ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أهل البيت ﴿؏﴾ ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 امرأة في قلب أمة

تقدم القراءة:

امرأة في قلب أمة

الأثنين 17 جمادى الآخرة 1439مساءًالأثنين

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

أرفع التهاني والتباريك لرسول الله (ص) ولأهل بيت العصمة والطهارة سيما خاتمهم سلام الله عليه، ولمراجعنا وقائد الأمة الإسلامية بمناسبة ميلاد الصديقة الزهراء (ع) وميلاد السيد الإمام (قد) ويوم المرأة، ويحق لنا أن نجعل هذا اليوم أسبوعًا كاملًا نحيي فيه ذكراها لموقعها من الإسلام وموقعها من كل امرأة مسلمة*.

لكي يتربع الإنسان على القلوب ويسودها ويسوسها ويستطيع أن يحركها؛ لا بد أن يُعبئ منطقتين أساسيتين: منطقة في عالم الملكوت والغيب والتي لها جنبة أساسية روحية، ومنطقة هداية الناس والإصلاح والإرشاد والتوجيه والتعليم والخدمة لهم. ويصطلح على هذين المقامين عند أهل الفن بالمقام الملكوتي والمقام الملكي. ويمكننا بيان جذّابية هذين المقامين حين يتوفر عليهما أي إنسان:

ففي البعد الملكوتي: كلما كان الإنسان غارقًا في عالم الغيب والملكوت وفي أسماء الله وصفاته؛ كان أقدر على جذب القلوب للأمور المعنوية. لا يوجد شخص يكره المقامات الغيبية كمقام الرحمة والعلم والمعرفة، وحتى الذي لا يحب العالِم هو يحب العلم، وحتى الذي لا يرحم يحب الرحمة. هذه قيم أساسية، وإذا استوعب الإنسان هذه الحقيقة وملأ هذا الوعاء المعنوي، ولم يترك ثغرة فارغة سوف يتربع في قلوب الناس ويصبح سيدًا جناويا.

وفي البعد الملكي: حين تكون للإنسان في عالم الدنيا إنجازات كبيرة، كأن يكون مصلحًا عادلًا هاديًا معطاءً مؤثرًا فدائيًا له مشروع في إصلاح الناس ومقارعة الطغاة والظلم؛ حينها ستكون له جذابية ويصبح سيدًا.

ولكن القرآن لا يبني على التلازم بين هذين المقامين، فقد يكون الإنسان سيدًا في مقام الإصلاح والإستقامة والتهذيب والتعليم والتوجيه والإرشاد والهداية، وقد يكون سيدًا في مقام مقارعة الطغاة ومظهرا من مظاهر الشجاعة التامة واتخاذ القرارات الكبرى، لكنه ليس ذو مقام في عالم الملكوت. بينما نجد الناس دائمًا يقرنون بين الإنجازات الدنيوية وبين المقامات الغيبية، لكن في الواقع قد يكون للإنسان مقام غيبي ، ويكون صاحب كشف وشهود ورؤيا، ويُزهر لأهل السماوات وأهل الأرض، ولكن لا يكون له دور إصلاحي وعملي بالاحتكاك بالناس، ومثال ذلك قصة نبي الله موسى والخضر (ع). فنبي الله موسى عاش مع فرعون منذ نعومة أظفاره، واعترك مع الظلم وواجهه، فكان المصلح والمرشد والممتحن في بني إسرائيل، ولكن مع كل هذه الإمكانيات التي أعطاها الله لموسى (ع)، ومع أن بني إسرائيل كانوا موعودين بموسى ومنتظرين لظهوره إلا أنهم بعد أن بعثه الله قابلوه بمعاملة سيئة فكانوا يستخفون به وبأوامره ويعصونه ويخدعونه ويثيرون الشائعات ضده.

 ومع كل ما تحلى به نبي الله موسى (ع) من الصبر والشجاعة والتحمل، إلا أن مقامه السماوي لم يكن مقامًا استثنائيًا كمقام الخضر (ع) فقد كان أعلم من موسى في التأويل وأمور الغيب.

إذن فتعبئة إنسان ما لمقامي الملك والملكوت، وسيادته عند أهل السموات كما عند أهل الأرض ليس بينهما تلازم في المنطق القرآني، ولكن هذا لا يعني أن هناك من جمع بين هذين المقامين بنفس النسبة وعبأهما بنحو التمام والكمال وهي الصديقة الزهراء (ع). وقد جاء في الأحاديث أن الزهراء (ع) هي سيدة نساء أهل الجنة(1) فقد سادت عليها السلام في تعبئة أهل الجنة في البعد الجناوي والغيبي والأخروي، البعد الذي يمتلئ بالأنوار، لذلك كانت تُزهر لأهل السموات…، ولم تتربع الزهراء (ع) على القلوب وتصبح سيدة لتعبئتها هذا المقام فقط، فإذا رجعنا إلى عالم الدنيا فالزهراء (ع) كانت سيدة نساء العالمين حيث لا يقاس بشجاعتها وصبرها وحلمها إلا شجاعة وصبر وحلم رسول الله (ص) كما أنها كانت ذات تميز خاص في قدرتها على هداية الناس. هذا المقام للزهراء (ع) لا يعبؤه غيرها، ولذلك هي سيدة أهل الجنة، وسيدة نساء العالمين. فإذا نظرنا إلى عالم الغيب، فقد أنجزت السيدة الزهراء (ع) إنجازاً منقطع النظير، وإذا رجعنا إلى السيدة الزهراء (ع) في مقام عالم الإصلاح والهداية والتوجيه والحجية والتعليم وبيان الواقع؛ وجدنا أنه لم يكن أحد من المسلمين يقدم بين يدي الزهراء (ع) غير الذي تقوله. فقد كان واضحًا للمسلمين أن الزهراء (ع) ترى ما لا يرون وتستشرف أكثر مما يستشرفون.

ولأن الزهراء ملأت عالم الأرض بالهداية والإرشاد، وعالم السماء؛ كانت هي الممتحنة، وهذه هي حقيقة امتحانها. فكلما كانت هذه الدنيا ضيقة على الإنسان فهو ممتحن، لأن هذه الدنيا دار التزاحم ويوجد فيها باطل كثير، لا يتحمله صافي القلب نقي السريرة طاهر الروح، فكم نتعايش نحن مع كمّ هائل من الغبش والشوش والباطل، لكن الزهراء (ع) التي هي صافية من عالم الملكوت لايمكن أن تتحمل هذا العالم. فمعنى أن الصديقة الزهراء عليها السلام ممتحنة، وهو ما نقرؤه في زيارتها ” السلام عليك ياممتحنة “ أنها لصفائها وطهارتها ونورانيتها وبعدها الملكوتي الطاغي من الصعب أن تحشر في هذا الواقع الاجتماعي الضيق، وحين يحشر إنسان بهذه الظرفية الروحية في عالم الأرض وضمن هذا الواقع نقول عنه أنه ممتحن، وهذا يتطلب منه مزيدًا من الحلم والتضحية والإيثار، وأن يعطي أكثر من الآخرين فيضيف على تميزه السماوي تميزًا أرضيًا، ومن هنا كانت الزهراء (ع) سيدة نساء العالمين، وهو مقام يجعل للصديقة الزهراء (ع) موقعًا في الرسالة لا يدانيه أحد.

دور السيدة الزهراء (ع) في نصرة الرسالة

المقولة المشهورة التي نكررها كلنا ونقبلها والتي تقول: أن الإسلام  قام بسيف علي ومال خديجة(2) هي مقولة غير دقيقة وتحتاج إلى تصحيح، وربما تكون مقولة لأحد المفكرين أو المستشرقين. هذه المقولة تقابل بين السيدة خديجة وبين أمير المؤمنين (ع). فلو قلنا أنه يصح المقابلة بين السيدة خديجة وبين أمير المؤمنين؛ إذًا يجب أن نضع حلقة إضافية وهي دور الزهراء (ع) في خدمة الرسالة، فالرسالة لا تنتصر بدون دور للصديقة الزهراء (ع).

ويكمن دور الزهراء (ع) الذي هو أكبر خدمة للرسالة، وضرورة في أصل الرسالة في أنها كانت هي التي تُعبئ قلب رسول الله (ص)، وتملأ موقعًا أساسيًا في حياة رسول الله (ص) من جهة كونه رسولا وصاحب رسالة. فقد ذكرت الروايات أنها منذ أن كان عمرها خمس سنوات وهي تذود عن رسول الله (ص)، في الرواية جاءت تخب وتتعثر بأذيالها (ع). فهل هذه الحركة هي حركة فطرية عاطفية؟ لا يمكن قبول ذلك، فلو كانت صرف حركة فطرية عاطفية لكان يمكن أن تُحمل على أكثر من محمل من ضمنه أن نقول أن البنت بطبيعتها تحن لأبيها والأب يبادلها ذلك، ولو توقفنا على هذا الفهم لما اهتدينا إلى ترجمة هذه السيرة الفاطمية الخاصة التي دعمها رسول الله (ص) بأقوال صريحة وواضحة، فلم تكن سيرتها وسلوكها ع صامتة مسكوتا عنها لتقبل التأويل والاحتمال؛ بل وجّه النبي (ص) سلوكها وسيرتها بأحاديثه وبياناته ليخرج هذه السيرة الفاطمية من الوضع الطبيعي ويضعها في بُعد خدمة الرسالة فنراه يصعد على المنبر ويقول: “فاطمة بضعة مني يقبضني ما يقبضها ويبسطني ما يبسطها”(3)

ونلاحظ أن النبي (ص) قال ذلك على المنبر، ولا يمكن للنبي أن يستخدم الدعاية لنفسه ولا لبيان عواطفه، لأنه إنسان موزون وهادف، بل كان يريد أن يدعم امتداد الزهراء (ع) وموقعها من الرسالة الذي هو موقع الحماية والمحبة لرسول الله (ص)، موقع التعبئة لأمر لا يجده رسول الله (ص) إلا في الصديقة الزهراء(ع). لذلك حاولوا اختطاف هذا المقام العظيم ونسبوه لغيرها، لكي يكون هناك شريك مع الصديقة الزهراء(ع) في هذا المقام .و لو كان هذا المقام غير مهم وليس أساسيا؛ هل اختطف وانتزع هذا المقام أو جُعِل فيه شريك للزهراء!!

 لقد تربعت على قلوب المسلمين في الواقع الملكوتي والغيبي وقد سادت في عالم الجنان، لهذا ليس هناك أحد من المسلمين إلا وأثرت فيه أقوال النبي في الزهراء، ولو كانت تلك المقولات طبيعية عادية لما تناقلها الناس. أليس أحد أسماء الصديقة الزهراء (ع) بضعة رسول الله (ص) ألم يكن يناديها المسلمون: يا بضعة رسول الله؟، لو أن كل ابنة هي بضعة أبيها فهل يعتبر مدحا وثناء وإطراء وتمجيدا للزهراء، وموقعا من مواقع  عظمتها؟

إذن فقد حازت الزهراء (ع) على السيادة في بعد الملك والملكوت، فملأت قلوب الأمّة في البعد الروحي والمعنوي، والبعد الإصلاحي على السواء، فكانت مظهرًا روحيًا صافيًا من جهة، ونموذجًا لمقارعة الظلم وإلقاء الحجة وخدمة الدين من جهة أخرى. هذان المقامان جعلا الزهراء (ع) تنال محبة كل المسلمين، ومن أحب الزهراء (ع) نجا فهي تنقذ محبيها من النار(4)، فمحبتها (ع) هي سبب سعادتنا في الدنيا والآخرة.

أسأل الله أن يرزقنا في الدنيا زيارتها وأن يرزقنا في الآخرة رضاها وشفاعتها.


* مولد السيدة الزهراء (ع) 1439هـ

1- قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: “فاطمة سيّدة نساء أهل الجنّة” / الشيخ محمّد باقر المجلسي ، بحار الأنوار ج ٤۳ ، ص ۳۷.

2- ماقام ولا استقام ديني إلا بشيئين: مال خديجة وسيف علي بن أبي طالب (ع).. / شجرة طوبى ج2 ص20.

3-  المستدرك 3 / 158، مسند أحمد 4 / 323.  ويقول: ” فاطمة بضعة مني، فمن أغضبها فقد أغضبني” / البخاري في صحيحه ج5 ص21و29

4- قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم : “يا سلمان ؛ من أحبّ فاطمة بنتي فهو في الجنّة معي ، ومن أبغضها فهو في النار. يا سلمان: حبّ فاطمة ينفع في مأة من المواطن أيسر ذلك المواطن: الموت والقبر والميزان والمحشر والصراط والمحاسبة، فمن رضيت عنه ابنتي فاطمة رضيتُ عنه، ومن رضيتُ عنه رضي الله عنه، ومن غضبت عليه غضبتُ عليه، ومن غضبتُ عليه غضب الله عليه. يا سلمان؛ ويل لمن يظلمها ويظلم بعلها أمير المؤمنين علياً، وويل لمن يظلم ذريّتها وشيعتها” / الشيخ إبراهيم بن محمّد الجويني، فرائد السمطين ، ج ۲ ، ص ٦۷.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 59٬852 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ذلك القريب مني 5 (2)

عندما نزور أضرحة الأئمة ﴿؏﴾؛ نحاول أن ندنو إلى أقرب نقطة من الضريح، وهذه المسألة ليست خاطئة؛ فقرب الإنسان من الضريح أمرٌ حسنٌ في حدّ نفسه؛ ولكن الحديث هنا ليس كيف نكون قريبين بدنيًا وروحيًا من الإمام ﴿؏﴾؛ بل كيف يكون الإمام ﴿؏﴾ قريبًا منّا

عارفًا بحقها 5 (1)

إن نفس حق السيدة المعصومة (ع) هو محبب ومطلوب، والإمام يريد أن يحرك إليه، وأن أصل معرفتها هو المراد سواءً كان الإنسان في زيارتها عن قرب أو عن بعد أو كان في بيته، فالمراد هو أصل معرفة مقامها (ع) وهذا ماتشير له وتفيده الرواية؛ فهي دعوة للتعرف على مقامها

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.