ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 رموز وشخصيات ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 المطهري شاهد معلم قائم بالقسط

تقدم القراءة:

المطهري شاهد معلم قائم بالقسط

الثلاثاء 17 رجب 1439مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرً النساء: 135

الإحساس بأهمية العدل وقبح الظلم ينبع عنه القيام بالشهادة. ولأن الإدلاء بالشهادة يحتاج إلى يقظة وفِطنة وشجاعة وملكات أخلاقية كثيرة فقد قال الله تعالى: (كونوا قوامين بالقسط) ثم أمر بتحمل دور الشهادة لأن بها استقامة المجتمعات الإنسانية على الجادة، وهي طريق لمعرفة الحقيقة والشك.*

والشهادة كما تكون على الأمور الحسية لتنظيم الحقوق الاجتماعية في قاعات المحاكم وأمام القاضي العادل المدبر كذلك تكون الشهادة على الأمور غير الحسية وتكون قاعة الإدلاء بها هي مساحة العقل والقاضي هو العقل.

ومثال الشهادة الحسية قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ البقرة: 185 وواضح أن الأصل في الشهادة الإخبار بالرؤية والكشف عما رَآه الإنسان.

ومثال الشهادة بمعنى الرؤية بالبصيرة وبعين القلب قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ آل عمران: 18 فإن الشهادة بالتوحيد بالنسبة لله وللملائكة وأولوا العلم شهادة باطنية ولا يدلى بها أمام القاضي الحقوقي في زمان أو مكان معينين، بل هي مطلقة من قيد الزمان والمكان، والعقل هو الذي يقبل هذه الشهادة وهو الذي يسمعها ويتبصّر بها ويستفيد منها ويرتب الأثر عليها.

المسألة التي يؤكد عليها في الشهادة الحسية وغير الحسية هي كون الشاهد عادلا بل قوّاما بالقسط، فإن شهادته تؤثر على العقل ويقضي بصحتها وتكون حجة بالغة وتنير ساحة العقل والضمير، وفي ذلك روي أن النبي صلى الله عليه وآله قال لرجل: «ترى الشمس؟» قال: نعم، قال: «على مثلها فاشهد أو دع». وعليه يكون الشاهد عدلا إذا اجتمع له هذان الشرطان: الرؤية والبينة الواضحة.

المطهري شاهد يدلي بالحقيقة

المطهري قامة من قامات الفكر الإسلامي الرفيعة التي بلغت شأنا وشأوا ربما لا يناطحها في زمانه أحد، والمطهري معلم يشهد الحقيقة وبإمكانه أن يدلي بها في محكمة العقل في المحافل العلمية والميادين الفكرية بكل شجاعة واقتدار ومهارة، وحينما يقرأ الإنسان المطهري يجد عقله مأسوراً مقيداً بنور فكرته مأخوذاً بجزالتها وحقانيتها، ولعل السر في ذلك هو تخلص الشهيد المطهري مما يشوب العقل ويلبس عليه حجاباً لا تعود معه الحقيقة ناصعة.

ربما إذا جاء التحذير في ذيل الآية (كونوا قوامين بالقسط.. ولا تتبعوا الهوى) فلأن الهوى إذا كان فاعلاً قوياً في الإنسان فإنه يعطف الحقيقة عن مراسليها ويحرفها ويلّونها، فمن المعلوم أن اتباع الهوى يعمي ويصم، والهوى لا يقتل العقل بل يأسره ويكبله ويفقده قدرته على الجولان في ساحات المنازعات و المنازلات مع العقل (وكم من عقل أسير تحت هوى أمير) إن قبضة الهوى اذا استولت على إنسان سلبته حرية الفكر وألجمت قاضي الحقيقة (العقل) عن الإدلاء بالحكم حينها ليكون القاضي أسيراً ذليلاً مكبلاً مجبراً على أن ينوب عن الهوى، لأن الأسير ليس له حرية الحركة أو الكلام إلا بما يرتضيه أميره الذي هو الهوى. 

يقول الشهيد المطهري وهو يرى هذا المشهد بجلاء: “إنّ العقل في الواقع هو قاضٍ في ساحة ومحكمة الإنسان الداخليّة، فهو الّذي يحكم على تصرّفات الإنسان وغيره بالحقّ والبطلان، فإذا تمتّع هذا القاضي بالحرّية والاستقلاليّة، بحيث لا يؤثّر في عمله وأحكامه من لا شأن ولا علم له بالقضاء، فسيرى الأمور على ما هي عليه واقعاً، فيرى الحقّ حقّاً والباطل باطلاً. أمّا إذا وقع العقل تحت تأثير القلب فسوف يحيد عن الحقّ، إذ سيحكم بما يهوى هذا القلب وبما يحبّ، لا بمقتضى الحقّ. ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام: “من عشق شيئاً أعشى بصرَه وأظلم قلبَه (عقله)”(1). فالحبّ والبغض والصداقة والعداوة إذا كان لها سلطة ما على العقل فإنّها تؤثّر في حكمه وقضائه وتؤدّي إلى مجانبة الحقّ والابتعاد عنه”.

وللمطهري كلمة خالدة تكشف عن انتصاره في هذه الساحة وبكامل الشجاعة، يقول: “إنني منذ بداية تحصيلي العلمي إلى الآن لم أغير رأياً لي في شيء” وهذا ما يقضي به من يقرأ المطهري ويسمع له بياناته كلها مع اختلاف مراحلها وملابساتها والأحداث المحيطة بها، وواضح أن المطهري قد أنقذ نفسه من غياهب الهوى وسطوة الإحساس.

حين تسمعه يتحدث ويتفاعل بحرارة وحيوية بين الأفكار والرؤى لا ترى إلا محترفا يلهث وراء الحقيقة تبِعها في كل واد، فإن صعدت صعد لها وإن نزلت نزل لها يتبعها بنور بصيرة وإشراق شهودي، تراه كلما لامسها علا صوته وتغيرت نبرته كأنه يصنع سنفونية رائعة لحركة الحقيقة أو كمثل لاعب محترف يركض خلف المفاهيم ليلقِي بكرة الفكرة في شباك الحقيقة ويهدف بمهارة. قد أحيا عقله وأمات شهوته وهواه.

تُخاله في منازعة مع شهواته وأهوائه وتجاذبات النفس التي تجر إلى بلاده الفكر والجمود على المتعارف بلا دليل ولا برهان.. يذكرك بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ رَمَىٰ الأنفال: 17 فسهام المطهري كلها تصيب الهدف في كبد الحقيقة، تبع السهم العاشر في القلب بالتاسع وهكذا من غير تعارض.

أما كونه قواماً بالقسط وعدالته واعتداله في نفسه وفِي معقولاته وفِي أفعاله فمحل اتفاق الجميع بدليل أنه قد مضى على تراث المطهري نصف قرن ومع اختلاف المناحي الفكرية إلا أن كل يجد ضالته في المطهري وينسبه لنفسه، ويجد من أقواله وأفكاره ما يسع المقدار من الحق الذي يدعيه.

والدليل الأوضح على اتزانه العلمي وقواميته بالقسط هو متانة وعلمية كل أوجه ماكتبه المطهري من موضوعات مختلفة ومتزاحمة وبطبيعتها يُحد بعضها بعضا .. فقد كتب في التربية والتعليم وحول المجتمع والفرد والإنسان الكامل والجهاد والتصوف والفقه والفلسفة والتفسير وفِي كل هذه الأبواب كان كأنه خياط ماهر يصنع من العبارات والكلمات للمعارف ملابسا بقدرها. نضرب لذلك مثالا: 

كان هناك صراع على طول التاريخ بين التصوف والفقه، فالفقه يقيد الإنسان بقوانين والتزامات وقواعد تحفظ روح التعبد وتضبط خيال الإنسان وكأنها تجره بقوة وشدة نحو الانقياد لأوامر ونواهي وزواجر وتضعه على مساحة ضيقة من التشريعات ليس له النظر فيها؛ أما التصوف فهو على العكس إنه يوجد في الإنسان حس التحليق والطيران والتخلص والتجرد من كل قيد. وأما حين تسمع المطهري يتحدث في العرفان أو التصوف ترى نفسك تطير معه على أغصان الشعر والخيال يعرج بخفة ورشاقة إلى معان رفيعة ينال أعلاها بأيسر الطرق، ونسمعه في الفقه مجتهدا يتقيد بآليات النقل والروايات وتصحيح الأسانيد وله منهجه في قبول الروايات، فتحسب أنه لم ينشغل بغير التقيد بها.

والخلاصة أن المطهري بنى للمعارف مدينة جدرانها لا تنفضّ ولا تنقضّ فمن ذا يحل ما أبرمه المطهري ومن ذا ينقض عليهّ؟! فهو في برهان (الآن واللّمّ سواء) المطهري ليس جدليا تتعب معه في متابعات (إن قلتَ قلتُ) فقد أسس بنيانه من الأصل على تقوى من الله ورضوان الخير ولم يبنه على شفى جرف هار، ويحق له أن قال بملء فيه حين وصلت الرصاصة لأم راْسه: (فزت ورب الكعبة).



* كلمة ألقيت في يوم المعلم – الأحساء  1439هـ

1. نهج البلاغة خـ / 108 نهج البلاغة خـ / 108 

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬821 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.