تتولّد منه معان جديدة، هذا لأنه كلام الله، وكما أن الله جلّ وعلا كلّ يوم هو في شأن؛ وكما أن صنعه تعالى لا ملل فيه وكما أن الله سبحانه وجوده هو عين الحياة وعين القدرة؛ فكلامه أيضا فيه هذه الصفات.

وقد دفع القرآن هذا الإشكال قبل وقوعه بزمن طويل فعبّر عن الكثير مما ورد فيه من مطالب ومفاهيم بأنها (حديث)، أي أن مطالبه حديثة وتتجدد آنا آنا، ولحظة لحظة، يمكننا تشبيه الأمر بتحديث الصفحات والمواقع، فمع كلّ تحديث تتجدّد الصفحة مع بقاء نفس المادّة والمعارف لكن بإضافات جديدة.والسرّ في هذا هو لأن الله تعالى بكلّ شيء محيط، وعلى كلّ شيء مقيم، وبكلّ شيء عليم، حيّ قيّوم؛ فكلامه كذلك حيّ قيّوم محيط، فهو أوسع وأكبر من أن يحيط به بشر أو أن يحدّ بزمان أو مكان.

الغاشية عذاب ونعيم !

 كثير من المفسرين فسّر الغاشية بالعذاب، وقد أخذوا هذا المعنى من آية ﴿يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ .. [العنكبوت55] صحيح أن الغاشية تنطبق على العذاب، لكنها تنطبق على النعيم أيضا، نعم هناك غاشية عذاب وهناك غاشية رحمة، لكن الغاشية في هذه الآية هي غاشية الولاية، والرحمة، والنعيم. فكلمة الغاشية في حدّ نفسها لا يمكن صرفها لخصوص العذاب إلّا بقرينة، أما المعنى العامّ للغاشية فهو التغطية على نحو الشمول، فمثلا في معراج النبي يعبّر القرآن ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى [النجم16] فما الذي غشى السدرة غير النور والرحمة ..؟ وفي الرواية يقول رسول الله صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله: (كان جبريل يغشاني .. إلى آخر الرواية) فأصل اللفظ لا يستفاد منه العذاب. 

بعد أن يتمركز ذهن الإنسان بسؤاله عن الغاشية، يفتح القرآن نافذة ليعلّمنا ما الذي يحدث في الغاشية، هذا القرآن الذي يدّعي أنه كلام متجدّد متطوّر ماذا لديه عن الغاشية؟ وما الذي سيجري فيها؟

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ

يطلق تعبير ( وجوه )  على عدّة معانٍ :

مرّة نريد بها وجوه القوم أي وجهاؤهم، فكما أنه هناك وجهاء في شقّ الخير والسعادة هناك أيضا وجهاء في عالم الشقاء والانحراف والانحطاط. وجوه كانت سببا أساسيا في انحراف الجميع، تلك الوجوه التي كانت مستكبرة في الدنيا ستأتي يوم القيامة خاشعة، فيكون المعنى أنه في الغاشية سوف تظهر وجوه خاشعة كما ستظهر وجوه عليها النعيم.

ومرة نريد معنى آخر – وكلاهما صحيح- وهو أن الوجه هو مرآة مشاعر الإنسان . فإذا أردت أن تعرف كل ما فيه فكلّ ما فيه يظهر في وجهه رضاه، سخطه، ألمه، حزنه، حبّه، أمله…  قراءة الكفّ خرافة، الصحيح هو قراءة الوجه، لأن كلّ شخصية الإنسان تظهر في وجهه، يحتاج الأمر فقط إلى قارئ حاذق، لذلك لما أراد القرآن بيان هذه الغاشية جاء بالوجوه، لأنها الكاشفة عن المكنون. في هذه النشأة ينحصر هذا العلم بقراءه الوجوه في أشخاص محدّدين، لكن يوم القيامة يصبح الكلّ حاذقا ويعرف كيف يقرأ الوجوه.


تفسير سورة الغاشية
6-2

 وصلنا إلى قوله تعالى : ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (3) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (4)  

قلنا أن الغاشية أحد أسماء يوم القيامة لأنها تغشي الإنسان وتحيط به من كلّ جهة، ولأن القرآن يتكلّم عن مصير الإنسان وعن ما سوف يؤول إليه وضعه فقد بيّن كيفيّة ونحو ذلك اليوم بتعبير الغاشية. وحتّى نقرّب معنى الغاشية  أكثر لنضرب هذا المثال: الإنسان يتلقّى خبرا يفرحه أو خبرا يحزنه فيغشاه هذا الخبر بمعنى يستولي على كلّ كيانه، ويتسلّط على كلّ وجوده، ويهيمن عليه بشكل كامل. الغاشية كذلك فهي تغشى الانسان في كلّ أبعاده الحسيّة والروحيّة والإدراكية، لا أنها تتملّك جانبا واحدا من حيثيات الإنسان،  ليس جوارحه فقط، ليس مشاعره فقط، بل كلّ حيثيّاته فيعيشها بكلّه لا كما يعيش ألم إصابة في أحد أعضائه، هذا النوع من  الألم لا يغشاه في نفسه وروحه وإدراكه، فهو لا يزال يفكّرويدرك مع وجود الألم  في حين أن  الألم والوجع الذي يسيطر على الإنسان في يوم القيامة يغشيّ ويغطّي كل جوانبه .

﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ 

 الآية تبيّن نافذة تعريف الغاشية، وهي أنها سوف تظهر على الوجوه. فإذا قلنا أن المراد بكلمة (وجوه)  وجوه القوم والثلّة الذين كان لهم تأثير في تحريك الناس نحو الباطل . واستحقوا  بذلك الاختصاص في ذلك اليوم بظهور ما غشاهم من العذاب على وجوههم. ويقابلهم  أناس لهم موقع ووجاهة في جانب الخير والتحريك نحوه فاستحقوا ظهور النعيم على وجوههم .  

هذا الفهم مقبول وليس ببعيد، والسرّ في ذلك أنه إذا أكرم أو أهين رموز قوم فقد أهين كلّ القوم. أضرب لكم مثالا:  لو حدث انتصار في إيران ورأينا السيّد القائد مسرورا مبتسما فسنشاركه جميعا  السرور والابتسام لأنه وجهنا، وسعادته سعادتنا. في ذلك العالم تظهر وتبرز الروابط الواقعية، إكرام الرموز أو إذلالها هو إكرام أو إذلال للأتباع وذلك لأنها غاشية، ولا تدع أحدا، وما يفعل بأحد الوجوه سوف يؤثر على بقيّة أتباعه، كما أنه إذا غشي النعيم  أو الشقاء وجوه قوم فسوف يظهر على وجوه المرتبطين بهم. إذن فحديث الغاشية حديث متجدّد ومتطوّر وحادث ومؤثر ومحرّك ويشرق على النفس إشراقة جديدة، لأنه في الحقيقة كلام حول أهمّ ما يطلبه الإنسان وهو سعادته، وأهمّ ما يفرّ منه الإنسان وهو شقاؤه، فإذا ذلّت وجوه قوم وسيئت وظهرت عليها معالم الخشوع فقد شملت جميع اتباعهم.

قد يقال أن الخشوع شيء إيجابي فكي يوصف به المجرمون؟ والحال أنه ليس كذلك. الخشوع يكون للمحبّة ، والتعلق، والعشق، والولَه. ورد في أدعية السحر لشهر رمضان (اَللّـهُمَّ اِنّي اَسْاَلُكَ خُشُوعَ الإيمانِ) لاحظوا خشوع  الطفل إذا أراد التقرّب لأمّه وأبيه، الطالب إذا أراد التقرّب لأستاذه، ترون الخشوع في وجهه، فالخشوع يكون عند إرادة التقرّب من شخص رفيع وفي أيّ علاقة طوليّة.  لكن الخشوع الذي تتكلّم عنه الآية هو خشوع الذلّة والمهانة.

﴿عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ

هذه الآية تبين سبب خشوع تلك الوجوه ، فلماذا تخشع هذه الوجوه ؟ هل لأنها تركت العمل وأهملت في هذه الدنيا؟ الصحيح هو العكس..  لأنها عاملة! هذه الذلّة التي تعتري تلك الوجوه، وهذا الخشوع الذي يغشاهم من كلّ حيث في جوارحهم ،أرواحهم، إدراكهم، فكرهم .. سببه ليس أنهم لم يعملوا بل بالعكس لأنهم عملوالكن عملوا ضدّ الحق .  والروايات كثيرة عن الإمامين الصادق والكاظم عليهما السلام في أن هذه الآية نزلت فيمن بدّل واستبدل و نصب العداء لعليّ عليه السلام وأتباعه . ورد في الكافي عن الصادق عليه السلام في نفسير قوله تعالى (هل أتيك حديث الغاشية) قال:  يغشاهم القائم عليه السلام بالسيف .( خاشعة ) قال:  لا تطيق الامتناع . (عاملة ) قال : عملت بغير ما أنزل الله. ( ناصبة)  قال:  نصبت غير ولاة أمر الله . (تصلى نارا حامية) قال : تصلى نار الحرب في الدنيا على أهل القائم عليه السلام وفي الاخرة نار جهنم .

 
هناك رابط بين (عاملة) و (ناصبة) : الإنسان الذي يعارض الحقّ في هذا الكون وينصّب نفسه بديلا لأهل الحقّ،لكي يحافظ على موقعه ، عليه دائما أن يعارض الحقّ وأهله وبشكل مستمرّ، ويبذل كلّ ما بوسعه من طاقات وجهود لمواراة الحقّ وإخماده.  العلاّمةصاحب الميزان عنده نكتة لطيفة تتعلّق بقصة إخوان يوسف، يقول: أن إخوان يوسف لما جاؤوا وقالوا أن يوسف أكله الذئب كانت هذه كذبة واحدة، هذه الكذبة جرّت وراءها عمرا من الكذب، لأن الناس سيسألونهم كيف أكل الذئب يوسف؟ وسيحتاجون لكذبة ثانية، ثم سيسألونهم: أين كنتم حين أكله الذئب؟ وسيكذبون ثالثة، وهل دافع أحد منكم عنه؟ وسيخترعون كذبة رابعة،وهكذا ..  من يكذب كذبة واحدة سيبقى يكذب إلى ما لا نهاية، من يأتي بدعوى باطلة سيضطرّ أن يأتي بدعاوى باطلة بلا حدّ ليرفدها ويسندها، وسيؤدّي به ذلك للانحراف عن الحقّة .

ولصاحب الميزان نظرية رائعة. يقول:  أن هذا الكون قائم على سلاسل مترابطة من الحقّ، ومن يقوم بحرف حلقة من حلقات الحقّ فهو يحرف معها حلقات السلسلة كلّها، لأن هذا الكون متّصل مترابط. والإنسان الذي ينحرف عن الحقّ إلى الباطل سيجد نفسه مضطرّا لكي يعيش أن يدعم الباطل ضدّ الحقّ طوال حياته.  ولذلك كانت هذه الوجوه عاملة، يستحيل أن تترك العمل،لأنها ما أن تغفل أو تترك العمل حتّى ينكشف للناس أنها باطل، فكلّ حقيقة تجرّ إلى حقيقة، وكلّ باطل يجرّ إلى باطل والكون قائم على هذا النظام.

 الإنسان الذي يدور الحقّ معه أينما دار هل يمكن أن يعترف مخالفه بحقيقة واحدة؟ أين يدور هذا الذي يخالف شخصا يدور الحقّ معه حيثما دار؟  يجب أن يخترع له باطلا يدور حوله، ويصطنع له باطلا بعد باطل، وسيكدح ويتعب في سبيل ذلك..  سيفتح المؤسسات والمدارس ويدفع الأموال ويلقي الخطابات، فهو مضطرّ للعمل ليسدّ الثغرات والفجوات، لذلك هذه الوجوه خاشعه لأنها عاملة وما عملته أدّى إلى ذلّتها . فلو أنها أهملت ولم تعمل لما كان الكلام عن النواصب. الناس الذين لا يعرفون الحقّ من الباطل؛ ولا نصبوا العداء لأمير المؤمنين لا هم سنّة ولا شيعة، لا موالين ولا غير موالين، هؤلاء الذين يأكلون ويتمتّعون كما تتمتع الأنعام – أعلى الله مقامكم-  في النهاية الله سيقرّر مصيرهم،ولا شأن لنا بهم، ويمكن أن نتعايش ونتعامل معهم . أما الذين يشوّشون ويفسدون الواقع هم العاملة.

المعنيون في الآية هم النواصب الذين يعملون ضد مشروع الولاية فهم ليسوا ناصبة فقط بل عاملة ناصبة . هذا الناصب سيصلّي أكثر منك، لأنه يدّعي أن الصلاته هي الصحيحة,  وسيحفظ القرآن ويقيم دور التحفيظ وسيأتي بكل أعمالك مضاعفة لأنه يصطدم مع الحقّ، ولا يريد أن يكتشف الآخرون أنه على باطل ففهو مضطر أن يزيد في العمل، يبالغ في المظاهر والادعاءات، ينفق كلّ طاقته، لذلك كانت الصيغة مستمرة (عاملة) فكلّ شؤونه عمل،لأنه لا يريد ترك ثغرة لأهل الحقّ يمكن أن يظهروا منها. مثله مثل المرابط على جبهة الباطل، ويتصدّى لمواجهة الحقّ، هذا بشكل دائم يجب أن يخترع خططا جديدة، فنون جديدة، باطلا جديدا،  وعبر التاريخ يزداد هذا الباطل ويشتدّ.

مثل هذا الإنسان نسميه (عامل) لكن عمله ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، والروايات في ذلك كثيرة . (روي بالإسناد عن المعلى بن خنيس قال : قال أبو عبد الله (عليه السلام) : يا معلى لو أن عبداً عبد الله مأة عام بين الركن والمقام يصوم نهاراً ويقوم ليلاً حتى يسقط حاجباه على عينيه ويلتقي تراقيه هرماً جاهلاً بحقنا لم يكن له ثواب ) (1) وفي حديث قال الصادق (عليه السلام) : ( ان أول ما يُسئل عنه العبد إذا وقف بين يدي الله جلّ جلاله عن الصلوات المفروضات وعن الزكاة المفروضة وعن الصيام المفروض وعن الحج المفروض وعن ولايتنا أهل البيت ، فان أقر بولايتنا ثم مات عليها قبلت منه صلواته وصومه وزكاته وحجه ، وان لم يقر بولايتنا بين يدي الله جلّ جلاله لم يقبل الله عز وجلّ منه شيئاًمن اعماله) (2) إنه نفس معنى الآية لكن بلفظ بشريّ .

أعمال هؤلاء ستعود ذلة وعذابا لأنهم انحرفوا عن الحقّ في محور أساسي . هم مضطرّون لأن يقوموا بأعمال كثيرة وينفقوا أموالا كثيرة، لأنه في كلّ فجوة ليس لهم فيها عمل سوف يظهر حقّ. هؤلاء مع كلّ ما عملوه من أعمال ظاهرها وقشرها موافق للدين وللشريعة. هذه الأعمال من حيث الباطن سوف تؤدّي إلى إذلالهم و سيغشاهم العذاب من كلّ جهة، والوصف الإلهيّ المناسب لأعمال هؤلاء أنها لا تسمن ولا تغني من جوع.

 الآية دقيقة . لاحظوا أنه يوجد طعام لا يسمن لكنه يغني من الجوع، تعبير لا يسمن ولا يغني من جوع فلسف أعمال هؤلاء . ومع هذه النتيجة المرعبة فهم يكدحون ويعملون هي ناصبة لاترتاح من العمل وجعلت نفسها دائما في مورد المتابعة والملاحقة والمراقبة، وهي مضطرّة أنها تعادي وتبغض كلّ حقيقة في هذا الكون. الناصب لا يكره مرة ويحبّ مرة بل هو لا يستطيع أن لا يكره، لا يقدر أن لا يسخط، هو دائما لا بدّ أن يزيد على هذه النار الموجودة في قلبه، لا بدّ له أن يصبّ عليها الزيت ليعيش.

 ﴿ تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً 

وهذا الذي يسقي باستمرار شجرة البغض في نفسه، سيكون جزاؤه متناسبا مع عمله وهو نار حامية . ولكن قد يتبادر سؤال : كلّ نار حامية، فما الداعي لوصفها بالحامية؟  والجواب : لأنه يريد أن يقول هذه النار التي ترونها حامية ليست بحامية، هذه النار في الحقيقة نار مُلكية، النار الحامية هي النار الملكوتية التي تغشى الأفئدة، و تصطلي بها الفطرة.  الإنسان مهما قام بالمعاصي يبقى عنده مؤشر في الداخل يدعوه للحق . والذي ينصب العداء لأمير المؤمنين عليه السلام هو يخنق فطرته مع فطرته تأبى هذ الحقد ولا تقبله، لكنه يضع الزيت على النار لكي تزداد اشتعالا لذا سوف يلقى نارا حامية.

أختم بهذه الرواية عن علل الشرائع، عن أبي إسحاق أحد أصحاب الإمام الباقر (ع)، يقول للإمام الباقر أنا أجد في أعدائكم ومبغضيكم وناصبيكم من يكثر من الصلاة والصيام، ويخرج الزكاة، ويتابع بين الحجّ والعمرة، ويحضّ على الجهاد، وعلى البرّ وصلة الرحم، وقضاء حقوق الإخوان، ومواساتهم في ماله، ويتجنّب شرب الخمر وسائر الفواحش، الإمام يجيب أبا إسحاق إن ناصبا بالمواصفات التي ذكرت لو أعطي ما بين المشرق والمغرب ذهبا وفضّة على أن يزول عن محبة الطواغيت ما زال عن محبّتهم،لاحظوا الإمام ماذا يطلب؟ يطلب أشرف شيء في الإنسان.. قلبه، أشرف شئ يعالج ما هو أدون في الشرافة، أنت تريد أن تعالج قلبه، تعطيه كلّ شيء حتّى تحرف قلبه من موالاة الطواغيت إلى موالاة المعصومين لكنه لا يفعل ولا يرتدع ولا يرجع ولو ضربت خياشيمه بالسيف، وإذا سمع أحدهم منقبة في أمير المؤمنين (ع) أو في شيعته اشمئزّ من ذلك وتغيّر لونه، وشوهد كراهية ذلك في وجهه، بغضا لأولياء الله، ومحبّة لأعداء الله. ثم تبسّم الباقر (ع) و قال: هيهات يا إبراهيم.. هلكت العاملة الناصبة، تصلى نارا حامية تسقى من عين آنية).

_____________________________________

(1) المحاسن : 90 ، عقاب الأعمال : 197

(2) أمالي الصدوق : 154

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬948 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها