تقدم القراءة:

القدس ملتقى الرسالات

السبت 11 يوليو 2015مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

قال تعالى: ﴿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلايخَافُون في الله لومَة لائِم 

إنّ اختيار الإمام الخميني (قده) يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان ليكون يوم القدس العالمي هو رسالة بليغة للعالم تختزل ما دعا إليه كل الأنبياء. ليس يوم القدس إسلاميا بل هو عالمي كالرسالة المحمدية ﴿ ومَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ  وذلك أنها تحمل كل المشتركات التي جاء بها الانبياء.*

 وتظهر لنا معالم هذا المدّعى ( عالمية يوم القدس ) من خلال الإجابة سؤالين:

لماذا الجمعة الأخيرة ؟ ولماذا القدس ؟ ولتتضح عالمية هذا اليوم سنجيب على هذين السؤالين:

لماذا كان يوم القدس هو يوم الجمعة الأخيرة من شهر رمضان ؟

الجواب: لاشك أن شهر رمضان شهر ضيافة الله لكل الناس، وكل البشر مدعوون لهذه الضيافة، والصوم فرض على كل البشر – كما هو كل التشريعات الإسلامية باعتبارها الشريعة الخاتمة – وإن كان المستجيب هم المسلمون خاصة.

في شهر رمضان ينقطع المسلمون لعبادة الله والعود إليه ومناجاته وقربه، ويكفينا أدنى تأمّل في الأدعية المختصّة بأيام وليالي هذا الشهر لنعرف أن المراد منها تعبئة الإنسان بشحنة قوية من حب الله ووده.. نقرأ  مثلا في دعاء الجوشن الكبير الكثير من أوصاف الله الجمالية: ياخير محبوب علم، ياخير المرغوبين، ياخير المحبوبين، ياحبيب من لاحبيب له، ياملجأ العاصين، يا أمان من لا أمان له .. ويحتوي الدعاء على ألف مظهر لجمال الله، فحتى المقاطع التي تتحدث عن قدرة الله وشدة بطشه  وأسماءه الجلالية فهي بلسان الدعاء فهي لمصلحة العبد وليست ضده، فعندما تقول لله سبحانه يا عظيم فأنت لا تهدد نفسك بعظمة بل تتوسل بها لتحقيق مرادك. دعاء الجوشن هو بمثابة دورة كاملة لمحبة الله والتولّه للقائه ومبادلة محبته للإنسان بمثلها. والذي ينفع في المواجهة مع العدو الأكبر والأصغر ويضمن ثبات قدم الإنسان هو أن يقاتل في سبيل من يحب! لذا كان يوم القدس في هذه الأجواء.

الآية الشريفة التي بدأنا بها والتي نزلت في شأن الوفاء بالبيعة لله تتحدث عن الحب في الثقافة إلهية. الحبّ في الثقافة الإلهية هو الذي يجعل الإنسان يقدِم ويحجم ويفر ويكرّ، الحب يفني خصوصيات المحب  فالمحب لاينام، لا يجوع، والمحب لله يقظ في كل الساحات. يقول الأمير: ( وَإِنَّ أَخَا الْحَرْبِ الأرِقُ، وَمَنْ نَامَ لَمْ يُنَمْ عنْه ) .

إذن محصول شهر رمضان الحب، والحب له الأثر الأكبر في كل مسائل الجهاد، لذا فهؤلاء الذين يحبهم الله ويحبونه ﴿ أذِلَّة عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلاَيخَافُون في الله لومَة لائِم  فإن من لايكون ذليلا على المؤمنين لايكون عضواً صالحا في أقوام يثبتون عند النزال.

شهر رمضان ضيافة الله وعصارة شهر رمضان هو الخروج منه بشحنة معنوية كبيرة هي السلاح وهي القوة وهي عملية التدريب والدورة الكاملة التي يمكن بها أن يدافع عن مقدساته، ومنطق القوة في كل مواجهة هو حب الله وإرادته، والثغر الذي يأتي منه العدو ضعف العلاقة بالله.

لماذا القدس ؟

نحن نعلم أن الإمام الخميني (قده) في ذلك الوقت كان يحمل ملفات كبيرة وإيران الإسلام التي هي مشروع الإمام كانت تعاني من حرب مباشرة من قبل العراق والتي كانت حرب الكفر كله على الاسلام كله، فلماذا لم يجعل الإمام الجمعة الأخيرة تختص بالعراق ، ولماذا  القدس؟

أيضا هذا يعود إلى عالمية هذه الدعوة الخمينية المستمدة من عالمية رسالة الدين الاسلامي. فالقدس لها عمق تاريخي ورسالي وإنساني في ثقافة كل الأنبياء، وقد سمّاها القران الأرض المقدسة ﴿ يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لكم (1) وهذه الأرض تعيد الإنسانية كلها إلى مشتركاتها الإلهية. وسبب قداسة هذه الأرض ليس هو مرور أغلب الأنبياء أو إقامتهم فيها، بل هي مقدّسة لأن الأنبياء عبدوا الله  ووحدوه فيها، وجاهدوا له فيها، فالأرض تكتسب قداستها  وتعمر بعمارة الإنسان عليها، وقداسة الأرض إنما هي من أثر مواقف إنسان مقدّس. هذه الأرض المباركة أفسد فيها بنو إسرائيل، ولكن القرآن يعد أن هناك من سيطهّر هذه الأرض منهم قطعا ﴿ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً (2).

الحصيلة من كل ماذكرنا هي :

  1. أن من يحبهم الله ويحبونه يعرفون عدوهم الحقيقي فيقاتلونه حيث يكون، وهم أذلة على المؤمنين، ومن يرتد عن دينه يضيع عليه تشخيص عدوه، لأن قلبه يفرغ من محبة الله وهذا ماورد عندنا في الروايات بصاحب القلب المنكوس.
  2. كون الجمعة الأخيرة من شهر رمضان هو يوم القدس العالمي لأن محبة الله هي عصارة شهر رمضان من جهة الزمان، ومن جهة المكان فإن أرض التوحيد التي يقبلها الجميع وهي حجة على الجميع ولا يمكن أن ينكرها موحِّد هي الأرض التي اختارها الله سبحانه وتعالى لإبراهيم وموسى وعيسى ويونس ونوح.

من هنا فلا يحق لنا أن نستثني أنفسنا عقائدياً من يوم القدس إن لم يمكّن لنا أداء دور على المستوى السياسي.


* كلمة الأستاذة الفاضلة أم عباس الطاهر النمر في يوم القدس العالمي  1436ه

1. المائدة 21

2. الإسراء 8

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬948 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها