ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الأشهر الفضيلة ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 نظم الأمر في أطروحة علي (ع) ٥

تقدم القراءة:

نظم الأمر في أطروحة علي (ع) ٥

الجمعة 27 شعبان 1437مساءًالجمعة

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

يقول تعالى في سورة يس: ﴿ وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ   يس/61

إنّ إحياء مراسيم هذه المناسبات والتمسك بتجمعاتها هو – في الحقيقة – من أهم المظاهر السلوكية، وهو وظيفة ضروريّة للتمسك بالنهج وبالصراط المستقيم. ربّما لا ندّعي أن إظهار الشيعة لمحبة أمير المؤمنين (ع) وبقاء ذكره حاضراً متجلياً كل هذه السنوات الممتدة هو معجزة، لكنّه بلا شكّ ظاهرة إنسانيّة استثنائيّة، على الأقلّ في الدائرة التي نعرف من أصحاب رسول الله (ص) والمسلمين الأوائل والمتأخرين، حيث أنّ من استشهد منهم ليس بالقليل، وقد انتهت حياة كلّ من الخليفتين الثاني والثالث بالقتل أيضاً… إلّا أنّنا لا نجد من يحيي لذلك مراسيم خاصّة. الفوارق عند المقارنة والأسباب كثيرة، ولسنا بصددها، لكن سأقف عند وجه يشكّل مبنى وضرورة عقائدية وفكرية وكلامية ولها نتائج فقهيّة واجتماعيّة وسياسيّة.

عليّ و التأصيل للنّظم الاجتماعيّ

إذا قسمنا الأحكام الشرعية سوف نجد أنّ منها واجب ضروريّ  له طابع عباديّ فرديّ كالصلاة، وآخر مثله له طابع عبادي اجتماعيّ وسياسيّ وتمثّل بعضها عبادة جماعيّة وتنتهي إلى مواقف اجتماعيّة وتحفظ بها المصالح العامّة، وهي القضايا الأهم  وأمهاتها وأصولها. وإذا ما تعارضت الضرورتان قدّمت الضرورة والمصلحة الاجتماعية على الفردية.(١) 

إنّ لإحياء هذه المجالس مع ما تمثّله من أهمّية وموقعيّة عبر التاريخ مظاهر عامّة تعكس أبعاداً روحية وفقهية واجتماعية وسياسية، بل تمثّل بذاتها موقفاً جماعيّاً سياسيّاً تجاه الأحداث و الواقع، ولا يمكن أن تُجرّد مجالسنا أوأن تفرّغ منها وإلا لما صحّ نسبتها إلى أمير المؤمنين (ع). ويجب أن نعي أنه لولا الالتزام بها مع طابعها السياسيّ الاجتماعيّ لفقدنا طابعنا المذهبي وهويّتنا الممتدّة منذ بدايات تاريخ الرسالة و معارضة الزهراء عليها السلام وما تلاها.

إن من أصّل للنظم الاجتماعيّ وجعله من أساسيّات مذهبنا وقوام منهجه هو أمير المؤمنين (ع). كما جاء في وصاياه عند شهادته للحسنين عليهما السلام. فلقد كان يوصيهما ليلتها بوصايا بعضها موجّهة إلى شخصيهما ” أَلَّا تَبْغِيَا الدُّنْيَا وَ إِنْ بَغَتْكُمَا وَ لَا تَأْسَفَا عَلَى شَيْ‏ءٍ مِنْهَا زُوِيَ عَنْكُمَا “. لكنّه  عليه السلام حين تعلّق الأمر في وصيته بوضع منهج وسنّة وسلوك ونظم خاصّ لكلّ من يعتقد بولاية أمير المؤمنين أمر بكتابته ، ليُنقل أصلاً إلى كلّ من اتخذ عليّا صراطا له:  لذا قال “أُوصِيكُمَا وَ جَمِيعَ وَلَدِي وَ أَهْلِي وَ مَنْ بَلَغَهُ كِتَابِي بِتَقْوَى اللَّهِ وَ نَظْمِ أَمْرِكُمْ وَ صَلَاحِ ذَاتِ بَيْنِكُم”.

إن أوّل ما أوصى به هو تقوى الله لأنها مدار كلّ فضيلة وبداية كل وصية وعليها يكون البناء، ثم قال: ” ونظم أمركم وصلاح ذات بينكم “ قال هذا المفصّل من وصيته  في آخر ساعات حياته المباركة وهو يعلم أنه في نهاية مطاف حياته الجهاديّة في الدنيا، سواء عبر مؤشّرات أعلمه بها الله و رسول الله صلى الله عليه وآله، أو من حيث وضعه الصحي وإشارة الأطباء له بعهد وصيّته، فلابدّ أن يكون حديثه في أمور أساسيّة وضروريّة، ويفهم ذلك من مقتضى قرائن مقاليّة ومقاميّة وحاليّة يدركها العقل في مثل هذا الظرف والمكان وموقع قائله من الدين و الشريعة… فهو كما كان من النبي صلوات الله عليه وآله في آخر حياته عندما قال: “آتوني بدواة وكتف” ليبيّن للأمّة أهمّ المسائل والأصول التي في فواتها خسارة كبيرة على الأمة.. 

ونحن نحتاج في فهمنا للمعنى الذي أراده أمير المؤمنين عليه السلام في وصيّته لنا إلى أن نقرأ “نظم أمركم” بعد قراءة معنى ( الأمر ) بمدلوله القرآني وبمعناه الصادر في ثقافة أهل البيت صلوات الله عليهم. و سنجد حينها أنّ المراد من (الأمر) معنى يختلف عن المعنى البديهيّ السائد الذي ينقله الأخلاقيّون…

الأمر في القرآن وروايات أهل البيت عليهم السلام

مفهوم (الأمر) في القرآن وفي ثقافتنا يشير إلى ما له أبعاد أساسية وأصيلة في حياتنا الدينية والاجتماعية. لاحظوا استخدام القرآن له في قوله جل وعلا: ﴿ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ ﴾ آل عمران/159 يريد الإدارة والشأن الاجتماعي والمصلحة الاجتماعية العامة الأولى التي بها تظهر قيمة الدين وعزته  والتي تتحقق بشورى عقلاء الأمة وهو أحد أساليب إدارة رسول الله (ص).

وفي آية أخرى حكاية عن المنافقين قولهم لرسول الله (ص) حال وضعه لمخطّط الحرب: ﴿ يقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأَمْرِ مِن شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ   آل عمران/ 154 يريدون من ” الأمر”  إصابة رئاسة أو شأن يمتازون به في التخطيط الحربي مع الرسول (ص). ولرسول الله (ص) توزيعٍ لأدوار حسب المعايير والقابليات التي يراها في صالح الشؤون الاجتماعية والأمور العامة سواء الإدارية  أو الجهادية والسياسية منها،  فإن لم يصب المسلمون نصراً في الحرب، قالوا: ﴿ لوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هَاهُنَا ﴾ وإن كان النصر حليف الجيش الإسلامي: ﴿ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ  الحديد/ 141 وكيف يكون مع الله ورسوله من في قلوبهم مرض ويتربّص بالإسلام الدوائر؟!

وفي بيان آخر للآيات التي ورد فيها كلمة الأمر في تعريف وبيان هويّة المؤمنين يقول تعالى: ﴿ إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَىٰ أَمْرٍ جَامِعٍ لَّمْ يَذْهَبُوا حَتَّىٰ يَسْتَأْذِنُوهُ ۚ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ۚ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ   النور/ 62 مؤكّداً دور وموقف المؤمنين من رسول الله (ص) الذين هم معه على أمر جامع في القضايا الكبار الأساسية الاجتماعية التي لا تقوم بالعنصر الفردي وإنما بالمجتمع، فمن أراد عدم الحضور منهم معك لعذر واستأذنك ﴿ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ   فالأمر ليس وفق اختيارهم وإنما وفق ما تراه من نظم وما تقتضيه التركيبة الاجتماعية، أما من اختار الانسحاب وعدم الحضور، وأخلى مكانه ولم يتخذ له موقفاً فإنه مذنب بإحداث ثغرة في ذلك النظم حتى لو كان من ذوي الأعذار، ولذلك يقول تعالى: ﴿ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ .

إذن معنى الأمر في القرآن هو هذا الشأن الاجتماعيّ السياسيّ الجامع. 

و الدليل على أنّ نظم الأمر بهذا المعنى القرآنيّ ــ و هو ذات  المعنى المراد عند أهل البيت عليهم السلام ــ واجب و ضروريّ هو القاعدة الأصوليّة في مفاد صيغة الأمر، و مفادها أنه إذا صدر الأمر من المعصوم حملته في الأصل على أعلى مرتبة (الوجوب والضرورة)، و إذا جاءت معها قرينة على الاستحباب عندها لك أن تتنزّل فتقول بالاستحباب. فالأصل في الأمر هو الوجوب.

المشكلة عند كثير من الناس أنه يتصور انحصار الواجبات فيما ورد في الرسائل العملية، بينما تخلو الرسائل العملية عن أمّهات القضايا في أصول الواجبات، فلا تجد مثلاً باباً في الإحسان والبر بالوالدين، مع أنه أوجب الفرائض بعد توحيد الله، ولا باباً في وجوب الدفاع عن المظلوم وحرمة التعامل مع الظالم مع أنّه أشدّ حرمة من ترك الصلاة (٢)، إذ ما ورد في الرسائل من أبواب ومسائل إنّما تكشف عن اهتمامات الناس وتساؤلاتهم لا عن اهتمامات الشارع و أولويّاته في الفرائض. لذا يجب أن لا نكتفي بالرسائل العملية في تحديد الحرمة والحليّة ، فإنه توجد أمور هي الأهم و فيها حفظ النظام الاجتماعيّ ، وبها نصل إلى الهدف النهائي من النظام والدين.

و كثيراً ما ورد مفهوم الأمر في الروايات عن لسان أهل بيت العصمة والطهارة بمعناه القرآنيّ، مثل: ” من كان على هذا الأمر” ، “من عرف هذا الأمر ” ، ” تزاوروا و تذاكروا و أحيوا أمرنا” … والمراد به ولايتهم صلوات الله عليهم أجمعين، ليس ولايتهم الكلاميّة والعقائدية فقط بل ولايتهم الاجتماعيّة أيضا.

“نظم الأمر” في أطروحة عليّ عليه السلام

إنّ الأمر الذي يقصده عليّ عليه السلام هو ذات الأمر المقصود في القرآن. لقد كان الأمير في ساعاته الأخيرة في مقام وضع أطروحة عقائديّة عميقة، و في مقام تخطيط و وضع برنامج لهذه الأطروحة مع مراقبة و دقّة، لأنّه هو الصراط المستقيم، لذلك قال “أوصيكم… ومن بلغه كتابي هذا بتقوى الله ونظم أمركم “.

النظم سبب للجمال والانجذاب، ففي النظم ضرورة عقليّة وفيه ضرورة عرفية وضرورة جماليّة أيضا. كما أنّ مفهوم النظم لا يتصور في شيء واحد بسيط، بل لما يتركّب من عدّة أجزاء يوضع كلّ منها في مكانه. ونحن بناءً على وصية الأمير نمثّل أجزاءً و روحاً واحدة، والحفاظ على هذه الروح هو أهم من الحفاظ على الروح الفردية، لذا يقتضي أن نتعلم ما يتعلق بأمر تلك الروح الجماعية، وأن نعرف موقعنا في أمرنا وفي مذهبنا وتركيبتنا الاجتماعية والإسلامية، وهذا ما ننزّله – عادة –  من مكانه الوجوبيّ ونتصوّره كأمور مستحبّة، في الوقت الذي كانت حياة أمير المؤمنين (ع) ومسيرته وأهدافه  وعطاءه من أجل هذا الأمر و الحفاظ عليه. 

لقد أعطى الأمير (ع) لهذا الأمر عزّة و وحدة وتماسكاً وقوّةً وثباتاً في الدين والمذهب، وكان فيما بذل في هذا البعد نموذجاً لا مثيل له كما كان في شجاعته، وكان فيما يحمّلنا وصيّة بدورنا وبتكاليفنا – ونحن ندّعي أننا في مقام المستمع لوصيّته – كان يعرّفنا ما يريد منّا وأيّ مقدار يعطيه من الأهمّيّة لحفظ هذا النموذج الراقي في الشؤون العامة.


١. استشهاداً على تقديم الضرورة الاجتماعية على الفردية حتى في أخص العبادات نقل الشيخ مصباح – حفظه الله – عن صاحب الميزان أنه كان يقول أنه في أخص خلواته بالله كان لا يدعو لنفسه خاصة و لا يذكرها بطلب بل يدعو للمؤمنين التفاتاً منه إلى المصالح العامة. فإذا لم يجز لنا إغفالها في حالات الانقطاع إلى الله فكيف لنا أن نجرّد منها أمثال هذه المجالس و المناسبات في ذكر أمير المؤمنين عليه السلام و صراطه المستقيم؟! هل يمكننا أن نجرّد هذه الليالي من هموم الأمّة و السياسة ثمّ ننسبها لأمير المؤمنين عليه السلام؟!

٢. انظر إلى كتاب المكاسب للشيخ الاعظم الشيخ مرتضى الانصاري (قدس سره) في مسألة حرمة التعامل مع الظالم. وأيضاً إلى كتيب للسيد الإمام قدس سره (من هنا المنطلق) فيه تفاصيل بعض المسائل الفقهية في التعامل مع الظلم والظالم.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 59٬852 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ذلك القريب مني 5 (2)

عندما نزور أضرحة الأئمة ﴿؏﴾؛ نحاول أن ندنو إلى أقرب نقطة من الضريح، وهذه المسألة ليست خاطئة؛ فقرب الإنسان من الضريح أمرٌ حسنٌ في حدّ نفسه؛ ولكن الحديث هنا ليس كيف نكون قريبين بدنيًا وروحيًا من الإمام ﴿؏﴾؛ بل كيف يكون الإمام ﴿؏﴾ قريبًا منّا

عارفًا بحقها 5 (1)

إن نفس حق السيدة المعصومة (ع) هو محبب ومطلوب، والإمام يريد أن يحرك إليه، وأن أصل معرفتها هو المراد سواءً كان الإنسان في زيارتها عن قرب أو عن بعد أو كان في بيته، فالمراد هو أصل معرفة مقامها (ع) وهذا ماتشير له وتفيده الرواية؛ فهي دعوة للتعرف على مقامها

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.