تقدم القراءة:

الرفيق قبل الطريق

السبت 27 أغسطس 2016صباحًاالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

“الرفيق قبل الطريق” مقولة لكثرة ما ترددت على الألسن ظننا أنها في عداد الأمثال ولكنها في الواقع نص مقدّس ورد في وصية أمير المؤمنين لابنه الحسن عليهما السلام “يا بني سل عن الرفيق قبل الطريق… وعن الجار قبل الدار”.*

حين يسافر الإنسان من مكان إلى مكان فإنه لا يرفع عنه وعثاء الطريق ولا يعينه على تحديد معالم الطريق إلا الرفيق، فالعاقل عادة يختار الرفيق قبل الطريق لأن هناك من الرفقاء من يحملك وتحمله، ترفع نقائصه ويرفع نقائصك، تكرمه ويكرمك، وهناك رفيق يضلك ويتيهك يضيعك، وهذا الرفيق يزيد من عناء سفرك.

الحج عبادة خاصة تحتاج إلى رفقة خاصة

هناك خصوصيات لرفقة الحج، وخصوصية للحمولة التي يجب أن يحملها الحاج.

ابتداءً يجب أن أؤكد على أن الحج كعبادة خاصة ورد فيها تأكيد وتشديد وترغيب وخطابات جدية لم ترد في سائر العبادات التقربية، ورغم أن هذه الشعيرة واجبة مرة واحدة في العمر إلا أن في القرآن قرابة ستّ وخمسين آية عن الحج، بينما الصيام الذي هو عبادة سنويّة لم يرد إلا مرات معدودة.

ويستفيد الأصوليون من الخطابات شديدة اللهجة شدة الإرادة والحب والرغبة من الله سبحانه لهذه العبادة، وهذا ما يسمى عند الأصوليين بلحن الخطاب. فاللحن الجادّ يفهم منه المحبة الشديدة من الله سبحانه لهذا العمل لما فيه من منفعة مهمة، فالعاقل عندما يريد أن يأمر بفعل فيه مصلحة مهمة وضرورية للإنسان فهو يتخذ لحناً جدّياً وشديداً للأمر به يقول تعالى ﴿ وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ  [آل عمران: 97] وجاء عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: “إذا قدر الرجل على الحج فلم يحج فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام”. وعنه (عليه السلام) قال: “ومن مات ولم يحج حجة الإسلام، لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به، أو مرض لا يطيق فيه الحج، أو سلطان يمنعه، فليمت يهودياً أو نصرانيا” (1) . ومثل هذه الروايات تفيد أن إرادة الله ومحبوبيته للحج والمنفعة الموجودة في الحج غير قابلة للاستغناء عنها ولا يمكن استبدالها.

مثل هذا الواجب الذي جاء التأكيد عليه في النصوص بهذه الشدّة يحتاج إلى رفيق خاص يتناسب وعظمته، فمن هو الرفيق الملائم لرحلة الحج؟

يمكن أن نأخذ الإجابة على هذا السؤال بعد معرفة ماهية الحج:

عن الصادق عليه السلام قال: “الحاجّ والمعتمر وفد الله، إن سألوه أعطاهم، وإن دعوه أجابهم، وإن شفعوا شفّعهم، وإن سكتوا ابتدأهم، ويعوّضون بالدرهم ألف درهم”(2)  وعنه عليه السلام قال: حدّثني أبي، عن جدّي، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (ع) – في حديث أربعمائة – قال: “الحاجّ والمعتمر وفد الله، وحقّ على الله تعالى أن يكرم وفده ويحبوه بالمغفرة” (3).

لماذا اختار الإمام عبارة وفد؟

هذا التعبير مهمّ وله أبعاد كثيرة، في اللغة: الوفد جماعة مختارة للتقدم في لقاء ذوي الشأن. والحج وفادة والحجاج وفد الله، لذا حين يقول الإمام أن الحاج وفد الله فمن يسمعه من العرب يعرفون ما هو معنى الوفد بكل أبعاده اللغوية والاجتماعية.

في تاريخ العرب كان هناك ما يسمى بالوفود، فإذا أرادوا زيارة ملك ما يأتي شيخ القبيلة ووجيهها ويختار مجموعة من نخبة القبيلة ويعرض أسماءهم على الملك، فلا يفد على السلطان أي أحد، ولا يدخل عليه إلا من كانت له أهلية، ومن قبِلَه السلطان وأذن له. فإذا قبلهم وفدوا عليه يحملون حاجات قبيلتهم لينظر الملكفيها، ويقضي منها ما شاء.

ومن مميزات الوفد الذي يقبله الملك أن تقضى حاجته قبل أن ينزل من مركبه، وهذا نحو من أنحاء الكرامة لهذا الوفد المنتخب.

الوفادة من عالم الأرض إلى عالم السماء

نفس هذا النظام الذي يحدث على الأرض تنتهجه السماء. فكل الناس يدعون في شهر رمضان “واجعلني من حجاج بيتك الحرام”خصوصا في ليلة القدر، الآن سلطان السلاطين يختار من يصلح للوفادة عليه، وينتخب أناساً يدخلون عليه وفدا، يرفعون حوائجهم لتقضى في ضيافة الرب الكريم.

في عالم الأرض، إذا كان الملك الذي يقصده الوفد عادلاً فهو ينظر لمن لديه حاجات مهمة، ومن هو مضطر فيقضي له حاجته، وكذلك الرب الرحيم حين يفد عليه المضطرون فهو يتعامل معهم برحمته فينظر للمحتاج والمذنب والعاصي ويغدق عليهم رحمته.

لنلتفت إلى نقطة ..

في عالم الأرض عندما يفد الوفد على السلطان لا يتكلمون جميعا بل ينتخب منهم شخص يكون المتكلم عن البقية، وينتخب باعتباره أعقلهم وأوعاهم بحاجات الوفد.

ورد في ما سمي بدعاء معاوية بن عمار في تعقيبات العصر “الحمد لله رب في العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى آله الطاهرين، اللهم صل على محمد وآله في النهار إذا تجلى، وصل على محمد وآله في الآخرة والأولى، وصل على محمد وآل محمد ما لاح الجديدان، وما اطرد الخافقان، وما حدا الحاديان، وما عسعس ليل وما ادلهم ظلام، وما تنفس صبح وما أضاء فجر، اللهم اجعل محمداً صلى الله عليه وآله خطيب وفد المؤمنين إليك، والمكسو حلل الأمان إذا وقف بين يديك، والناطق إذا خرست الألسن بالثناء عليك”.

فرسول الله (ص) هو المتحدث عن وفد المؤمنين، وهو الذي يليق بالحديث في محضر رب الأرباب ﴿ لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا  [النبأ: 38] ومن يملك هذه المزية هو المستحق ليكون رفيق وفد الحجاج إلى بيت الله.

لاحظوا أن الوفد هي كلمة مفردة لكنها تعبّر عن جماعة، مما يدل على أن الجماعة صاروا في سبيكة واحدة، ويعبّر عنهم متحدث واحد، وحاجته وفق أعراف الوفادة مقضية قبل أن ينزل من راحلته، فالوفد لا يرجع بغير قضاء حاجته.

القرآن يستخدم هذا المعنى العرفي فيقول: ﴿ يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا *وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَىٰ جَهَنَّمَ وِرْدًا  [مريم: 85-86].

المتقون وفد وخطيبهم محمد صلى الله عليه وآله، أما المجرمون فيردون جهنم، والورد يطلق على القوم الذين يردون الماء عطاشى، فالمجرمون يذهبون إلى جهنم ولا يمكن لأحد أن يسقيهم هناك، لذا هم يخاطبون أهل الجنة  أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأعراف: 50] ومن يوصلهم إلى هناك هم الشياطين ﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا  [مريم: 83].

الوافدون يأتون أسياداً مقبولين، وحاجاتهم التي يعرضها متحدّثهم مقضية، ورئيس الوفد هو من يستطيع أن يتكلم عن المضطرين وأهل الذنوب والمعاصي. الوافد هو من يعرض القضايا المهمة ويجمل هموم الناس وحاجاتهم.

أليس من المستحب أن يدعو الإنسان لأربعين مؤمنا؟ والخبر عن علي بن يقطين ودعائه للشيعة فرداً فردا حتى غربت الشمس هذا بحق من يستحق الوفادة.

﴿ ويَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَٰنِ وَفْدًا  [مريم: 85] الله سبحانه هو من يعطي صفة التقوى هنا ،  إذا وصفك مؤمن بالتقوى تشعر بالزهو ،  فكيف بمن يصفهم الله بذلك !!

الوافد في الدنيا وافد في الآخرة

لعلنا نقول: ما يدرينا أن الذي سوف يذهب للحج يأتي يوم القيامة وفداً إلى الله؟ من أين نأتي بدليل يدل عليه؟ ربما نكتب اليوم في وفد الحجيج لكن يوم القيامة لا نكون من وفد المتقين!

والجواب من المناجاة الشعبانية على لسان أمير المؤمنين (ع): “إِلـهي كَيْفَ آيَسُ مِنْ حُسْنِ نَظَرِكَ لي بَعْدَ مَماتي، وَأَنْتَ لَمْ تُوَلِّني إلاّ الْجَميلَ في حَياتي”.

والإنسان بعد مماته خالي الوفاض وفي قمة الحاجة فهو يفد إلى الرحمن، قال للرحمن ولم يقل إلى الجنة، نعم وفد المتقين سيذهب إلى الجنة لكن ماذا سيرون؟ سيرون جميع أشكال الرحمة لأنهم وفد الرحمن.

هؤلاء في الدنيا سيكونون ضمن وفد الحاج يحركهم صاحب الزمان (ع)، صاحب الزمان هو الباعث في زمانه، وهو الرفيق لهؤلاء الوفد، وهو المحرك لهم، فكما أن للكافرين شياطين تؤزهم أزاً فإن للمؤمنين إماماً في كل زمان يحركهم نحو الله، ويكون رفيقهم في حجهم ورئيس وفدهم، يرفع حاجاتهم ويتحدث بما يريدون.

لذا فحاجات الحجاج مقضية، فرفيقهم ورئيس وفدهم هو صاحب الزمان عليه السلام، من هنا كانت من آداب سيرة شيعة أهل البيت توديع الحاج، ومن أسرار ذلك أن من يودع الحاج يحمّله ذنوبه وحاجاته لأنه وافد على الله، وحاجاته مقضية، هذا الوافد يرجع سيد الناس، ويسمى حاجاً لأنه يمثل رقما، لذلك لا تسم الطاعات صاحبها كالحج، فلا تسمي المصلي مصليا، ولكن الحاج نقول له الحاج فلان، لأنه اتسم بهذه السمة إذ دخل على ملك الملوك.

نظرة الرحمة التي شملت الحاج في هذه الدنيا محال أن لا تشمله في الآخرة، أسأل الله لي ولكم في كل عام أن نكون من المكتوبين في الوافدين إليه، ويحملنا أهم قضايا المؤمنين ويصبح دعاؤنا عاماً وشمولياً لعامة المسلمين وشيعة أهل البيت (ع).


*الكلمة ضمن البرنامج الإرشادي لحملة الهدى للحج لعام 1437هـ

1- وسائل الشيعة.

2- الكافي 4: 255/14.

3- الخصال 2: 635.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬949 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها