ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الأشهر الفضيلة ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 شهر النقاوة والطهارة

تقدم القراءة:

شهر النقاوة والطهارة

الثلاثاء 1 رمضان 1442مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

2.8
(4)

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد المصطفى m وآله المنتجبين

السلام عليكم جميعًا ورحمة الله وبركاته

أبارك لجميع المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، مراجعنا بشكل عام، قائد الأمة الإسلامية حلول شهر الله الأعظم، شهر التوبة والمغفرة وشهر الطهارة والتزكية، وأسأله الله ﷻ أن يهلّه على الأمة الإسلامية وعلى المؤمنين بشكل خاص بالنصر والفتح والظفر والتوفيق والعفو والمغفرة  والفرج القريب، وأن يجعل جميع أعمال المؤمنين والمؤمنات منظورة بعين الإمام صلوات الله عليه.

شهر التعبئة والامتلاء

شهر رمضان شهر التعبئة والتهيئة والامتلاء والإعداد والاستعداد للقاء الله ﷻ ونحن نكرر هذا المعنى دائمًا؛ كما نقرأ ذلك أيضًا في أدعية شهر رمضان “اللَّهُمَّ املأ قَلبي حُبّاً لَكَ وَخَشيَةً مِنكَ وَتَصديقاً لَكَ وَإيماناً بِكَ وَفَرَقاً مِنكَ وَشَوقاً إلَيكَ”(١) ، “أن تَملأ قَلبي حُبّاً لَكَ وَخَشيَةً مِنكَ وَتَصديقاً بِكتابِكَ وَإيماناً بِكَ وَفَرَقاً مِنكَ وَشَوقاً إلَيكَ”(٢) ، فكثيرًا ما نقرأ تلك العبائر الواردة في الأدعية الشريفة والتي نرجو بها التقرب لله ﷻ ونلاحظ كم هي عميقة في معناها ومضمونها وحقيقتها، فمثلًا في مقام الحديث عن معنى الامتلاء نجد كيف يكون مدار الخطاب والمقارنة بين الإنسان بما هو فارغ وبين الله ﷻ الصمد الممتلئ والغني عن التعبئة، فالله جلت قدرته كونه صمدًا أي: لا يوجد فيه بعد من أبعاد النقص أو الفجوات.

فمثلا نحن نعبر عن بعض الأجسام المادية بكونها (مصمتة) أو (مصمدة)؛ بمعنى لا يوجد فيها فراغ من جميع جهاتها وأبعادها.

بينما في مقام الحديث عن الإنسان الفقير والفارغ في أصل وجوده، إذ توجد فيه نقاط فراغ كثيرة تملأ وجوده وبحاجة إلى تعبئة؛ فعندما ندعو ونقول: “اللهُمَّ مَن تَعَبَّأ وَتَهَيا وَأعَدَّ وَاستَعَدَّ لِوِفَادَةٍ إلى مَخلوقٍ رَجَاءَ رِفدِهِ وَطَلَبَ نائِلِهِ وَجائِزَتِهِ، فَإلَيكَ يا رَبِّ تَعبيَتي وَاستِعدادي رَجاءَ عَفوِكَ وَطَلَبَ نائِلِكَ وَجائِزَتِكَ”(٣)، فذلك لأننا قبل أن ندعو وقبل أن نتوجه ونتعبّد في كل عمل نريد القيام به فإننا بحاجة لأن نتعبّأ؛ فإذا أردنا القيام بعمل علمي مثلًا  لزمنا أن نتعبأ بالمعلومات والمعارف كي نستطيع أن نسلك طريق هذه الحياة، لأن من يتحرك وهو فارغ لن يستطيع أن يثبت وأن يستقر على شيء، وكما قيل فقاطع الطريق بلا هدى لا ظهرًا أبقى، ولا طريقًا قطع.

فالعبد بما هو عبد هو تمحض في الفقر للغني المطلق، فهو في حقيقة وأصل وجوده فارغ وبحاجة لأن يُملأ ويعبأ، وهذا يشمل المعصوم أيضا؛ فالإنسان نوعًا في قبال الله ﷻ يكون فارغًا؛ يقول الإمام الصادق ﴿؏﴾: “لولا أننا نزداد علمًا لنضبنا”(٤)، ويُفهم من ذلك بأنه حتى المعصوم بما هو إنسان كامل فهو مقابل الله ﷻ ليس صمدًا، وكل ما سوى الله ﷻ فارغًا.

وأيّ إنسان يعتقد أنه في شهر رمضان المبارك أو في سائر شؤونه الحياتية والفكرية والمفاهيمية لايحتاج إلى تعبئة فهو لم يعرف حقيقة نفسه.

فأيّ إنسان يعتقد أنه يمكن أن يعتمد على ما لديه من إمكانات ولا يحتاج إلى الزيادة من الله ﷻ ولا إلى المدد الإلهي سيبقى جاهلًا، فالجهل بذاته فراغًا، والجهل ليس أمرًا وجوديًا، وإنما هو عدمي؛ إذ أن الجهل هو فقد العلم، وعلى ذلك فإننا نجد أن مساحة الجهل في ذات الإنسان كبيرة وتحتاج إلى تعبئة من قبل المعلم والذي هو المعصوم سلام الله عليه؛ ولهذا فإن كثيرًا من تلك المفاهيم التي تركز في أذهان الناس بحاجة إلى تصحيح، وهذه المفاهيم في حقيقتها ابتنت على نحو من الجهل؛ فهذه الفراغات -إن صح التعبير- الناشئة عن الجهل هي عبارة عن صور في الذهن لا حقيقة لها ولا وجود، فلا واقع مطابق لها في الخارج، فهي فراغ في فراغ وعدم في عدم؛ لذا فإننا بحاجة لأن نتعبأ علميًا.

وفي شهر رمضان فالإنسان يحتاج إلى تعبئة من نوع آخر؛ لذا فإن هذا الشهر المبارك هو شهر التهيئة والتعبئة.

شهر النقاوة والطهارة

يحق لنا أن نتسائل ماذا نحتاج في شهر رمضان المبارك لنستعين به على الاستفادة منه بكونه شهر الله ونسبته لله ﷻ.

لا شك إن أهم ما يتعبأ به الإنسان في هذا الشهر المبارك هو النقاوة والطهارة والصفاء.

خلافًا لما نتصور؛ فعندما يكون الإنسان معبأً بأفكار غير صحيحة وأخلاقيات غير نقية؛ فهو معبأ بالعدم أو فلنقل واقعًا ليس معبأ بشيء؛ إذ نقاط ومساحات الفراغ فيه كثيرة. وعلى العكس من ذلك عندما يكون الإنسان نقيًا طاهرًا؛ فالنقاوة والطهارة والتوبة أمر وجودي -كما سوف يتبين- ولهذا عنونا الكلمة ب (شهر النقاوة والطهارة).

كيف يكون شهر رمضان المبارك شهر النقاوة والطهارة؟

نعلم أن شهر رمضان هو شهر القرآن، وقد ذكرنا أن ما يملأ وجود الإنسان هو الله ﷻ الصمد الغني الممتلىء؛ فلا يملأ قلب الإنسان المؤمن إلا كلامه ﷻ، وهذا الأمر للمؤمن خلافًا لغيره، ولتقريب المعنى وبيانه سنعقد مقارنة ولو بنحو عام بين كتابي تفسير (في ظلال القرآن) للسيد قطب وكتاب السيد القائد في تفسيره لسورة براءة، وقد انتخبنا هذا الكتاب -في ظلال القرآن- تحديدًا باعتبار مؤلفه يعدّ أهم مفسر في العالم الإسلامي الغير الشيعي، والذي يتبنى المشروع الإسلامي الحركي، وهذا المشروع فيه خصائص تشبه خصائص المشروع الإسلامي الحركي الشيعي الذي يتبناه السيدان؛ السيد الإمام والسيد القائد. وقد كانا يعتزان  بالكتاب ويعتبرانه التفسير النموذجي في العالم السني.

ومن خلال المقارنة بين كتاب السيد القائد في تفسير سورة براءة وكتاب السيد قطب سوف يتبين لنا التفاوت والفوارق بين المذهبين بشكل ملحوظ وجليّ؛ فنحن وإن لم نقف على جميع تلك الفوارق إلا أننا سنجد ذلك، فبالرغم من كون كلاهما يتبنى الإسلام الحركي الفاعل المؤثر، ويسلك نهج القرآن الكريم النابض والحي، لكن هناك فارقًا جوهريًا بين التفسيرين؛ فالسيد القائد يتبنى الإسلام طبقًا لسلسلة الولاية، في حين أن السيد قطب كتب تفسيره المعروف طبقًا لرؤيته تجاه سلسلة الصحابة والقول بعدالتهم.

ومن خلال المقارنة بين الكتابين سيتبين لنا الثغرات الموجودة في كتاب (في ظلال القرآن) وسيتجلى لنا الاختلاف في المباني والرؤى، وإن كنا نتصور أن الاختلاف في المباني لا تعد مسألة جوهرية في إظهار المائز بين التفسيرين، في حين أن صرف تركيز سيد قطب على نقاوة المجتمع المدني والصحابة وعدالتهم -كونه يتبنى نظرية عدالة الصحابة- لذا لم بتمكن من تفسير سورة براءة تفسيرًا يظهر ما تنطوي عليه كونها السورة الفاضحة كما هو معلوم، خلافًا لتفسير السيد القائد كونه يقول بأصالة الإمامة. ومن خلال هذا المثال وهذه الرؤية في تبني فهم القرآن الكريم نسلط الضوء على بعض تلك الفوارق بين الإنسان المؤمن الإثنى عشري في كل الأعمال التي يقوم بها ويعتقد بها وتُعبأ ذهنه، وبين الفراغ الذي يعيشه غيره وإن كانت تلك الذهنية متوقدة.

إذ لم يكن سيد قطب إنسانًا عاديًّا؛ بل كان عبقريًا من العباقرة متوقد الذهن، قوي الإرادة، واسع الاطلاع، ومن خلال هذا المثال يتجلى لنا كيف أن الاعتقاد بولاية أمير المؤمنين ﴿؏﴾ هي أهم أسباب التعبئة والقرب من الله ﷻ.

بينما الاعتقاد بعدالة الصحابة -وهو وهم في وهم- تجعل تفكير هذا الإنسان يفسر كل التفسيرات تفسيرًا خياليًا وهميًا، لا يطابق الواقع الخارجي بحال.

ومن خلال إدراك هذا السبب نفهم الروايات التي تقول أن من صام بولاية أمير المؤمنين ش صيامه يختلف وصلاته تختلف وكل عباداته تكون بنحو مختلف كونه إنسان معبأ.

وهذا الفهم وهذا المعنى يجعلنا نفهم كيف أن شهر رمضان المبارك والذي هو شهر الله ﷻ وشهر القرآن الكريم هو خير استجابة لتطهير هذه الروح وتعبئتها، وتبيان لما ورد عندنا في أدعية أيام شهر رمضان ولياليه كونه شهر التزكية والتطهير وشهر النقاوة، فلا يُعبأ نقاط وثغرات النقص والخلل إلا كلام الصمد الغني، فلجوء الفقير إلى فقير زلة من عقله وضلال في رأيه.

مبدأ حركة الإنسان التكاملية الاشتدادية الدائرية

هذا المعنى يمكننا أن نعده النقطة الثانية والتي تجيب على التساؤل السابق حول كيفية كون شهر رمضان المبارك هو شهر النقاوة والطهارة.

من الملاحظ أن عندنا في الأدبيات الشيعية بل تعد من المسلمات والمستفادة من الروايات أن شهر رجب هو شهر علي ش، وشهر شعبان هو شهر رسول الله m ، وشهر رمضان هو شهر الله ﷻ.

وعندما نقول أن الإنسان يبدأ بشهر رجب ويختم بشهر الله ﷻ فنحن لا نريد أن نقول أن هناك علاقة طولية؛ بحيث يبدأ الإنسان بشهر رجب فيكوّن علاقة مع أمير المؤمنين ش يدخل بها في حصن الولاية، ثم أمير المؤمنين ش يوصله لرسول الله m فتكون الحركة طولية كأنه يصعد سلّمًا حتى يصل إلى شهر رمضان المبارك.

فهذا الفهم غير صحيح لا من جهة الأبحاث العقلية ولا من جهة فهم الآيات القرآنية، إذ أن الحركة هي حركة اشتدادية ليس بينها انفصال والارتباط بين هذه الأشهر الثلاث يكون كالارتباط بين الدائرة وقطرها التي تشتد وضوحًا؛ ففي الحركة الطولية لو تصورت أنك بعد الفراغ من المرحلة الأولى قد دخلت للمرحلة الثانية ثم انتهيت منها لتدخل المرحلة الثالثة، لكن هذا التصور غير دقيق البتة، فأنت في الحقيقة تدخل شهر رمضان من بوابة دخولك في شهر رجب الأصب.

ماهي الحركة الاشتدادية؟

يرى الفلاسفة والعرفاء أن كل حركة تكاملية في عالم التكوين ومنها حركة الإنسان هي حركة دائرية؛ أي تجعله يبدأ من نقطة ثم يعود إليها.

وهذه الحركة التكاملية والتي يعبّر عنها الفلاسفة بالحركة الجوهرية؛ دائمًا هي حركة اشتدادية، والإنسان المؤمن يبدأ حركته من الولاية، ولذلك جاء في التعبير عن الولاية: “ولاية علي حصني”، فالحصن يكون محيطًا بالمدينة كاملة، “ولا إله إلا الله حصني” إذ ليس معنى ذلك أن هناك حصنان منفكان، بل هما متداخلان في عمق بعضهما، ولهذا يصحًّ أن نفسر مقطع الزيارة بما يتوافق مع هذا المعنى “مَن أرادَ اللهَ بَدَأ بِكُم وَمَن وَحَّدَهُ قَبِلَ عَنكُم وَمَن قَصَدَهُ تَوَجَّهَ بِكُم”(٥) .

وبالعودة لما ذكرناه حول الأشهر الثلاثة سنجد أن المؤمن الموالي في شهر رجب سيتعبأ بهذه التعبئة، وبالولاية التي أخذها معه هي التي ستصحح له الدخول في شهر شعبان المعظم والذي هو شهر النبوة والعلاقة برسول الله m ، كما إن العلاقة التي أوجدها في هذين الشهرين بالأمير ش ورسول الله m هي التي ستصحح له من خلالها الدخول إلى فيض وضيافة الله ﷻ في هذا الشهر المبارك، وهذا المعنى هو ما يفسر لنا الكثير من المتون الدينية.

 

في الزيارة الجامعة نعبر عن أهل البيت أنهم أولو النهى “السَّلامُ عَلى أئِمَّةِ الهُدى وَمَصابِيحِ الدُّجى وَأعلامِ التُّقى وَذَوي النُّهى وَأُولي الحِجى وَكَهفِ الوَرى وَوَرَثَةِ الأنبياءِ وَالمَثَلِ الأعلى وَالدَّعوَةِ الحُسنى وَحُجَجِ اللهِ عَلى أهلِ الدُّنيا وَالآخِرةِ وَالاُولى وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ” بمعنى هم النهاية والغاية، والله ﷻ يعبر عن نفسه أن إليه المنتهى ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنتَهَى﴾ النجم: ٤٢، فكيف يكون المنتهى إليهم صلوات الله عليهم  كونهم الغاية والله ﷻ هو الغاية؛ وهذا يؤيد المعنى أن المسألة ليست بطولية بحيث عندما تدخل في شيء وتنتهي منه تفارقه لتدخل في غيره، وإنما هي حركة اشتدادية؛ فأنت تبدأ بحب علي ﴿؏﴾ والاعتقاد والإيمان به حتى يتملأ قلبك بمحبة علي ش بذات هذا الحب والعلقة كمثل النواة أو النطفة التي يتكون منها الجنين ويكبر حتى يكتمل نموه وتكتمل أعضاءه، فذات هذه النطفة تفرعت ولا شيء خارجها، ولذلك ففي شهر شعبان تتفرع شجرة طوبى، وعندما تتفرع فأنت تدخل في شهر رمضان المبارك.

فهذا المعنى نفهمه من خلال الحركة العقلية والفلسفية التي يقول بها الفلاسفة حول الحركة القطبية والحركة الدائرية، أما من خلال الروايات فجميعنا نعلم أن ولاية أهل البيت ب ليست من المسائل التي ترتبط بأشخاصهم الوجودية، بل هي حقيقة تكوينية؛ وحتى نقرب المعنى نتأمل في هذا المثال؛ فقد نستغرب عندما يمدح أمير المؤمنين علي ش نفسه؛ لأننا نعرف أن أقبح الصدق مدح الذات، فهو وإن كان صدق إلا أنه يعدّ قبيحًا، ولكن هذا المعنى لا يجري على أمير المؤمنين ش؛ لأن أمير المؤمنين ش يجب عليه أن يعرف موقعه في عالم الولاية، وأن يعرّف الآخرين على موقعه في عالم الولاية؛ فالمعصوم عليه أن يعشق نفسه، يجب عليه أن يحب ويتعلق  بنفسه كونها الطريق لله ﷻ ومبدأ الانطلاق لله ﷻ، كل “مَن أرادَ اللهَ بَدَأ بِكُم، فالمعصوم ش يجب أن يبدأ بنفسه، وأن يصل إلى مرحلة من الولاء والإيمان بحقيقة ذاته المندكة في الله ﷻ، وهذا الإيمان يحصل له حضورًيا. وعلى ضوء هذا الفهم سنعرف ماذا يعني أن يمتدح المعصوم نفسه(٦).

وإذا فهمنا وأدركنا هذا المعنى السابق حول الحركة التكاملية الاشتدادية عرفنا كيف أن هذه الأشهر الثلاث هي أشهر نقاوة، لكنها نقاوة اشتدادية؛ ففي شهر رجب المؤمن ينقى بمقدار، وفي شهر شعبان تترقي به مطالب الأدعية وتصير أغلظ وأشدّ، ثم يأتي شهر رمضان المبارك ومن خلال الأدعية الواردة فيه كدعاء أبي حمزة الثمالي الذي يغسل الإنسان نفسه يتطهر حتى لا يترك عليه أي درن أو ذنب.

الفرق بين الحركة الدائرية الرياضية والحركة الدائرية التكاملية

هذه الحركة التكاملية الأخلاقية للإنسان والتي عبرنا عنها بالحركة الاشتدادية الدائرية، فما الفرق بينها وبين الحركة الدائرية الرياضية؟

الحركة الدائرية الهندسية لها نقطة تسمى القطب، وهذه النقطة تكون وسط الدائرة؛ فعندما نضع رأس الفرجار في الوسط، ثم تحرك الفرجار فإن الخط لن يخرج خارج حدوده، بل سيشتد في ذات المسار، وكلما كان الفرجار ثابتًا في منتصف الدائرة، أصبحت الحركة أشدّ انضباطًا وسيشتد لون الخط. بينما في الحركة التكاملية الإنسانية فإنها لا تبدأ من نقطة في المنتصف، وإنما هي تبدأ من أول نقطة عمل فيها صالحًا، بما يعدّ هذا العمل كمركز للفرجار، فهي ليست من المنتصف، وإنما من نقطة البدأ، فقد تكون البداية بصلاة مستحبة أو صلة رحم أو ترك غيبة أو تهذيب للنفس أو ببذل بعض المال أو إعطاء صدقة، فهذا العمل سيعدّ النقطة المركزية وكنقطة القطب، وعندما تعمل في الغدّ أكثر ستشتد أكثر وتزيد، بحيث يكون له حالًا ثم ملكة، وهكذا يرتقي في مدارجها مما ذكر في الكتب الأخلاقية.

وهذا الفرق بين الحركة المادية -الدائرة الرياضية- وبين الدائرة في عالم العرفان وعالم الأخلاق، فشهر رمضان المبارك يجعل الحسنة هي النقطة الأولى التي عملتها فتصطبغ بلون أشدّ وأوضح حتى لدى الملائكة، لذلك ورد في سورة غافر الملائكة يستغفرون للذين آمنوا ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ غافر: ٧، فالحركة تبدأ منذ أن يقرر المؤمن الموالي أن يرتبط بِـ الله ﷻ سواء على صعيد علمي أو على صعيد جهادي أو تضحوي، وهذا هو عينه الفارق بين الحركتين المادية والعرفانية الأخلاقية، ولذلك كلما رجع الإنسان فإن ذات حركته من جديد ستصبح أنقى، وأطهر، وأصفى، وأوضح وأكثر تعبأة، وهذا بخلاف ما نتصوره من أن النقاوة هي أمر عدمي؛ أيّ بمعنى عدم وجود القاذورات والأدران.

محبة علي ش والتعلق به تجعل الإنسان أكثر نقاوة واستعدادًا للتعبئة

ولأن الولاية هي الشرط الأول والأساس للدخول والوفادة؛ فكلما أقتربنا من الولاية أصبح لدينا استعدادًا أكبر، وأصبحنا مؤهلين أكثر وبكفاءة أعلى، وأصبحنا في حضن التوحيد أكثر، ولربما ليس من العبث أن تكون ليلة القدر في أواخر شهر رمضان المبارك، والتي هي ليلة استشهاد أمير المؤمنين ش، فكما هو معلوم فإن النبي m في خطبته في آخر شهر رمضان خطب ثم بكى m فقال له أمير المؤمنين ش ما يبكيك يا رسول الله، قال له أبكي لما سوف يستحل من دمك (٧)، وفي غزوة أحد عندما استشهد الكثير من أصحاب رسول الله m ولم يستشهد أمير المؤمنين ش -رغم أنه كان الكتبية الكاملة، بل إن كل أولئك الذين خرجوا مع النبي m إن كانت لهم مشاركة فهي ببركة أمير المؤمنين ﴿؏﴾-، بكى أمير المؤمنين ش، وقال: يا رسول الله أزويت عني الشهادة -أيّ لن استشهد، أيّ أأموت في فراشي- قال له m تستشهد في شهر رمضان ولم يحدد له رسول الله m ما هي ليلة شهادته(٨)، كما نقرأ في نهج البلاغة وفي خطب أمير المؤمنين ش قوله “أنني لازلت أطلب هذا الأمر”، ويذهب ويرى النجوم والطبيعة علّه يصل إلى مراده، كونه يعلم أنه سوف يستشهد في شهر رمضان المبارك كما أخبره رسول الله m .

لا شك أن الإنسان المؤمن الموالي في مثل ليلة القدر يحدث له محبة وعشق وزيادة في الارتباط بأمير المؤمنين ش، لا شك أن هذا  ليس على نحو الصدفة، فكلما تعلق وارتبط وأحب أمير المؤمنين أكثر حينها سيصبح أكثر نقاوة وأكثر استعدادًا لنزول الملائكة، سيكون أكثر استعدادًا للتعبأة، فمالذي يمكن أن يعبأ الإنسان أكثر من محبة وولاية أمير المؤمنين ش؟!

وصلى الله على محمد وآل بيته الطيبين الطاهرين.

 


  1.  دعاء في السحر
  2. دعاء أبي حمزة الثمالي
  3. أدعية ليلة الجمعة
  4. الكافي/ الشيخ الكليني
  5. الزيارة الجامعة الكبيرة
  6. وعلى هذا المعنى نفهم كثير من القضايا، فعندما تطالب الصدّيقة الزهراء س بأرض فدك؛ فهذه ليست من أموالها الشخصية، وهذه الأموال لا بدّ لها وأن تنفقها في نشر الولاية، وإعلاء كلمة الدين ونشر راية التوحيد؛ لذلك هي تطالب بها.
  7. “بكى رسول الله m فقلت: ما يبكيك، فقال: أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر، كأني بك وأنت تصلي لربك وقد اتبعك أشقى الآخرين يتبع أشقى الأولين”. خطبة الرسول في فضل شهر رمضان بحار الأنوار ج ٤٢ / ص١٩٠
  8. فقال: ” يا علي إن أمتي سيفتنون من بعدي ” فقلت يا رسول الله: أوليس قد قلت لي يوم أحد حيث استشهد من استشهد من المسلمين وحيزت عني الشهادة (1) فشق ذلك علي فقلت لي: ” أبشر فإن الشهادة من ورائك ” فقال لي: ” إن ذلك لكذلك فكيف صبرك إذا (2) ” فقلت: يا رسول الله ليس هذا من مواطن الصبر، ولكن من مواطن البشرى والشكر (3). نهج البلاغة – خطب الإمام علي (ع) – ج ٢ – الصفحة ٤٩-٥٠

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 2.8 / 5. عدد التقييمات 4

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 2.8 / 5. عدد التقييمات 4

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬828 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.