ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الإمام الحسن ﴿؏﴾ يجتاز الصعاب ويعالج المغالطات*

تقدم القراءة:

الإمام الحسن ﴿؏﴾ يجتاز الصعاب ويعالج المغالطات*

الأثنين 17 رمضان 1443مساءًالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

لرسول الله (ص) والصديقة الطاهرة وأمير المؤمنين والأئمة ﴿؏﴾ جميعًا، مراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية أبرك وأهنأ الأعياد بميلاد أبي محمد الحسن السبط ﴿؏﴾.

إن يوم ميلاده ﴿؏﴾ يوم فرحة كبيرة، وعيد سعيد للمسلمين، الإمام الحسن صلوات الله عليه عطاء من الله ﷻ غير مجذوذ، كل الشكر للمؤمنين والمؤمنات على الإصرار على الاحتفاء بيوم مولده المبارك، وإعطائه هذه الأهمية وهذا نوع من إظهار المودة والمحبة، وهو محسوب ضمن ولائهم وحبهم لرسول الله (ص) الذي قال كما جاء في كتاب الله العزيز:” قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ” الشورى:23.

موقعية ومقام الإمام الحسن ﴿؏﴾

إنّ موقعية ومقام الإمام الحسن ﴿؏﴾ في الوجود وفي الأمة الإسلامية لم يكن مجهولًا عند المسلمين.

ولكن هناك عوامل أساسية وأصيلة أظهرت موقعيته ﴿؏﴾ ومنها:

أولًا: الإظهار القرآني الذي ثبّت هذه الموقعية إما تلويحًا؛ كما في سورة هل أتى وغيرها من السور، أو تصريحًا؛ كما في آية المباهلة: (فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) آل عمران:61 حيث أمر الله ﷻ النبي (ص) مباهلة نصارى نجران لإثبات التوحيد ووحدانية الله ﷻ؛ فالإمام الحسن ﴿؏﴾ هو ركنًا من أركان التوحيد، كما أنه ركنًا من أركان هذه المباهلة والتي يراد من خلالها إثبات التوحيد وفق أركانه الواقعية، وهم النبي وآل بيته (ص)؛ وذلك بنص الآية الكريمة (أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ) فالإمام الحسن ﴿؏﴾ حفيد رسول الله (ص) وابنه (ص)؛ رغم ما كان يذهب إليه مناوئي أهل البيت ﴿؏﴾ خلاف ذلك.

إن هذا الإعلام القرآني الصريح والواضح فهو في الوقت الذي يشيد فيه بموقف الإمام الحسن ﴿؏﴾، وموقعه من الدين والإسلام والرسالة، هو أيضًا وفي ذات الوقت يفضح مخالفي الإمام الحسن ﴿؏﴾ ومحاربيه ومعاديه ومناوئيه والخارجين عليه، كونهم بمخالفتهم وخروجهم عليه ﴿؏﴾ -وبنص القرآن الكريم- يكونون خارجين على أهم مبدأ يُدخل الإنسان في الإسلام؛ وهو وحدانية الله ﷻ، وقد ورد عن رسول الله (ص) أنه قال: “سمعت جبرئيل ﴿؏﴾ يقول: سمعت الله عز وجل يقول: “لا إله إلا الله حصني، فمن دخل حصني أمن (من) عذابي”(1)  فمن يخالف الإمام الحسن ﴿؏﴾ أو يعاديه؛ فقد خرج عن هذا الحصن؛ لأنه وبناءً على آية المباهلة، فإنّ قيام خيمة التوحيد والإيمان لا تقوم إلا بهؤلاء الخمسة، وهذا ما فهمه المسلمون بوضوح؛ وعليه فمن يخرج أحد من الخمسة؛ رسول الله -صلوات الله عليهم- أو أحد من أهل بيته ﴿؏﴾ الحسن، والحسين، والصدّيقة الزهراء، وأمير المؤمنين ﴿؏﴾، يُشك في إقراره بوحدانية الله ﷻ.

ثانيًا: أقوال النبي (ص) الكثيرة، وأفعاله؛ وسنته الثابتة والقطعية في إظهار محبته وتعلقه القلبي بالإمام الحسن ﴿؏﴾، وهذا مما لا يشوبه أدنى شك ولا تردد من زمن رسول الله (ص) إلى وقتنا الحالي.

وكشاهد رواية نقلها الفريقان حول هذه المحبة والالتحام بين الإمام الحسن ورسول الله (ص)، فقد روى جار الله فخر الخوارزمي أبو القاسم محمود بن عمر الزمخشري بإسناده إلى محمد بن أحمد بن علي بن شاذان قال: حدثنا الحسن بن حمزة عن علي بن محمد بن قتيبة عن الفضل بن شاذان عن محمد بن زياد عن حميد بن صالح الى أن رفع الحديث، قال رسول الله (ص): (فاطمة بهجة قلبي وابناها ثمرة فؤادي)(2)

 وعليه يكون من التناقض لمجرد التصور بأنه يصح من المسلم عدم إظهار المحبة لثمرة فؤاد رسول الله (ص)؛ فضلًا عن معاداته؛ لأنها بالنتيجة معادة ومحاربة لرسول الله (ص).

خيار الإمام الحسن ﴿؏﴾ هو الخيار الإلهي لاستنقاذ الأمة

إن في آيات كتاب الله العزيز، وسنة رسوله الكريم (ص) ما يكفي لإدراك المسلمين كافة لوجوب ولاية الإمام الحسن (ع) وطاعته والارتداع عن مخالفته ومحاربته؛ ولكن حيث أن الأمور جرت على خلاف ما أراد الله ﷻ لهذه الأمة، حيث أزيح الإمام الحسن ﴿؏﴾ عن موقعه الاعتباري الذي وضعه الله ﷻ فيه، وابتعدت الأمة بذلك عما قدره ﷻ في الواقع واختارت قدرًا آخر؛ مما سبب لها الضياع والفساد والتيه والانحراف.

 في مثل هذا الظرف فلا شك أنّ الإمام الحسن ﴿؏﴾ سيتبنى خيار إخراج الأمة واستنقاذها، وإن كانت الأمة ضعيفة فلن يختار الإمام ﴿؏﴾ ترك الأمة، أو الاصطدام معها؛ فكان خياره ﴿؏﴾ هو الخيار الإلهي -الأصلح والأفضل- لهذه الأمة والأرحم والأرأف بها، ولم يكن هذا الخيار عن ضعف من الإمام ﴿؏﴾ البتة، إذ لا يمكن التشكيك في شجاعة الإمام ﴿؏﴾ بحال من الأحوال لمجرد كونه لم يصل إلى قمة الملك.

جاء في خطبة الإمام السجاد ﴿؏﴾ في الشام وصفًا للأئمة جميعًا حيث قال: أَيُّهَا النَّاسُ، أُعْطِينَا سِتّاً وَفُضِّلْنَا بِسَبْعٍ، أُعْطِينَا الْعِلْمَ وَالْحِلْمَ وَالسَّمَاحَةَ وَالْفَصَاحَةَ وَالشَّجَاعَةَ وَالْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِين”(3)

فصفة الشجاعة للإمام ﴿؏﴾ هي ضرورية، وهي مفاضة من الله ﷻ، والمفيض هنا الباسط اليدين بالعطية، وعندما تكون العطية من الله ﷻ؛ فلا نقيصة فيها البتة، بل تكون في أعلى المراتب والكمالات، أما صفة الشجاعة عند باقي النّاس غالبًا ما تكون اكتسابية؛ فالإنسان من أجل اكتساب ملكة الشجاعة عليه أن يتمرس ويربي نفسه كي يصبح شجاعًا، فتراه مثلًا عند ما يتردد في الإقدام على أمر ما؛ أن لا يحسب مقدار الضرر وما سيجر عليه من تبعات، بل يلزمه أن يتجرأ ويقدم، ومرة بعد أخرى حتى تغدو الشجاعة لدبه ملكة.

ولكي يتضح هذا المدعى لا بدّ من الإشارة إلى جواب السؤال الشائك والذي كثير ما يطرح: ويتكرر في الأذهان، وهو لماذا يوجد اختلاف وربما تباين في المواقف بين الإمام الحسن ﴿؏﴾ والإمام الحسين ﴿؏﴾؟

إن هذا أصل السؤال يُعدّ خطأ، كونه يحوي عدّة مغالطات تحتاج إلى تصحيح؛ ولا يتفق مع الواقعية؛ فالعطايا المفاضة من الله ﷻ شاملة جميع الأئمة ﴿؏﴾ حسب ما جاء في خطبة الإمام السجاد ﴿؏﴾؛ كما أن الحق لا يُختلف فيه، وعليه لا اختلاف بين مواقف الإمامين الحسنين ﴿؏﴾، إنما بدا التفاوت والاختلاف في مواقف ومنهج معاوية ويزيد -عليهما لعائن الله- وقد يصل بهما إلى حد التعارض؛ كون الباطل ليست لديه ثوابت ” تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّىٰ ۚ” الحشر:14، وبالتالي إذا ما ظهر الاختلاف فهو من الجانب الآخر.

عندما حارب أمير المؤمنين ﴿؏﴾ معاوية في صفين، كان ﴿؏﴾ قد أعدّ الجيش قبل شهادته لمحاربته، ووضع له عبد الله بن عباس قائدًا، وعندما وصل هذا الجيش للنخيلة، بدا موقف عبدالله بن عباس المتخاذل جدًا؛ حيث باع نفسه ودينه لمعاوية بعد أن أغراه وأعطاه الأخير الوعود بآلاف الدنانير.

وهكذا كان حال هذا الجيش مع الإمام الحسن ﴿؏﴾؛ فقد كان فيهم ممن سار وسلك منهج قائدهم المتخاذل عبدالله بن عباس، حيث كانوا يبررون له موقفه وتخاذله، وربما كانوا يوهمون أنفسهم أن تصرفه حكيم وفي مكانه، وأنه ربما بهذا التصرف قد شكل حماية لهم، وإنما كانت استجابته لمعاوية هي عين العقل؛ فهو يريد النجاة لنفسه ولهم، بل ربما كان من كان يبرر أنه موقفه نحو من التقية، وأنه الموقف الشرعي المطلوب.

ولربما ليس هذا حال كل الجيش؛ فقد كان فيهم من لم يؤيد ابن عباس، كقيس بن عبادة والذي كان موقفه معارضًا لمواقفه، ولكن رفضه -كفرد- لن يغير في المعادلة شيئًا، فالغالبية كانت تميل نحو السلم(4).

طريق ذات الشوكة

وعليه نجد أن هناك طرف يرتضي معاوية، وهم أهل الشام، وطرف آخر يرتضي تصرف عبدالله بن عباس وهو عدم الدخول في مواجهة مسلحة؛ فكما أن  ليس الجميع كان راضيًا عن معاوية، لم يكن الجميع أيضًا مما لا يرتضي بالإمام الحسن ﴿؏﴾ مطلقًا، بدليل قولهم عندما خيرهم بين الجهاد أو التوقف عن الحرب “البقية البقية يا ابن رسول الله”(5)

والقضية هنا ليس أن هناك جماعة ترتضي معاوية، مقابل أخرى ترتضي بالإمام الحسن ﴿؏﴾ وتريد خيار الحرب والمواجهة؛ بل إنّ هناك جماعة ترتضي بمعاوية،  مقابل أخرى تريد الإمام الحسن ﴿؏﴾ ولكنها في ذات الوقت لا ترتضي الحرب معه ﴿؏﴾، ويتأولون لكل من يذهب مع معاوية.

بالنتيجة لقد سلك الإمام الحسن ﴿؏﴾ طريق ذات الشوكة وهو الطريق الصعب جدًا، وقد اجتازه (ع) بنجاح تام؛ إذ أنه (ع) لو حارب معاوية؛ سيكون قد ترك للأمة المجال أن تصطدم معه، ولو وقُتل بسيف معاوية؛ فسيكون حينها قد قتل بسيف أغلب الأمة.

وفلو قتل معاوية الإمام الحسن ﴿؏﴾ واستشهد، فإن الإمام الحسين ﴿؏﴾ لن يقف متفرجًا، بل سيطالب بدمه، وبالتالي سيستشهد الإمام الحسين ﴿؏﴾ أيضًا، وستصطدم الأمة مع الإمامة وبالتالي يقضى على الإمامة بنحو كامل.

الاصطدام بالإمامة

وانطلاقًا من النقطة السابقة، وكما بيّنا فإن الأمة حين تعادي الإمام الحسن ﴿؏﴾ سوف تصطدم بالإمامة بنحو كامل، فالاصطدام مع الإمام ﴿؏﴾ هو اصطدام بالإمامة؛ وعندما يقع الاصطدام ستتحطم الأمة، أما الإمامة فلا تتحطم؛ كونها جعل إلهي وفعل الله ﷻ، وهي أقوى مظاهر أسماء الله ﷻ في الكون. كذلك وكما بينا أن من يترك صيام شهر رمضان سيصطدم باسم الله الممسك(6).

وستكون هذه الأمة، كبقية الأمم السابقة التي عادت أنبيائها وقتلتهم؛ فأنزل الله ﷻ عليهم العذاب وأهلكهم؛ لأن الأنبياء ﴿؏﴾ مظاهر أسماء الله ﷻ الحاكم، الواهب، الرزاق، العادل، المفيض، فإذا اصطدمت الأمم مع هذه الأسماء هلكت.

فهل يتوقع للإمام الحسن ﴿؏﴾ أن يرتضي لهذه الأمة الاصطدام مع من يريد معاوية من جهة، ومن لا يريد الحرب من جهة أخرى، ويصر على موقف المواجهة ولقتال! لتكون النتيجة شهادته وشهادة الإمام الحسين ﴿؏﴾ قتلًا بسيف معاوية، فهذا أسوء ما يمكن أن يقع لهذه الأمة. إذ الإمامة يجب أن لا تنقطع من الأرض لئلا يوضع الإسلام في نقطة خطرة جدًا؛ فبقاء الإسلام بوجود الإمام ﴿؏﴾ (7).

 من أجل ذلك فإن الإمام الحسن ﴿؏﴾ اختار أن لا يقاتل معاوية، كذلك فإنه ﴿؏﴾ لم يعطِه الشرعية ولم يبايعه؛ وهذا ما لم يصدر من الإمام ﴿؏﴾ بأيّ وجه من الوجوه لا بنحو الرضا أو بنحو القبول، فلا نجده قد أعطى معاوية الزكاة كمثال؛ وهنا يلزم الالتفاف إلى معنى البيعة في القرآن الكريم واضح، وهنا يلزم التفريق بين معنى البيعة فقهيًا والبيعة في القرآن الكريم والتي تعني أن المال والنفس تحت طوع وليّ الأمر الذي تمت مبايعته.

بين الإمام الحسن ﴿؏﴾ وأصحاب الكهف والخيار المشترك

 لقد اختار الإمام الحسن ﴿؏﴾ أن يفتح للأمة الطريق دون الاصطدام معه؛ فلو اصطدمت معه -وكما ذكرنا سابقًا- تكون قد اصطدمت مع اسم اختاره الله ﷻ، وهو اسم من أسماء الله ﷻ، وسوف تصبح كل أعمال الأمة سيئة وخبيثة، وهذا ما لا يرتضيه مقام الإمام ﴿؏﴾ ولا صبره وحلمه، بأن يجر الأمة لأن تنحي هذا المنحى وتنزل إلى هذا المستوى، ولهذا فقد آثر أن يتنحى ﴿؏﴾ ويشق الطريق للأمة كي لا تصطدم به ﴿؏﴾،  فعداوة الإمام ﴿؏﴾ هو عداء لله ﷻ، لرسول الله (ص) والتوحيد.

لقد أراد الإمام الحسن ﴿؏﴾ للناس حكومة الحق، ولكن هناك من الناس من أراد حكومة الباطل، فكان خياره ﴿؏﴾ كخيار أصحاب الكهف؛ حيث كان لهم موقعًا في الحكومة والدولة، ولكن لم تكن لهم قوة المواجهة وفضح الأباطرة، ولم يكن الحل في التقية والمداراة على الجور والظلم، بل كان في خيار الهجرة وإعلان المعارضة السلمية.

ففي مثل تلك الظروف يصبح المعارض بين ثلاث خيارات لا رابع لها:

 الخيار الأول:

قال أصحاب الكهف بعد استيقاظهم وإرسال أحدهم أن يأتي لهم بالطعام (وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا إِنَّهُمْ إِن يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا) الكهف:١٩/ ٢٠ وما ذكرته الآيات الشريفة في قصة أصحاب الكهف هما الخياران الأول والثاني

المواجهة المسلحة، وهذا هو الخيار الأول، وهذا لا يصلح ولا يناسب أصحاب الكهف، إذ لا فائدة منه ترتجى، ولا يمكن أن يحقق أهدافه ولن يصبح أصحاب الكهف آية وإن طالت السنين، فالناس لن تؤمن، ولكن ولكي يصبح أصحاب الكهف آية كان لا بدّ من مضي مدة من الزمن وتكون بهذا المقدار -ثلاثمائة وتسع- ليأتي جيل آخر ويبني عليهم، وتنكشف القضية.

وهذا الأمر ذاته هو ما صنعه الإمام الحسن ﴿؏﴾؛ -بل هنا أشد وأوضح- إذ لم يكن يتناسب مقام ودور ووظيفة الإمام ﴿؏﴾ أن يضع الأمة في المحك فيدفعهم للاصطدام معه، ومعاداة الغالبية، فتخرج الأمة عن مسار التوحيد أولًا، فيرتطمون باسم الله الحسن؛ ويحلّ عليها بذلك سخطه ﷻ، وتصبح قضية المباهلة عملية؛ لم يكن خيار الإمام الحسن ﴿؏﴾ أن يدفع الأمة نحو اتجاه المواجهة.

الخيار الثاني:

والذي فيه احتمالين: فهذه المواجهة قد ينتهي بالرجم؛ وهذا العقاب هو لمن ارتكب جريمة أخلاقية؛ فإذا ما تمّ ذلك، سيتم التشكيك بأصحاب الكهف، وبذلك ستنتهي قضيتهم، ولن يعود لهم تأثير على الناس، وستنتفي هذه الآية التي أجراها الله ﷻ.

الثاني: أن يعيدوهم إلى ملتهم، أيّ الرجوع لمناصبهم وإعطاء الشرعية لحكم الطغاة.

 فالعودة في ملتهم كفر بالله ﷻ، ولو عادوا لملتهم على نحو التقية “وَلَن تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا” لأن هذا هو ما يريده الطغاة الحصول على الشرعية، وتبرير أفعالهم والسكوت المستمر، ورضا الناس بذلك، لذلك فليس باستطاعة أيّ أحد العمل بالتقية في كل الأحوال؛ فهذه أمنية كل الطغاة، وهو الاعتراف بحكمهم والركون إلى الظلم، وإعلان البيعة والتأييد لهم وبشكل معلن وواضح وصريح، وإضفاء الشرعية على تصرفاتهم،

فهذا كما لم يقمّ به أصحاب الكهف؛ محال أن يفعله الإمام ﴿؏﴾؛ فالملك والشرعية هي حق لله ﷻ، وهو من نصب الإمام ﴿؏﴾  وجعله في هذا الموضع ( إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ) يوسف:٤٠

وعليه فإن خيار انسحاب الإمام الحسن ﴿؏﴾ ورضوخه وخضوعه للطغاة وركونه إليهم، من المحال المطلق، فلن يرضخ الإمام ﴿؏﴾ بحال، كما إنه لن يترك الخيار الأصعب والذي لا يرتضيه الطغاة أبدًا، فقد يتصور البعض أن الطغاة يريدون من أهل الحق تركهم والسكوت عنهم فحسب! لكن الطغاة لا يكتفون بأقل من الاعتراف والخضوع والتسليم والرضوخ والتأييد، والتشريع لهم والركون إليهم.

الخيار الثالث:

وهذا الذي اختاره أصحاب الكهف باللجوء للكهف، وهو ذات الخيار الذي اختاره الإمام الحسن ﴿؏﴾ وهو الأصعب؛ فمن جانب لم يلجأ الإمام ﴿؏﴾ إلى المواجهة المسلحة، ولم يضطر الأمة  للاصطدام معه ومحاربته، ومن جهة أخرى لم يُعطِ أيّ أدنى تبرير أو شرعية لمعاوية.

وبذلك تكون قد ثبتت العصمة وأقرر بها للإمام الحسن ﴿؏﴾؛ فمن المحال اختيار الخضوع والركون للظالمين أو الاعتراف بهم ومبايعتهم أو اللجوء إلى التقية فيما لا يقتضيه ذلك ولا اللجوء للمواجهة بما يضع الأمة في موضع الاصطدام والمواجهة؛ لذلك كان خيار الإمام ﴿؏﴾  ودوره هو الأصعب حتى من خيار الحرب.

وعليه أن لا نبرر لأنفسنا كلما اتخذنا موقفًا للسلم أن نرجعه لفعل الإمام الحسن ﴿؏﴾، وأن لا نغالط الحقيقة ونحيد عنها؛ بخلق المبررات الواهية، فالإمام الحسن (ع) كان  قد أختار الخيار الأصعب والأشق.

ولنا الحق أن نفتخر ونؤيد، ونوالي ونبايع ونفرح، ونعتبر أن الإمام الحسن ﴿؏﴾ هو الميزان الصحيح والدقيق؛ فمواقف الإمام الحسن ﴿؏﴾ هي التي تفسر لنا دنيانا وأخرتنا.

نسأل الله ﷻ أن يرزقنا في الدنيا حق معرفته، وفي الآخرة شفاعته، والحمد الله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.


  • * كلمة في ميلاد الإمام الحسن المجتبى ﴿؏﴾ – الدرس 17 ضمن سلسلة ثمرة أيام النعيم.
  1. بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج49-الصفحة123
  2. بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج23-الصفحة110
  3. بحار الأنوار-العلامة المجلسي-ج45-الصفحة138
  4. فخرج معهم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري وقدموا الشام، فأذن لهم معاوية وأعد لهم الخطباء، فقال يا حسن قم فبايع فقام فبايع، ثم قال للحسين عليه السلام قم فبايع فقام فبايع، ثم قال قم يا قيس فبايع فالتفت إلى الحسين عليه السلام ينظر ما يأمره، فقال يا قيس انه امامي يعني الحسن عليه السلام.
    … اختيار معرفة الرجال للشيخ الطوسي ج١ ص٣٢٥.
  5. لما وجد الحسن بن علي عليهما السلام فترة من أنصاره… وكتب معاوية في طلب الصلح إليه وإلى أصحابه خطب خطبة منها:
    (ما ثنانا عن أهل الشام شك ولا ندم، وإنما كنا نقاتلهم بالسلامة والصبر، فشيبت السلامة بالعداوة، والصبر بالجزع، وكنتم في منتدبكم إلى صفين، دينكم أمام دنياكم، فأصبحتم اليوم دنياكم أمام دينكم، ألا وإنا لكم كما كنا ولستم كما كنتم لنا، أصبحتم بين قتيلين: قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون منا ثأره، والباكي خاذل، والباقي ثائر، ومعاوية يدعونا إلى أمر ليس فيه عز ولا نصفة، فإن أردتم الموت، رددناه وحاكمناه إلى الله بظبات السيوف، وإن أردتم الحياة، قبلناه، وأخذنا لكم بالرضى) فناداه الناس من كل جانب: البقية البقية يا بن رسول الله. [السيد ابن طاووس، الملاحم والفتن، ج١، ص ٣٦٢].
  6. يرجآ مراجعة سلسلة بحوث ثمرة أيام النعيم، الدرس (14).
  7. لهذا كان أمير المؤمنين ﴿؏﴾ في صفين عندما يبرز الحسن والحسين ﴿؏﴾ للقتال معًا ما كان يقبل وكان يقول: أملكوا عني هذا الغلام لا يهدني فإني أنفس به عن الموت لئلا ينقطع نسل رسول الله [صلى الله عليه وآله وسلم]) [الشيخ المحمودي، نهج السعادة، ج٢، ص ٢٠].

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 56٬868 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٣ 5 (1)

إن ولاية الله ﷻ منحصرة، وليس لأحد أن يأخذها إلا من نصّبه الله ﷻ، فهي مرتبة من مراتب الوجود الإلهي؛ ولها ذات الخصائص والصفات لولاية الله ﷻ، ولها ذات أحكامها؛ لأنها ممتدة ومتفرعة من الولاية الذاتية لله ﷻ، فهذه الولاية لله ﷻ بالذات، ولأمير المؤمين ﴿؏﴾ بالواسطة وبالتبع.

علي ﴿؏﴾ الرحمة المهداة للوجود ٢ 5 (2)

كل الأعمال، العبادة والجهاد تصبح لغوًا، ما لم تبلغ الولاية موقعها الذي جعله الله ﷻ لها، فإذا وصلنا إلى هذه المعرفة، عرفنا معنى علي ﴿؏﴾ وأدركنا حقيقة ومعنى فقد علي ﴿؏﴾ الذي أظهره الله ﷻ وجلّاه وبيّنه.