تقدم القراءة:

نشيد أهل الجنة ٢- إنك لمن المرسلين

الأحد 29 يونيو 2014مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

 ﴿يس • وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ • إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾

وصلنا إلى هذا المقطع من السورة المباركة. الله يقْسم بالقرآن والمقسم عليه (إنك لمن المرسلين). قد يبدو للوهلة الأولى أنّه بديهيّة من البديهيّات، فالقرآن يضجّ بالاعتراف بأنّ محمّد بن عبد الله هو رسول من قبل الله سبحانه وتعالى، إذن ما الحاجة إلى القسم؟ وما المهمّ في إثبات رسالة النبيّ صلّى الله عليه وآله؟

الجواب: ليست مسألة الرسالة بديهيّة وسهلة مطلقاً، ولوحلّلنا معنى هذه الرسالة وكون رسول الله هو مرسل من قبل الله سبحانه وتعالى بالمعنى القرآنيّ وبالمعنى الفلسفيّ فسوف نجد أنّه مقام عظيم من مقامات رسول الله صلّى الله عليه وآله. لذا لا بأس بالوقوف عند بعدين في مسألة الرسالة من شأنهما بيان أهمّيّة هذا القسَم القرآنيّ:

  • البعد الأوّل: التأكيد على أنّ ما يقوله رسول الله هو “وحي يوحى” .  
  • البعد الثاني: أنّه (ص) متّصل بالغيب ومرسل من قبل الله تعالى.

السبب في تعاملنا ببساطة مع هذه المسائل واعتبارها بديهيّة هو أنّنا لم نعرف مدى خطورتها، ولم نطّلع على ما يدور في الساحة الفكريّة الإسلاميّة حولها.

الكلام كثير حول ما يعتقده المفكّرون والباحثون والمحقّقون والفلاسفة -حتّى الإسلاميّين منهم- في هذين البعدين (حقيقة الرسالة، وحقيقة الوحي والاتّصال بعالم الغيب) وسنستعرض ما يجري في الساحة الفكريّة الإسلاميّة في هذه المسألة بشكل مختصر:

وجدتْ في إيران موجة فكريّة طرحت من قبل الدكتور سروش وقبله الدكتور شريعتي، وقبله إقبال، وردّ عليهم الشهيد مطهّري والدكتور بهشتي. هذه الموجة تقوم على منهج معيّن يقرأ الوحي على أنّه نوع من التكامل الروحيّ في شخصيّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، يصل بها إلى مرتبة إنسانيّة رفيعة وعالية جدّا، وبهذه المرتبة يتحوّل إلى إنسان كامل، لا يضاهيه في هذه المرتبة الكماليّة أحد في محيطه وممّن سيأتي بعده. وبحسب منهجهم الفكريّ فإنّ الإنسان الكامل يصل إلى مرحلة الرسالة والوحي، ثمّ تأتي مرحلة أعلى وهي العقل، ويرون أنّ الإنسان في هذه المرحلة يستغني عن الوحي. فالرسالة المحمّديّة بأسرها عند أصحاب هذا المنهج محض حركة ذاتيّة بشريّة تكامليّة ليس لها اتّصال بالغيب، ويطلقون عليها (التجربة الدينيّة) ويعدّون الوحي في هذه التجربة الدينيّة مثل المكاشفات العرفانية لا أكثر.

يقدّم الشهيد مطهري مثالا لطيفا لبيان فكرتهم حول الرسالة، فيقول أنّ هؤلاء يتصوّرون حاجة الإنسان للوحي كحاجة الطالب إلى المعلم، فهو يستغني عن معلّم الصفّ الأدنى بعد أن يحصل على ما عنده، وينتقل للصف التالي، وهكذا حتّى يصل إلى الجامعة ويتخصّص ويعتمد على نفسه، ويُعمل عقله ويستقلّ عن المعلّم ويقطع اتصاله به. وتكمن خطورة هذا التصوّر في نفيه استمرار الحاجة إلى البعد الغيبيّ.

وهذه الرؤية في الواقع تخالف المنهج القرآنيّ في فهم الرسالة والوحي. فالقرآن يؤكّد أنّ محمّداً هو رسول الله، وهو بهذا يقرّر أنّ الرسالة تتكوّن من ثلاثة أضلاع، هي ما عبّر عنه الشهيد الصدر بـ (المرسِل والرسول والرسالة) ثلاثة وجودات تخرج هذا الدين من البعد البشريّ، وتجعله مرتبطا بالغيب، وتمنحه الخلود، فلا تصل إليه البشريّة من تلقاء نفسها مهما تكاملتْ:

  1. المرسِل: وهو الوجود الكامل المطلق غير المتناهي. المرسِل هو فوق الزمان وفوق المكان، وهو ما يعطي الديمومة والخلود للرسالة.
  2. الرسول: هو الإنسان الذي يستحقّ الرسالة، وسوف نتحدّث عن مؤهّلاته لاحقا.
  3. الرسالة.

حينما يصف القرآن محمّد بن عبد الله بأنّه رسول الله فهو يريد أنّه صرف مُرسَل، والمُرسَل لا يأتي بشيء من عنده بل من الله. القرآن يريد التأكيد على كفاءة رسول الله وجدارته وأهليّته لتلقّي الوحي، وينفي أن يكون الوحي مجرّد ارتقاء روحيّ ونفسيّ وأخلاقيّ في شخصيّة محمّد بن عبد الله. وبهذا الوصف يقرّر القرآن إنّ الوحي هو حقيقة نازلة من الله سبحانه وتعالى إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله.

قد تتساءلون: ما حاجتنا إلى هذا البحث؟!

الحقيقة أن تبعات هذا المنهج في فهم الرسالة خطيرة جدّا، ووفق هذا المنهج فإنّه توجد إشكالية مفادها أنّ الإسلام لم يعد قابلا للتطبيق، لأنّ الدين الذي جاء به رسول الله هو إبداع بشريّ متأثر بالبيئة والمناخ الذي عاش فيه، فلا يمكن أن تكون الرسالة التي جاء بها قابلة للتطبيق بعد ألف وأربعمائة سنة، مع تغير الزمان والمكان والتاريخ والفكر والمفاهيم.

إن سبب هذا الإشكال هو فصل الرسالة عن المُرسِل وتجريدها من بعدها الإلهيّ. وهذا سيننزل الرسالة إلى سطح المتغيّرات الزمانيّة والمكانيّة، ويسلبها سمة الخلود والإطلاق. ووفقا لهذا المنهج الذي يصرّ على أنّ الرسالة هي حالة ذاتيّة لرسول الله تنتفي الحاجة إلى السيرة والتاريخ الإسلاميّ والقرآن الكريم.

(إنك لمن المرسلين) جواب لقسم إلهيّ يثبت أنّ هذا الرسول ذو خصائص أهّلته للاتّصال بالغيب، وأنّ ما لديه هو من عند الله، مثبتة الأضلاع الثلاثة للرسالة.

مؤهّلات المرسَل:

الرسالة تعتمد على مؤهّلات لدى المرسَل تمنحه قدرة استثنائيّة على الإنذار والتأثير والتبشير والتعليم.

هذه المؤهلات باطنيّة واقعيّة حقيقيّة، من شأنها إحداث التغيير في بواطن النفوس، وهي مؤهّلات لا يشخّصها الناس، لذا لا يمكن لهم أن يختاروا المرسَل. من يشخّص مؤهّلات المرسَل الذي يجب أن يكون (نذيرا للبشر) ويختاره هو الله العزيز الحكيم. والحكيم إذا أراد أن يحمّل شخصا رسالة بهذا المستوى فهو يختار أكفأ من في الوجود. تقول السيّدة الزهراء عليها السلام في خطبتها: (وأشهد أنّ أبي محمّداً عبده ورسوله. اختاره وانتجبه قبل أن اجتبله، واصطفاه قبل أن ابتعثه، إذ الخلائق بالغيب مكنونة، وبستر الأهاويل مصونة، وبنهاية العدم مقرونة) هذا المرسَل المنتجَب بينه وبين المرسِل نوع من الاتّصال والسنخيّة، فلديه قابلية أن يؤثّر ويغيّر ويزكّي، ويحدث انقلابا نفسيّا روحيّا فكريّا اجتماعيّا ثقافيّا في المجتمع البشريّ.  

إذن قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ يتضمن كلّ هذه المعاني الفلسفيّة التي تبحث عن حقيقة الوحي وحقيقة النبوّة والرسالة. لذا لا ينبغي أن نتلقّاها تلقياً ارتكازيّاً يقتل الفكرة والمعنى. هذه الآية تحلّ معضلات لم تصل إلى حقيقتها العقول البشريّة الجبّارة، وهي ارتباط المرسَل والرسالة والمرسِل.

هذه الرسالة لا تنتهي لأنّ فيها بعداً لا متناهٍ وهو المرسِل/ الله سبحانه، وفيها مؤهَّل بخصوصيّات غير عادية وهو المرسَل. ومع هذين البعدين لا يمكن اعتبار الرسالة متأثّرة بزمانه (ص) ومكانه وبيئته وظروفه. ولعلّ أوضح دليل على اتّصال النبيّ بالوحي المنطق الواحد الذي يتحدّث به القرآن مع اختلاف حالات نزوله في السلم والحرب والانتصار والهزيمة والطرد والفتح وغيرها من الحالات التي مرّ بها رسول الله صلّى الله عليه وآله. ووحدة منطقه مع كلّ هذه المتغيرات يبعد عقلا نسبته إلى رسول الله، ويثبت أنّه وحي يوحى، و أنّ ما ينزل على رسول الله هو شي منفكّ عن ذاته وحقيقته. مع حفظ خصوصيّات رسول الله الذاتيّة ومقامه الذي لا يمكن لبشر أن يدركه.

خصوصيّات المرسَل ممتدّة: 

هذه الخصوصيّات تنتقل من بعد رسول الله عبر التاريخ لأنّه (لولا الحجّة لساخت الأرض بأهلها)(١) فيجب أن يتوفّر على الدوام من هو مؤهّل لحمل هذه الرسالة، ومن يمتلك القدرة على التأثير وإصلاح واقع الناس. لاحظوا قول زينب بنت أمير المؤمنين صلوات الله عليها ليزيد (فوالله لا تميت وحينا) لم تقل وحي رسول الله بل وحينا، محمّد بن عبد الله يموت، لكنّ الوحي ضلع مستقلّ مطلق مستمر باق لا ينتهي ولا يموت. ويقول أمير المؤمنين عليه السلام: (يَمُوتُ مَنْ مَاتَ مِنَّا وَلَيْسَ بِمَيِّتٍ)(٢) لذلك نحن نقول في الزيارة الجامعة: {وَاَسْماؤُكُمْ فِى الاَسْماءِ، وَاَجْسادُكُمْ فِى الاَجْسادِ، وَاَرْواحُكُمْ فِى اْلاَرْواحِ، وَاَنْفُسُكُمْ فِى النُّفُوسِ، وَآثارُكُمْ فِى الاْثارِ، وَقُبُورُكُمْ فِى الْقُبُورِ، فَما اَحْلى اَسْمائَكُمْ وَاَكْرَمَ اَنْفُسَكُمْ..} فصحيح أنّ قبوركم في القبور مثل كلّ الناس؛ لكنكم تملكون جانبا آخر لا يملكه الناس، وهو القدرة على الـتأثير. ميزة هذا البعد الغيبيّ تخلّصه من قيد الزمان والمكان والتغيّر والتبدّل.

لهذا نجد أنّ الإمام الحسين(٣) الذي هو امتداد للمرسَل يملك مؤثريّة باقية ودائمة ومستمرّة، وهذا دلالة على وجود بعد غيبيّ مطلق مؤثّر كسر حدود الزمان والمكان والثقافة والأعراف. هذا بعد تحتاج البشرية إليه دائما، فلا يوجد إنسان لا يحتاج إلى تطهير ووعظ وإرشاد وتعليم وإنذار وتبشير وتربية. وهذه الوظائف يجب أن يقوم بها إنسان يستطيع أن يؤثّر على الجميع، ويغير واقع الجميع. إنسان مؤثّر في كلّ أبعاده: مقامه مؤثّر، زيارته مؤثّرة، قبره مؤثّر، تربته مؤثّرة، النظر إلى ضريحه مؤثّر … هذه كلّها مسائل لا بدّ أن نؤمن بها غيبيّا، فوجود هذا الضلع الغيبيّ هو ركن أساس في معادلة الرسالة. ولو قرأنا الإمام الحسين عليه السلام مع سلب هذا البعد فلن يعود مختلفا عن أيّ مجاهد مضحٍّ في سبيل هدف. إن البعد الغيبيّ في شخصيّة الإمام الحسين عليه السلام هو الذي خلّد حتى التراب الذي مشى عليه، وخلّد خطاباته وأقواله وأفعاله، بل جعلها تزداد تأثيرا وتحريكا وانبعاثا  كلّما تكرّرتْ.

إذن قوله ﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ وإن كنّا نمرّ عليها مرورا عابرا لكنّها في الواقع تختزل أمورا ثلاثة، لها من العظمة ما تستحقّ معها  القسَم الإلهيّ.

وصلّ الله على محمّد وآل محمّد الطيّبين الطاهرين.

 


١. الكافي 1: 179

٢. نهج البلاغة 

٣. المحاضرة بمناسبة ميلاد الإمام الحسين عليه السلام 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬949 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها