ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الحج ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الحجّ تشييد للدين ٣

تقدم القراءة:

الحجّ تشييد للدين ٣

الأحد 23 ذو القعدة 1439مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

قال الصادق (ع) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلا قال: “نزلت فيمَن يسوّف الحجّ حتى مات ولم يحجّ”(1).

توضيح هذه الرواية يعطي الإنسان دفعا قويّا للإتيان بمناسك الحجّ بجدّ واجتهاد. ولتحليل المعنى فيها نحتاج إلى العودة إلى المضامين القرآنيّة.

الحجّ وتكميل قوى وحواسّ الإنسان

القرآن يتكلّم عن جوارح الإنسان ويعتني بها اعتناءً كاملا ويضع الإنسان في جوّ يفتح آفاقه وذهنه وتفكّره بحيث يتصوّر الحديث عن ما بعد هذا العالم.

في سورة الإنسان يقول في خطاب بليغ جدا: ﴿هَلْ أَتَىٰ عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا (1) إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (2)﴾ سورة الإنسان ماذا يعني هذا السؤال عن لسان الله العليم الحكيم الخبير!! ماذا يعني أن يسألك من له مطلق العلم والخبرة والإحاطة؟! واضح إنّه يريدك أن تتوقّف وتتأمّل وتفكّر، فيجعل الإنسان يذهب بفكره كلّ مذهب.

لم يقل (خلقه الله) بل قال (إنّا خلقنا الإنسان) بما تدلّ عليه من التفخيم والتعظيم، الملائكة وعالم الوجود…الله الخبير العليم القدير خلق الإنسان ونقله من حال أنّه لم يكن شيئا مذكورا إلى كونه سميعا بصيرا!

الإنسان في عالم الجنينيّة وهو في بطن أمّه لا يحتاج إلى السمع والبصر ولا إلى اللسان، لأنّه لا متحدّث ولا مبصر ولا مسموع ولا شيء يتحسّسه…فلماذا تتكوّن لديه هذه الآلات وهو في بطن أمّه في حين أنّه لا يستفيد منها في ذلك العالم ؟! ولو خرج إلى هذا العالم وهي لم تكتمل في ذلك العالم هل يمكنها أن تكتمل هنا؟! لا يمكن.

هل نستطيع أن نُري جنينا في بطن أمّه ماذا سوف ترى عينيه إذا خرج إلى هذا العالم؟! هي الآن ليس لها فاعليّة، وليس في عالمها مرئيّ لكي تبصره، فكيف نريه ما سوف ترى؟!!

هذا بالضبط ما نقوله لمن يتساءل: لماذا الحجّ؟ وكيف يكون الحجّ تشييدا للدين؟ فهل نستطيع أن نُريه هنا ماذا سوف يفعل الحجّ في العالم الآخر؟!! هذا محال.

في ذلك اليوم {ينفخ في الصور فتأتون أفواجا} ما هو المبرّر للتفويج؟! هو صحّة وسلامة الحواس التي بناها وأخذها الإنسان معه من هذا العالم. وهذه الحواسّ هي ما عبّأه فينا أنبياء الله ورسله وأولياؤه من قوى عبر تعاليمهم ممّا يحرّك العقل ومن أحاسيس مضغوطة ومجملة تكون متعلّقاتها في ذلك العالم، وتستطيع أن تفعل في ذلك العالم.

ما معنى أن يولد الحاجّ من جديد؟!

أقل ما للحاجّ أن يولد من جديد جنينا متكامل الخلقة. وهذا لا يعني فقط أن تغفر ذنوبه، بل يعني أنّ روحه المشوّهة وحواسّه المعطّلة ومعنويّاته المشوّهة وعقله المشوب بالشهوة وما اعتراه من ضعف في الإرادة والجزم والعزم…كلّها تحذف منها الشوائب والنقائص فيولد ولادة أخرويّة جديدة صحيحة متكامل الحواسّ ليستفيد منها في ذلك العالم.

﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى﴾ الإسراء: 72 أي لم يحجّ ﴿فَهُوَ فِي الآخِرَةِ أَعْمَى﴾ الإسراء: 72 يولد في ذلك العالم أعمى وأضلّ سبيلا، يعني حواسّه معطّلة، فيرفُض تلك الدار، ودار الخلود ترفُضُه، فلا يزال في معاناة. وهذا الرفض رفض تكوينيّ لوجودهم في ذلك العالم، لذلك الملائكة تضرب وجوههم وأدبارهم، ويأتي أحدهم الموت من كلّ جهة وما هو بميّت، لأنّه منفصل عن ذلك العالم فلا يستفيد أصلا من أيّ وجه من وجوه الرحمة، لأنّ حواسّه معطّلة تماما.

التطابق بين الحجّ الأكبر والحشر الأكبر

قال تعالى:﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ۙ وَرَسُولُهُ ۚ.البعض يقول أنّه سمّي بالحجّ الأكبر لأنّه صادف أن كان يوم عرفة في ذلك العام ـ في حجّة الوداع ـ مع يوم الجمعة فاجتمعت فضيلتين وسببين للرحمة فسمّي بالحجّ الأكبر.

البعض يظن أنّ التشابه بين الحجّ الأكبر والحشر الأكبر هو مجرّد تشابه صوريّ والمقارنة صوريّة، ولكن الحقيقة أنّ التشابه تكوينيّ واقعيّ والمقارنة تكوينيّة، بل بينهما تطابق، إذ تبدأ الحركة من الوقوف بعرفة وتنتهي يوم النفرة، وبهذه الحركة يبني ويشيد الحاجّ لنفسه دينا يظهر في يوم الحشر الأكبر الذي هو يوم الدين، عندما يقول المَلَك للحاجّ يوم النفرة (لقد ولدت من جديد) فهذا لا يعني أنّه غفرت ذنوبه ومحيت سيّئاته، وإنّما يعني أنّه ولد ولادة حقيقيّة، حيث ولد وتشيّد وتأسّس وتكامل كما يتكامل الجنين في بطن أمّه، غير أنّه بإرادته هو اختار شكله ولونه وفهمه ووعيه ومنطقه. وهذا معنى التطابق بين الحجّ الأكبر والحشر الأكبر، فالحجّ تشييد للدين والحشر هو يوم الدين.


1.    تفسير القمي، ج2، ص24

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 59٬643 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ذلك القريب مني 5 (2)

عندما نزور أضرحة الأئمة ﴿؏﴾؛ نحاول أن ندنو إلى أقرب نقطة من الضريح، وهذه المسألة ليست خاطئة؛ فقرب الإنسان من الضريح أمرٌ حسنٌ في حدّ نفسه؛ ولكن الحديث هنا ليس كيف نكون قريبين بدنيًا وروحيًا من الإمام ﴿؏﴾؛ بل كيف يكون الإمام ﴿؏﴾ قريبًا منّا

عارفًا بحقها 5 (1)

إن نفس حق السيدة المعصومة (ع) هو محبب ومطلوب، والإمام يريد أن يحرك إليه، وأن أصل معرفتها هو المراد سواءً كان الإنسان في زيارتها عن قرب أو عن بعد أو كان في بيته، فالمراد هو أصل معرفة مقامها (ع) وهذا ماتشير له وتفيده الرواية؛ فهي دعوة للتعرف على مقامها

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.