تقدم القراءة:

شطر المسجد الحرام ١

الثلاثاء 6 أغسطس 2019صباحًاالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

محاضرات الحج لعام ١٤٤٠هـ

قافلة الهدى

مقدمة

لا شك أن الضيافة الإلهية عناية تستحق الشكر والثناء وتستحق الحمد من قبل الله سبحانه وتعالى؛ سيما ونحن في عالم يضج بكفر النعم والتمرد على الله سبحانه وتعالى والتمرد على كل منعم وكل ولي بحق، وعندما يتوجه الإنسان إلى بيت الله سبحانه وتعالى يشعر بأنه قد وضع قدمه في أول الطريق الصحيح، طريق الحق، ولاشك أن هذا توفيق من الله تعالى وشكر عملي على ما أعطى للإنسان من جسد وإمكانيات مالية ووقت وصحة وما إلى ذلك من شرائط وجوب الحج وأسباب تعلقه في ذمة الإنسان؛ وهذه نعمة كبيرة من الله سبحانه، وهي من أكبر التوفيقات الإلهية، ولربما لم يتحدث القرآن عن فريضة فيها مقتضيات للرحمة الإلهية كما تحدث عن فريضة الحج.

وقد اعتدنا سنوياً – في قافلة الهدى – أن يتم اختيار شعار يحكي ما تنطوي عليه المادة الروحية والفكرية والعقائدية بحيث تجعل الحاج يفهم ويدرك ما يقوم به؛ لأن قيمة الإنسان بمقدار ما يدرك وما يفهم. 

بشكل مختصر يمكن أن أقول: حسب تصنيف الفلسفة والعلوم الإنسانية يقسمون الإنسان بلحاظ متبنّياته ومدركاته وتوجهاته، فيقولون مثلاً: فلان أشعري، فلان معتزلي، فلان فيلسوف، عقلائي… وهكذا.

فالإنسان إذا تهيأ وتعبأ بمدرسة ووعي ومنهج معين يوصف بذلك المنهج وتلك المدرسة ( أشعري أو معتزلي أو فيلسوف …)؛ لأنه يتغير ويتطوّر حسب متبنياته. قد يأخذ الإنسان الأعمال والعبادات والأوامر الإلهية على أنها صرف طقوس عبادية؛ فمثلًا  يبكي إذا سمع دعاء عرفة وينفعل عندما يدخل إلى الكعبة ويتعارف على الناس وهو في الطريق لرحلته، وتكون له قصيدة يرددها مع الحضور كشعار، ويخضع لبرنامج معين وهو في حجه… دون أن يؤثر ذلك في بناءه وتفكيره الأساسي، وقد يعتقد أن ذلك هو حقيقة الحج الكامل، في حين أنه لم يأتِ بالحج الكامل ولا يمكن أن يكون حاجًا كاملًا.

وقد اعتنى القرآن الكريم بتلك الرحلة والتي تستغرق أقصر فترة من الممكن أن نتصورها، فالحج  قد يستغرق 6 إلى 10 أيام مثلًا  بل أقل، وبالرغم من ذلك فإن هذه الرحلة تفعل مفاعيلها في الإنسان بحيث تحول ذاته من إنسان يتبنى رؤية ومدرسة معينة إلى إنسان ذي رؤية مختلفة، بمعنى أن يتغيّر ذاته هو، وكشاهد على ما نقول – وإن كان المقام يضيق عن ذكر الشواهد – هو: أشعار الفلاسفة والعرفاء والمفكرين الذين يجعلون الإدراك والعلم والمعرفة والأحوال الروحية هي المرتكز الأساس وهي المحور الذي تدور حوله أحوال الإنسان. 

الشعار المنتخب 

من هنا فإننا نحاول أن ننتخب شعارًا يتناسب ووضعية الحج والحجاج وحاجاتهم بالدرجة الأولى.

ويمكننا القول: أنه لا توجد آية قرآنية تتكلم عن الحج أو عن الكعبة ثم لا يمكن أن تكون شعاراً، لكننا بحاجة لأن نقيس الأحداث والملابسات والحاجات والأمور المحيطة بالإنسان والتي نحن بحاجة لتسليط الضوء عليها، حتى ينتزع الإنسان عن هذا الواقع الذي يشده ويجذبه بعيدا عن أن يكون محسوبًا في شخصيته على ضيوف الرحمن فيتغير ويتحوّل ويتبدل، ونعلم أن الخطوة الأولى في التغير والتحول هي مسألة إرادة واختيار، وهذا ما يميز الإنسان؛ ولأن الإنسان يختار فإنه قابل لأن يتغير. يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الرعد: 11

كما وأن فكرة انتخاب شعار وحمل شعار ليست بدعة، وليست قافلة الهدى هي من اخترعتها؛ بل أن الصديقة الزهراء (ع ) وهي تكلم أصحاب الرسول (ص) قد قالت: (أَنْتُمْ عبادَ الله نُصْبُ أمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَحَمَلَةُ دينِهِ وَوَحْيِهِ، وِأُمَناءُ اللهِ على أنْفُسِكُمْ)(١)، أي أنتم رأيتم رسول الله (ص) وسمعتم رسول الله (ص) فكل فرد منكم هو أمين في نقل ما سمعه وعلمه إلى الأمم، وإلا كيف ينتشر القرآن؟ وكيف ينتشر المذهب والحقيقة والدين؟! 

لا شك أنه في مقابل الحرب الناعمة والأفكار المنحرفة وما يطرح في هذا العالم الذي يضج بإبعاد الناس عن الله سبحانه، يتعين على كل منا في المقابل أن يحمل وظيفة ورسالة.

وفيما يرتبط بشعار هذا العام، فهو ليس آية فحسب؛ بل هو مجموع الآيات التي قبل الآية المنتخبة والآيات التي تليها أيضا وهذه الآية هي قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ البقرة: 144

وكمقدمة لفهم الآيات التي انتخبنا منها الشعار نقول:

أن الآيات التي تلي هذا الأمر الموجه من الله لرسوله (ص) – فول وجهك شطر المسجد الحرام – تخاطب كل المسلمين فتقول: ( فولوا وجوهكم شطره). 

يلفتنا في الآيات استخدام كلمة شطر (فول وجهك شطر المسجد الحرام) ثم تقول ﴿وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ البقرة: 144 فإن استخدام شطر المسجد الحرام – كما يقول صاحب الميزان – ما مفاده: أن هذه من الآيات التي اختزلت حركة الإنسان من بدء تاريخ الأنبياء إلى أعلى مرحلة يرضاها رسول الله (ص)؛ وهذا المعنى مستفاد من الآية السابقة لهذه الآية والتي تقول: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ البقرة: 144

إذن هناك شطران: الأوّل: التولي تجاه المسجد الحرام وهو رضا رسول الله (ص) وهذا الأمر هو إرادة من الله سبحانه وتعالى بأن يحركنا باتجاه هذا الشطر المعين، و الثاني هو ما عداه.

وكأن الآية تريد أن تقول: أن كل ما ترونه من أرض وسماء ومناخ وبلدان… وكل شيء في الحقيقة هو شطران وقطعتان، إحداهما: 

جبال سود وغرابيب وأرض وتربة وألوان .. بحيث يكون التفاوت والاختلاف بينها اختلاف لوني كما جاء في الآيات ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ  وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ فاطر: 27، بينما الشطر الثاني: هو حرم وبيت الله (فولِ وجهك شطر المسجد الحرام).

 فمثلًا  في العرف نسمي الإنسان (شاطر) لأنه ذهب لشطر معين واستطاع أن يصل إلى نتيجة معينة في هذا الأمر؛ لذا فهو إنسان شاطر وفاهم لهذا الشيء، وبالمثل عندما نقول (شطر المسجد الحرام) فكأن كل هذه الكائنات ألقيناها خلف ظهورنا ونحن نستقبل شطرا آخر. 

لو تسائلنا : ماذا يعني {فولِ وجهك شطر المسجد الحرام}؟ وكيف نستقبل هذا الشطر الذي يريده الله سبحانه وتعالى؟ 

هذا الشطر هو ما يرضي رسول الله (ص) (.. قبلةً ترضاها)، مع علمنا بأن رسول الله سيقبل بأي جهة يأمره الله تعالى بأن يتعبد ويتنسك ويربط حياته بها وسوف يطيع الله سبحانه وتعالى في ذلك، فالحديث هنا ليس عن طاعة رسول الله (ص) وإنما الحديث عن شيء أرفع، فالله يريد أن يعطي ويهب رسول الله وأمته قبلةً يرضاها رسول الله، وإلا فإنه لا تفاوت في المحبة بالنسبة للأماكن من حيث ذواتها، ولكن الحديث هنا عن ما الذي يرضي رسول الله (ص) لنفسه ولأمته؟!

كأن الإرادة الإلهية تجعل تقسيمًا إلهيًا عقائديًا، فهناك بقعة أرض معينة فيها خصوصيات معينة، مع علمنا بأن الله جلت قدرته ليس عنده تفاوت بين المشرق والمغرب ﴿رَّبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ المزمل: 9 وفي آية أخرى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُۚ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِۚ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ البقرة: 115، فالتفاوت ليس جغرافيّا، وإنما تفاوت من نوع ٍآخر وفيه وبه قيام كل الدين، وهو الحج. فقد جعله الله تشييداً للدين – كما قالت الصديقة الزهراء في خطبتها – الحج فيه كل الدين، ولا يتحقق ذلك إلا بأن تتوجه لهذا الشطر ونجعل كل ما عداه وما هو غيره وراء ظهورنا وخلفنا ولا نعتني به.

فمعنى (فولوا وجوهكم شطر المسجد الحرام) أي أيها الإنسان اجعل كيانك ووجودك كله في اتجاهٍ معين حتى تنظف وتطهر وتتنقّى مرآة قلبك، اجعله باتجاه هذا الشطر، أما الشطر الآخر فحاول أن لا يكون همك ولا مرادك وأن لا يكون هو مقصودك.

يقول سعدي الشيرازي واصفًا حاله: 

يا سعدي إذا ما تلقى ما تهوى دع الدنيا وفارقها 

أي: إذا وصلت للمكان الذي تهواه فدع الدنيا وفارقها، ومما لاشك فيه فإن مكة مهوى الأفئدة وإذا وصلت إليها دع الدنيا وفارقها؛ لأن من يحب شيئا يتجه له، فمن الطبيعي أن ينشطر المحب ويتجه إلى المحبوب وما يتعلق به، وأما بقية الأشياء فهو لا يهتم بها؛ فهو ينظر بإرادة المحبوب، فيلتفت لما يحب ويهمل ما عداه من الأمور الأخرى وهذا هو أثر الحب، إذ من ضرورياته أن يعتقد الإنسان وأن يريد أن يكون حاجًّا متغيرًا، وأن تصبح حجته حجة متقبلة من الله وحجة تائب عائذٍ بالله لٍائذ به، فتكون حجته حجة تغيّر أحواله كما ورد في الدعاء. 

وإن شاء الله يأتينا في الدرس الثاني تسليط الضوء على حيثيات هذا الشعار. 

والحمد الله رب العالمين.               


١. الخطبة الفدكية  

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬127 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها