تقدم القراءة:

سورة النصر تجلٍ للنصر والفتح الإلهي ١

الأربعاء 20 مايو 2020مساءًالأربعاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

نذكر أنفسنا في هذه الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك بما حباه الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وآله من نصر وفتح وظفر بعد أن صبر هو وأهل بيته ﴿؏﴾ والصالحون من أصحابه، وعانوا في سبيل هذه الدعوة الإلهية، كما نذكر أنفسنا بهذا النصر وهذا الفتح نعتقد أن هذا النصر لا يختص بزمان معين ولا مكان معين؛ بل إنه كلما تهيأت أسبابه وعادت كل الأمور الدخيلة في تكوين موضوعه؛ سوف يعود الله سبحانه وتعالى بالنصر والظفر والفتح على هذه الأمة. 

وأقصر سورة قرآنية تعطينا إضاءة على هذا النصر والفتح الإلهي الذي نسبه الله سبحانه وتعالى لنفسه هي سورة النصر، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ  يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ ، فالسورة وحسب أكثر النقولات نزلت في المدينة المنورة قبل فتح مكة في العام السابق لحجة الوداع للنبي الأكرم ومن ثم أعقبه رحيل النبي الأكرم (ص). بدأت السورة بقوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾، وقد وسمت الآيات هذا النصر بكونه نصر الله وهذا التعبير فيه من اللطافة -كما نقل الشهيد مطهري- وكأن هذا النصر مسافرًا وسوف يعود يومًا ما، وقد حان وصوله.

الفرق بين الفتح والنصر:

الحديث في الآيات عن ﴿نَصْرُ اللَّهِ﴾ ويختلف النصر عن الفتح؛ النصر هو صفة يتلبس بها الإنسان فنقول نصَر الله فلانًا أو مايقابلها -والعياذ بالله- خذل الله فلانًا، بينما الفتح؛ يكون للمدن وللأراضي وقد يستخدم أحيانًا بصورة مجازية للأمور المعنوية كذلك، كما قال الامام الحسين ﴿؏﴾: “أما بعد، فإنه من لحق بي منكم استشهد ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام”(١).

أنواع الفتح في القرآن الكريم:

إذا لاحظنا القرآن الكريم عندما يتكلم عن الفتح نجده يتكلم عن نوعين من الفتح ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾ الفتح: ١، هذا الفتح الذي نسميه فتحًا مبينًا المراد منه ما يختص بصلح الحديبية الذي كتبه رسول الله (ص) حيث كانت نيته (ص) أداء الحج مع أصحابه، لكن قريش منعته من الدخول إلى مكة فكتب ذلك الصلح، وفي السنة القادمة حج (ص) مع أصحابه.

ونجد أن الفتح المبين كما وردت تسميته في سورة الفتح منسوب لله ، بينما عندما نتأمل الآيات في سورة النصر كما في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ نجد أن الآيات لم تتحدث عن فاعل هذا الفتح خلافًا لما جاء في سورة الفتح؛ وذلك لأنه قد يتصور البعض في صلح الحديبية أن هذا الموقف صدر من رسول الله (ص) وأن توقيع الصلح من تدبيره، وحتى ينفي الله هذا التصور نسب هذا الفتح لنفسه فقال: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ  فَتْحًا مُّبِينًا﴾.

ولكن باعتبار الفتح في سورة النصر كان فتحًا مطلقًا؛ لذا لم يصفه بأنه مبين أو عظيم، وإنما فتح غير مقيد فقال: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ ولأننا نعلم أن الفتح المطلق لا يمكننا أن نتصور فاعل له إلا الله سبحانه.

فالفتح والنصر في سورة النصر مطلقان؛ ولذا لم يذكر الفاتح والناصر بالاسم ولم ينسبهما لله لأننا نعلم أنه يستحيل أن يتحقق هذا الفتح المطلق من عند غير الله ، فالله سبحانه هو الفتاح على نحو الإطلاق. 

أما بخصوص تسميته بالمبين في صلح الحديبية؛ وذلك لأن الأمر كان واضحًا فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وأصحابه وواقع الدعوة الإسلامية في موقع لا تتوازن فيه القوى بين رسول الله (ص) وبين المشركين؛ فالمسلمون كانوا يعيشون حالة من عدم الأمن؛ فإذا تحقق هذا الأمن بتدبير إلهي سوف يكون هذا الأمن وهذا الفتح بيّن؛ لأن أهم ما يُبحث عنه ويُسعى إليه -بلا شك- هو الأمان من المشركين وهذا الصلح  قد حقق الأمان من المشركين؛ وقد بدا ذلك واضحًا لكل من عايش تلك التجربة مع رسول الله (ص)، وهذا الصلح هو تدبير الله سبحانه وتعالى الذي جعله كخطوة أولية قبل فتح مكة، قبل نصر الله والفتح؛ وحتى يتبين لنا التفاوت بين الفتحين ولتقريب المعنى وكمثال على ذلك: 

نلاحظ موقف الإمامين الحسن والحسين ﴿؏﴾؛ فلو لم يبايع الإمام الحسن صلوات الله وسلامه عليه ولو لم يكتب المعاهدة مع معاوية فما الذي سيجعل الشيعة المنسوبين للإمام الحسن ﴿؏﴾ يعيشون في أمن وأمان بحيث لا يمكن لمعاوية الماكر أن يغدر ويفجر ويمكر بهم، وعندما كتب الإمام الحسن ﴿؏﴾ الصلح ونص على ذلك؛ فقد وضع الخطوة الأولية لتأمين الناس لمدة عشر سنوات فكان ذلك الفتح المبين طريقا لأن يقول الإمام الحسين ﴿؏﴾ مقولته المعروفة: “أما بعد فإنه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام”؛ ولأنه ﴿؏﴾ أطلق الفتح عرفنا أن هذا الفتح الذي سيحدثه الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه سيحدث نصرًا وفتحًا مطلقًا يتحقق تدريجياً ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾ بمعنى رأيت الناس يقصدون الإمام الحسين صلوات الله وسلامه عليه ويتأثروا برسالته فتصبح رسالة عالمية(٢).

آثار الفتح تدريجية:

قد يقول قائل أن الفتح المبين يفترض أن يكون أعظم من الفتح المطلق؛ وهذا القول مدفوع؛ وذلك لأن القرآن الكريم عندما يتكلم عن الفوز ودخول الجنة تارةً يقول: ﴿فَمَن زُحْزِحَ عنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ آل عمران: 185 وتارةً يقول: ﴿فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عظِيمًاۗ الأحزاب: 71 وهذه جميعها تختلف؛ وأعظم فوز هو الفوز العظيم، ولسنا بصدد شرح هذه المعاني، لكن يستفاد من ذلك أن الفتح مثل الفوز على أنواع؛ فقد يكون فتحًا مبينًا وقد يكون فتحًا منسوبًا لله سبحانه؛ بمعنى أنه فتحٌ مطلق، وليست هناك حاجة لأن يقال إذا فتح الله، إذا نصر الله؛ لأنه وبمجرد القول أنه فتحٌ مطلق فليس هناك شريك مع الله ؛ إذ لا يمكن للعقل أن يتصور شريك.

وفي ذلك الظرف الذي نزلت فيه هذه الآيات الكريمة قد يكون تصور هذا الفتح والنصر صعب بالنسبة للمسلمين كونه سوف يتحقق في مركز التوحيد، ولكن هذا الفتح سيتحقق ويظهر تدريجيًا بحيث تزول كل أشكال النفاق والشقاق، وسوف يكون هناك إقبال على الإسلام بحيث تخاف منه قريش؛ لأنه وكما هو معلوم عندما دخل رسول الله (ص) مكة في فتح مكة أسقط أصنامهم ونكس راياتهم بحيث أصبح هناك طوفان بشري يتحدى قريش وأصبحت مضطرة لأن تستسلم. 

النصر والفتح سنة إلهية:

النصر والفتح سنة وإرادة إلهية علينا أن نطلبها من الله سبحانه، هو الناصر والفاتح جلّ  وعلا، وهذا النصر له عدة وظائف بيّنتها سورة النصر كما سيأتي.

  • وظائف النصر الإلهي

هناك ثلاث وظائف في قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ نذكر اثنين منها:

الوظيفة الأولى:

قال تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، وذلك حتى يُعلم أن الله سبحانه تفرد بهذا الفتح وأنه لا فاعل لهذا الفتح إلا هو سبحانه، وعليه لا يمكن أن يكون ذلك الفتح خلاف العدل ولا خلاف الكمال، فالناس عادة في الأحداث الاجتماعية السياسية الكبرى دائمًا ما يبحثون عن مواضع العدل والظلم فيه؛ يبحثون أين إحقاق الحق فيه؟ وحتى يدفع الله سبحانه هذا الوهم قال: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾، أي نزهه عن كل ما خلاه؛ فكل ناقص هو يأخذ كماله ويستلهمه من الله ؛ وعندما يسبح الإنسان الله سبحانه فإنه يرى النقص في نفسه فيعود لله جلّ وعلا؛ لذلك دائمًا ما نلحظ القرن بين التسبيح والتحميد كقول: (سبحان ربي العظيم وبحمده، سبحان ربي الأعلى وبحمده، سبحان الله وبحمده)؛ لأن تنزيه الله عن النقص يستدعي أن نرى أن النقص الواقع هو من غير الله سبحانه، فيجب على هذا الناقص أن يعود لله سبحانه، وإذا عاد لله وحمد الله فسوف ينجو من عيبه يصحح وضعه وسيرجع لله سبحانه ويأخذ من الله ما يزيل نقصه، وبعد لجوء العبد لله سبحانه فلا يرى نقصًا في الله سبحانه وإنما يرجع وقد رمم الله نقصه فيحمد الله ، من هنا نعرف أن الوظيفة الأولى هي التسبيح بحمد الله.

الوظيفة الثانية: 

التي أشارت لها الآيات ﴿وَاسْتَغْفِرْهُ﴾، فكيف نتصور وقوع الاستغفار من رسول الله (ص)؟ هذا ما سوف نبينه في الجلسة القادمة بشكل مفصل، لكننا سنشير هنا إلى هذا المعنى إجمالًا. 

 كلما كان الإنسان أكثر إحساسًا وأكثر نورانيةً، وكان قلبه أكثر صفاءً؛ كلما كان يستحضر الله أكثر، وكلما كان موحدًا أكثر؛ سيصبح أكثر تحسسًا من الأغيار؛ لأن الأغيار أيًا كانوا -ما خلا محمد وآل محمد صلوات الله عليهم- فهم يتركون بصمات على مرآة روح الإنسان، الشهيد مطهري له مقولة في هذا المعنى مفادها: إن الاستغفار مثله مثل من بيده ممسحة؛ كلما أصبح على قلبه رين فإنه يسارع لأن يمسحه، لأنه يخاف أن لا ينعكس على هذا القلب رضوان الله أو فلنقل قرب الله سبحانه، وهذا المعنى هو عينه نفهمه هنا من جهة الاستغفار؛ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾؛ فإن آخر الأماني قد تحققت؛ فلا أمل في إعادة إحياء الشرك في بيت الله كما حدث في فتح مكة، والفتح أيضًا كذلك فالناس بحاجة إلى سنوات لتدخل أفواجًا، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ  يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾(٣)، وحتى لا يشعر الإنسان بالعجب كونه قام بذلك الشيء الذي هو عمل الله سبحانه، يجب أن يستكين لله سبحانه أكثر، فيستغفر الله عن كل ما خلاه عند ذلك تصبح مرآة قلب الإنسان صافية وتستقبل فيض وعطايا الله أكثر.

يأتي تتمة الحديث، وصلى الله على محمد وآل محمد الطيبين الطاهرين.


١. بحار الأنوار – ج: 44 – ص: 330.

٢. من المعلوم أن الناس لا تهتدي دفعة واحدة، وإنما بالتدريج كما سيأتنا.

٣.  كلمة أفواج فيها ترتب يشير إلى التدريج.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬058 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها