ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مناسبات ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 قراءة عرفانية لحادثة المباهلة

تقدم القراءة:

قراءة عرفانية لحادثة المباهلة

الثلاثاء 25 محرم 1436مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

قال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَـعْـدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْـعِـلْمِ فَقُلْ تَـعَـالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فنجعل لَـعْـنَتَ اللَّهِ علي الْكَاذِبِينَ آل عمران: 61.

موقع آية المباهلة:*

تعد آية المباهلة هي الأصل والأم لكل الآيات والروايات التي وردت في شأن فضائل النبي والمعصومين عليهم السلام. فهي بالقياس لآية التطهير والغدير وغيرها روحها فلسفيا وعرفانيا، لأن آية المباهلة حديث عن المقام الواقعي الذي وصل إليه علي عليه السلام بجهاده الأكبر حتى اندكّ في رسول الله وصار نفسه صلى الله عليه وآله. هذا المقام هو روح سائر فضائل أمير المؤمنين في الجهاد الأصغر، ومقامه السياسي في الغدير.

وبالإقرار بالمباهلة فمن التلازم الطبيعي الإقرار بسائر مقامات الأمير وأهل البيت عليهم السلام، فالمباهلة تحكي ما يسمى في العرفان بـ النفس المولوي الذي يحفظ النظام في عالم التكوين والذي تحكيه الرواية: (لولا الحجة لساخت الأرض بأهله) (1).

وهذا المقام ثابت لرسول الله وللمعصومين بعده، وكما جرت المباهلة على يد رسول الله فهي تجري وبنفس النتيجة والأثر على أيدي سائر المعصومين الذين هم امتداد لتلك النفس المباركة لرسول الله صلى الله عليه وآله، فهذه النفس التي تحفظ نظام التكوين والتي هي موقع لإنزال الرحمة أو اللعنة محفوظة وممتدة (صَلِّ اللّـهُمَّ عَلَى الدَّليلِ اِلَيْكَ فِي اللَّيْلِ الألْيَلِ، وَالْماسِكِ مِنْ اَسْبَابِكَ بِحَبْلِ الشَّرَفِ الأطْوَلِ، وَالنّاصِعِ الْحَسَبِ في ذِرْوَةِ الْكاهِلِ الأعْبَلِ، وَالثّابِتِ الْقَدَمِ عَلى زَحاليفِها فِي الزَّمَنِ الأوَّلِ) والمباهلة تثبيت استمرار هذا المقام الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها. (2)

ماذا رأى نصارى نجران في المباهلة؟

السؤال الذي نحاول الإجابة عليه هو: ماذا رأي أسقف نجران والعاقب والنصارى في المباهلة بحيث أذعنوا واستسلموا ورضوا بإعطاء الجزية ورجعوا خائفين مرعوبين من مباهلة النبي وآله؟ فالموقف لم يكن عاديا لأن تنازلهم يعني الإقرار بحقانية دعوة رسول الله صلى الله عليه وآله وبطلان دعواهم!

وفي الضمن سنجيب عن الإشكال التالي:

المسلمون كانوا يعيشون مع النبي والآل عليهم السلام، ويخالطونهم صباحا ومساء فلماذا لم يروا النور الذي رآه نصارى نجران؟ علما بأن الشرك والكفر مانع عن بصيرة الباطن، فكيف انكشفت لهم تلك الأنوار التي لم تنكشف للمسلمين؟!

كما سنعرف لماذا لم يباهل الأئمة المعصومون في حياتهم رغم ما تعرضوا له من ظلم وإنكار لحقهم؟

في المحاولة للإجابة عن كل تلك الأسئلة نقول:

إذا كانت هناك آية في القرآن بمستوى آية المباهلة فهي آية الكرسي، ولو قارنا بينهما لوجدنا تطابقا في المضمون، غير أن آية الكرسي مستند علمي على وحدانية الله، وآية المباهلة مستند عيني خارجي على حقيقة التوحيد مقابل التثليث وكل ما لا ينسجم مع التوحيد الصرف.

سنقف من آية الكرسي على مفصل نقارن فيه بينها وبين المباهلة لنرى وجه التطابق، وهو قوله تعالى في ذيل آية الكرسي: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ البقرة: 256 فكما أن تبيين الرشد من الغي لا يبقي موضوعا للإكراه في الدين  فالمباهلة كانت بيانا للدين بلا إكراه. ولتوضيح ذلك يجب أن نعرف أولا ماذا يعني (لا إكراه في الدين)؟

الدين ينقسم إلى ثلاثة حقول:

1- عقيدة: وتقام عليها الأدلة العقلية وهذه موضوعا لا إكراه فيها، لأن العقيدة محلها الإدراك والعلم والإنسان مطبوع على الإذعان للدليل والبرهان، فإذا تنور عقله بحقيقة ما فهو يسلّم لها طوعا. لذا يقال أن فرويد كتب لأحد أصدقائه: لا شيء يعذبني كرؤية ذيل الطاووس، لأن جماله يعكس نظاما جماليا يدل على وجود خالق – أي أنه ينسف نظريته بالقول بالصدفة – . فالعقل البشري مطبوع على أن يذعن للتوحيد كلما التفت إلى دليل يدل عليه بلا إكراه أو إجبار، فلا إكراه إذن في جانب العقائد.

٢- أخلاق: والإنسان مفطور على حب القيم والأخلاق والخضوع لها من قبيل التسامح والعدل والكرم والأمانة .. وسائر الفضائل، فلا إكراه في هذا البعد من الدين.

3- شريعة: وهنا يقع توهم الإكراه إذ لا حقيقة له، لأنه إنما يقع الإكراه في جانب التشريع لسببين:

  1. عدم الوصول إلى الدليل الشرعي من لسان الشارع، فمعظم تطبيقات الدين ليست قطعية.
  2. عدم فهم الحكم الديني.

والشريعة في الحقيقة ليست دينا وإنما هي تدين، الدين هو سماوي آت من قبل الله، أما التدين فهو ممارسة وسلوك، وفيه تعلق الشبهات والتساؤلات لأن إنما وضع لحفظ المصالح. وفي هذا الباب يختلط الرشد بالغيّ ولا تتضح الصورة فيقع الإكراه. ومثال ذلك مسألة الرقّ في زماننا، فتصوره يوهم بوجود إكراه في الشريعة.

لا إكراه في المباهلة!

إذا كانت آية الكرسي تنفي الإكراه في الدين إذا تبين الرشد من الغي؛ فما حصل في المباهلة هو أنه تبين الرشد من الغيّ. فلم تكن المباهلة إلزاما بموقف شرعي، ولا حربا مفروضة كخيبر أو الأحزاب، ولا تحميلا لدور اجتماعي كالغدير، بل هي تجسيد للتوحيد وتنزله من المرحلة العقلية والقلبية إلى الظهور الخارجي العيني. 

وبيان ذلك أن للتوحيد ثلاث مراحل وتنزّلات:

1- تنزل علمي في العقل: بعد أن يدرك الإنسان أدلة التوحيد يجده نورا في عقله, ويشرق فيه التوحيد. وأدلة التوحيد تنوير لكل إنسان مهما كان سلوكه، وقد ذكرنا ما قاله فرويد.

٢- تنزل قلبي: للتوحيد إشراق في القلب وهذه أمنية الموحدين، وهو أعظم من نور العلم لأنه يقذف دفعة واحدة ويحدث لهيبا في الروح.

3- تنزّل خارجي: وهو والجود العيني للتوحيد في الخارج. ليس في العقل أو القلب فقط؛ بل يأتي برعاية إلهية فتشرق أنواره من الجهات الست.

وكما أنه يرتفع موضوع الإكراه عن التوحيد المنزل في العقل؛ كذلك يرتفع الإكراه عن الدين متجسدا في الخارج، فيستسلم له الرائي بلا فاصلة، وهذا لا يحدث إلا بتصرف إلهي، وهو حالة استثنائه يجعل الله فيها هذه الأنوار تشرق في الخارج ليذعن لها الإنسان.

ولكن لهذه الحالة ضريبة كبيرة جدا، لا توجد في تنزل الدليل العلمي في العقل، ولا تكتنف نزول الأنوار في القلب، وهي استحقاق العذاب لو أنكر وتنكّر لهذا النور. فهو كمائدة بني اسرائيل ليس بعدها إلا الإيمان أو نزول العذاب الدفعي ﴿قَالَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ ۖ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ * قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ ۖ فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَّا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالَمِينَ [المائدة: 114-115]. لذا قال أسقف نجران: “يا معشرَ النصارى، إنّي لأرى وجوهاً لو شاء الله أن يُزيل جبلاً مِن مكانه لأزاله بها، فلا تُباهلوا فتهلِكوا ولا يَبقَ على وجه الأرض نصرانيٌّ إلى يوم القيامة”.

وذلك لأن هذا النوع من التنزّل للتوحيد ليس بعده مهلة ولا مناظرة، وليس بعده إلا سلب التكليف والهلاك. ويمكن أن نقول هناك ربط تكويني ضروري بين ظهوره وإشراقه وبين نزول العذاب على من كفر به.
وهذا جواب عما طرحنا من أسئلة، فالمسلمون رغم معايشتهم للنبي وأهل البيت لم يروا تجسد التوحيد فيهم. وكذلك لم يستخدم الأئمة سلاح المباهلة طوال حياتهم وذلك رحمة منهم بالناس، لأن المباهلة تنزل للتوحيد ليتجسد على الأرض، وهي عطية إلهية كبيرة. وفي المباهلة إشراق شديد قوي يقتضي الحجة الكاملة على من يراه، لذا ليس بعد المباهلة إلا إيمان أو عذاب.

ختاما نقول أن المباهلة هي إظهار تكويني لارتباط الوجود النوري للتوحيد بالرسول وآل بيته عليهم السلام، وهذا المقام لهم هو مضمون التوحيد الكامل الذي يغذّي كل تضحياتهم وجهادهم وسائر مقاماتهم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

* المحاضرة بمناسبة حادثة المباهلة .

1. الكافي: ج1 ص179.

2. من أفضل ما كتب حول المباهلة ما جاء في كتاب (الإسلام ونظرية التشيع المعاصر) للمستشرق هنري كوربان، فهو مسيحي والمسيحيون يهتمون بإثبات بقاء روح القدس التي يحفظ الله بها نظام الكون.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 59٬851 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ذلك القريب مني 5 (2)

عندما نزور أضرحة الأئمة ﴿؏﴾؛ نحاول أن ندنو إلى أقرب نقطة من الضريح، وهذه المسألة ليست خاطئة؛ فقرب الإنسان من الضريح أمرٌ حسنٌ في حدّ نفسه؛ ولكن الحديث هنا ليس كيف نكون قريبين بدنيًا وروحيًا من الإمام ﴿؏﴾؛ بل كيف يكون الإمام ﴿؏﴾ قريبًا منّا

عارفًا بحقها 5 (1)

إن نفس حق السيدة المعصومة (ع) هو محبب ومطلوب، والإمام يريد أن يحرك إليه، وأن أصل معرفتها هو المراد سواءً كان الإنسان في زيارتها عن قرب أو عن بعد أو كان في بيته، فالمراد هو أصل معرفة مقامها (ع) وهذا ماتشير له وتفيده الرواية؛ فهي دعوة للتعرف على مقامها

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.