ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الأشهر الفضيلة ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 نشيد أهل الجنة ٤- إنما تنذر من اتبع الذكر

تقدم القراءة:

نشيد أهل الجنة ٤- إنما تنذر من اتبع الذكر

الأحد 2 رمضان 1435مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

كل مفصل من سورة (يس) التي هي نشيد أهل الجنّة وكلّ مقطع منها يبدي وجهاً وبعداً من جمال رسول الله (ص) نزلت هذه السورة في مكّة المكرمة في بداية الدعوة.

حين يصنف القرآن الكريم الناس  في أحداث يوم القيامة، فهو تارة يعطيهم خصائص وسمات تنكشف في ذلك اليوم، وتارة يقسّمهم بناءً على مراتبهم الروحيّة. والتقسيم في سورة (يس) مبنيّ على استجابة الناس لرسول الله، واستنانهم بسنّته (ص).

﴿يس * والقرآن الحكِيمِ﴾ 

ابتداء السورة بالقسَم بالقرآن يكشف بأنّها لم تكن من أوائل السور، فلا يمكن أن تكون قد نزلت في أوّل الدعوة والناس لا تعرف القرآن الكريم، لأن االمقسم به أمر لابد أن يكون معروف المكانة .

وتبعا للمنطق الإنسانيّ إذا فقد الإنسان الدليل فعليه أن يأتي بالبيّنة، وأحد أنحاء البيّنة أن يقسم، فالقسم مغاير للدليل لكنّه يقوم مقامه. كما أن البيّنة تقتضي الشهادة الحسيّة، فلا أقسم على ما لم أره بعيني أو أحط به بحواسّي. هذا بالنسبة إلى القسَم البشريّ، أما في القسَم الإلهيّ الصادرعن الله فالقسَم نفسه دليل، لا أنّه يقوم مقام الدليل. وكمثال على الوحدة بين القسَم والدليل: أن يقسم أحد على أنّنا الآن في النهار فيشير إلى الشمس ويقول: وحقّ هذه إنّنا في النهار، فهنا القسَم هو عين المقسَم عليه، لأنّ أصل وجود الشمس دالّ على أنّنا في النهار. هذا الأمر ينطبق على القرآن الكريم، فهو بنفسه دليل على أنّ هذا رسول الله صلى الله عليه وآله مرسَل من قبل الله. وكلّ ألوان إعجازه دالّة على ذلك.

ويقول بعض المفسرين أنّ (يس) اختصار لكلمة (يا أيّها الإنسان) وهي إمّا خطاب لرسول الله أو نداء عامّ.

﴿إِنكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ * عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ * تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ * لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ 

 الآيات في مقام تقسيم الناس وتصنيفهم بناءً على اتّباعهم لرسول الله (ص). (أكثرهم) ليس الأكثر في مجتمع مكّة فحسب، بل أكثرهم في كلّ مكان وزمان، فهم ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُون وهذا جواب لقولهم ليس عندنا استعداد لسماع ما تقول ﴿قَالُوا سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَوَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُن مِّنَ الْوَاعِظِينَ﴾ [الشعراء: 136] ولهذا قالت: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ الآية تتكلّم -كما يقول صاحب الميزان- عن مسألتين: عن وضعهم الروحيّ الباطنيّ الذي يمنعهم من الاستجابة لرسول الله (ص) مع ما يمتلكه من المحبّة والصدق والتضحيات وما يقدّمه من الجهود، وقد جربّوه وخبروه ، ويعترفون بأنّه الصادق الأمين. 

أما أسباب منعهم من الاستجابة للنبي فهي :

السبب الأول﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾ الأغلال هي القيود توضع على اليد والرقبة، و غلّ الأيدي إلى الأعناق هو جمع الغلّين في جامعة. الآية لا تتكلم عن أغلال مادّيّة، بل عن أغلال أخرى جاء رسول الله ليحلّها عنهم ﴿.. وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ..﴾ [الأعراف: 157] الإنسان عندما يطغى و يتكبّر ويتعصّب ويصرّ على أنّ جهله علم، فإن هذه صفات تجعله لا يرى الحقيقة. والشبه بين الصورتين هو أنّ الإنسان الذي في عنقه غل ّلا يستطيع النظر أمامه ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هذه الأغلال ليست في الحقيقة إلا الأخلاق المنحرفة والطبائع الفاسدة، إنّ حالة الكبر والغرور والذاتيّة والأنانيّة والعصبيّة هي في الحقيقة أغلال باطنيّة.

يقول المفسّرون: إنّ الإنسان إنّما يصل إلى البرهان والحجّة والبيّنة عن طريقين، إمّا الطريق الآفاقيّ فيكون بالنظر إلى الأشياء حوله فيدرك أنّ لهذا الخلق خالق، أو ينظر إلى باطنه وإلى نفسه فيرى الله . لكنّ حين تكون أخلاقه فاسدة فإنّها تمنعه من النظر إلى حقيقة نفسه، فلا يعرف حجمه ومقداره. والذي لا يعرف نفسه لا يعرف ربّه، لأنّه من عرف نفسه عرف ربّه.

أن يتعرّف الإنسان على نفسه يعني أن يكتشف الخلل الأساسيّ ونقاط الضعف في نفسه، وحين لا يريد ذلك، يكون هذا مانعا له عن السير الباطنيّ، والمعرفة والتأمّل في أعماقه و في حاجته إلى الله سبحانه وتعالى، و في ربوبية الله سبحانه وتعالى ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ هذا الإنسان غير مستعدّ لتذكّر ماضيه ولا النظر إلى مستقبله وما سوف يواجه، ولا التفكير في موته ولا حياته ولا رزقه،  قد أحيط به من الستّ الجهات –كما يقول صاحب الميزان.

 القرآن يعطي رسول الله (ص) هذه الحقيقة  حتّى لا يعلّق آماله وطموحه على هؤلاء، فهم لن يتبعوا رسول الله، وهؤلاء هم الأكثرية ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ ومعنى كلمة (حقّ) أي أنّ المسألة متحقّقة وباقية ودائمة .

﴿وَسَوَاء عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾

 ومع جزم رسول الله (ص) بصحّة  كلام الله سبحانه وتعالى في أن أكثرهم لن يؤمنوا؛ لم يتخلّ عن وظيفته أو يتوقّف عن إنذارهم. فكأن القرآن يقول له (ص) هؤلاء ليسوا طموحك ولا رغبتك، لا تيأس وإن طال السرى وبعد الطريق واشتدّ التعب ﴿إِنَّمَا تُنذِرُمن اتبع الذكر … ﴾ يوجد أقوام هم المقصودون بالإنذار، وهؤلاء ليسوا أكثرية، أكثرهم لا يؤمنون لأنّ في أعناقهم أغلال وحقد وحسد. سئل أبو جهل عن رسول الله (ص) فقال: كان فينا صادقا أمينا، ثم سئل لماذا إذن تقابله بهذا المقدار من الشراسة؟ قال: تنازعنا نحن وبنو هاشم الشرف، فأَطْعَمُوا وأَطْعَمْنَا، وسَقَوْا وسَقَيْنَا، وأجاروا وأجرنا، حتى إذا كُنَّا كَفَرَسَيْ رِهَانٍ قالوا: مِنَّا نبي. فمتى نُدْرِكُ مثل هذه؟!

الشهيد مطهّري يقول: إنّ مثل هذا السباق وهذا النوع من العصبيّة موجود الآن، لكن بمستوى عالميّ أوسع، فالناس مثلا يمدحون الغرب في أخلاقهم وأدبهم والتزامهم بالقوانين، بينما المسلمون على العكس منهم، فليس عندهم انضباط ولا استقامة، ويقول الشهيد مطهّري بقيت مدّة أبحث في الفرق بين الشرقيّ والغربيّ، وأتساءل عن سبب تردي أحوالنا ونحن من يمتلك الإسلام، وبعد بحث اكتشفت أنّ روح الأنا التي يتّسمون بها قد تتكرّس بفعل التلقينات والتربية فلا يحسّ الواحد منهم إلا بنفسه وبيته وأسرته ويرى أنّهم هم الأصل، أمّا غيره فلا يعتبر إنسانا. نفس الأنانيّة لكن توسّعت، وبنفس حبّه لذاته يندفع من أجل عياله وبيته وأسرته، هذه هي دائرته فقط. نفس هذا الغل –غلّ الأنا- قد يتّسع أكثر، فيرون أنّهم كأمّة يستحقون عيش حياة منظّمة محترمة، تراعي القوانين والحقوق. لكن نظرتهم تختلف للشرقيّين كأمّة، فلو مات مثلا في أفغانستان عشرة آلاف أو في العراق عشرون ألفا فهؤلاء لا قيمة لدمائهم وأرواحهم. غلّ الفرد في الغرب توسّع إلى غلّ قبيلة ثمّ إلى غلّ أمّة مستعدّة للتفاني لكن من أجل نفسها فقط.

هذه الآية دائما تجد مصداقها، هؤلاء أكثرهم لا يؤمنون، لأنّ قيم رسول الله لا تقف عند الإيمان بالتوحيد اللفظيّ، بل تمتدّ لتشمل الإنسانية، أمّا الغرب فإنسانيتهم لا تمتدّ لتشمل الشرقيّين، فلا تنبهروا بكلام الغرب المنمّق البراق، فليس كلّ ما يبرق ذهبا، إنسانيتهم التي يتشدّقون بها يطبّقونها فيما بينهم، أمّا أنتم فيعاملونكم بشكل مختلف. ولهذا الآيات تخاطب الرسول وتقول هؤلاء ليسوا طموحك، هؤلاء لا يؤمنون.

﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب فبشره بمغفرة وأجر كريم

الآية في مقام تسكين آلام رسول الله (ص) الناتجة من رفضهم الانقياد للحقّ، ومن تكبّرهم وغرورهم وعصبيّتهم وذاتيّتهم أنانيّتهم، هذه الأغلال التي بُعث لكي يرفعها عنهم، لكنّهم متشبّثون بها .﴿إِنَّمَا تُنذِرُ﴾ من يستحقّ الاستفادة من هذا القرآن ومن إنذارك، شخص فيه خصوصيتين، وهؤلاء هم الأقلّ، لكنّ الله تعالى سيظهرهم وينصرهم، ودائرتهم ستتّسع في الكمّ والكيف.

الوصف الأوّل ﴿مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾:

الاتّباع فيه ميزة، وهي أنّ المتّبِع يأخذ حركة المتّبَع، لأن طبيعة التبعيّة هي اتّخاذ اللون والحركة، وهؤلاء الأقلّيّة فيهم ميزة، وهي أنّهم لا يحفظون الذكرفقط  (يعني القرآن الكريم) أو يفسّرونه؛ وإنّما هم يتّبعون الذكر، يعني يعطفون ميولهم مع ما يقوله الذكر، ويكيّفون هواهم ورغباتهم بحسبه. هؤلاء سيرتهم في هذه الحياة والهدف الأوّل لهم أن يتّبعوا الذكر ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ والذي يتّبع الذكر يأخذ حركة الذكر ولونه، هذا معنى الاتباع. الاتّباع أن لا تخطّط لنفسك كيف تتحرّك وكيف تفكر، أنت في الحقيقة صرف متّبع، لكن متّبع عن علم ومعرفة وإيمان وإدراك. 

الوصف الثاني ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ﴾ :

وهو مترتب على الوصف الأوّل، وفي الآية عدة نكات :

أوّلا:  علّقت الآية الخشية على الرحمن، مع أنّ الظاهر أنّ الرحمة يناسبها الأمل لا الخشية، والرحمن هو منشأ العفو والمغفرة والفيض ، فكيف نقول ﴿وَخَشِيَ الرَّحْمَن﴾؟

الجواب : كما أنّ رسول الله على صراط مستقيم فإنّ اتّباع الذكر يجعل الإنسان معتدلا مستقيما، فهو ينظر إلى جلال الله سبحانه وقدرته وحضوره وقوّته تعالى وهذا يؤدّي بشكل طبيعيّ إلى الخشية. والخشية غير الخوف، الله سبحانه وتعالى لا يخيف أحدا، لكن الذي يعرف الله سبحانه وتعالى يخشاه،أي يخاف مقامه، ويدرك أنّ فوقه من هو أقدر منه وأقوى، و له إرادة غالبة عليه. ويرى في مقابل ذلك فيض الله سبحانه وكرمه وعطاياه فيؤدّي ذلك إلى الخشية.

يقول الشيخ جوادي: كثير من الناس يتساءلون عن طريق الاتّصال برسول الله (ص) وبأهل البيت (ع)، القرآن يجيبهم بأنّ رسول الله ﴿عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، ويكون الإنسان على صراط مستقيم إذا اعتدل روحيّا، فينظر بعين إلى رحمانيّة الله سبحانه وينظر بالعين الثانية إلى جبّاريّة الله. الذي ينظر بكلتا عينيه هو إنسان معتدل، وهو المقصود بالإنذار ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَٰنَ بِالْغَيْبِ ۖ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾.

﴿خشي الرحمن بالغيب﴾ لها ثلاثة معان:

 المعنى الأول :  المتبادر هو أن الله سبحانه غيب، وليس له حضور حسّيّ، فالذي يخشى الرحمن بالغيب هو من يؤمن بالله سبحانه في حال الخلوة والجلوة، وتتساوى أخلاقه في الحالين فلا ينافق. ولذا نحن نعتقد أن الذين انقلبوا بعد وفاة رسول الله (ص) وارتدّوا أولئك كانوا يعتبرونه ملكا منتصرا، ولا يؤمنون به كرسول.

المعنى الثاني: كثير من الناس يخلطون بين الجهل والغيب. ويتصوّرون أن المؤمنين يطيعون وينقادون ويخافون أمرا يجهلونه. والحال أن الذي يخشى الرحمن بالغيب ليس إنسانا جاهلا، الجهل لا يُحدث عندك استقرارا ولا اطمئنانا ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. حالات الإيمان والإخبات والاطمئنان لا يمكن أن تنشأ من الجهل بل من الإيمان بالغيب.

يكثيرا ما يدّعى علينا  أنّنا نحن الإسلاميّين ندعو إلى أمور مجهولة لا دليل عليها. والحال أننا لا ندعو إلى مجهولات، بل ندعو إلى عالم الغيب كما علمتنا الروايات . في الروايات يتمّ التعبير عن القبر الذي لا تتجاوز مساحته بضعة أمتار بعنوان (عالم القبر)، صاحب النظرة الحسّيّة كيف يمكن أن يفهم كون القبر عالما؟

نحن نؤمن بأنّ القبر عالم، لا إيمان عن جهل بالمقدّمات، عندنا أدلّة قطعيّة على ذلك لكن لا نعرف التفاصيل، ولا غيرنا يعرف إلّا رسول الله وأهل بيته.

المعنى الثالث : وهو أنّ الذي يتّبع الذكر تفتح له أبواب كثيرة، غيره يراها غيبا ويراها هو شهادة، هذا هو المعنى الذي ذكره السيد الإمام (ر.ض)إذ يقول إن من اتّبع الذكر يمشي في طريق منير وتفتح له الأبواب ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: 4] يعني يصعد ويتعالى ويرتفع عن الآخرين، ويحقّق فتوحات وانتصارات في نفسه.

الذكر يأخذ الإنسان إلى أسماء الله وصفاته ومعرفة ما وراء هذا العالم، وكلّما تقدّم في اتّباع الذكر خطوة يرتفع عنه حجاب، ويتحوّل الغيب الذي عند غيره إلى شهادة بالنسبة له. وهذا هو مرتكز برهان الصدّيقين.

الطاعة تجرّ الإنسان إلى المعرفة، وإلى انفتاح آفاق من التقوى والإيمان، وسقوط الأغلال، بحيث لا يبقى أمامه إلّا عقبة واحدة ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ﴾ [البلد: 11] . وهذا الذكر ليس دواء بل شفاء، هو الصحّة التي ليس بعدها مرض. والماشي على هذا الصراط كلّما مشى أكثر كلما زاد علمه ومعرفته وانكشاف الحقائق له.

﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾

تتكلّم الآية عن حالة دفعية، وعن عطاء لمن ينقاد لله سبحانه ولو كانوا قلّة ، هنا انتقل الكلام من الإنذار إلى البشرى، والفاء هنا للسرعة، فمقابل كل طاعة توجد بشرى بالمغفرة. عبّر بالمغفرة لأنّ هؤلاء يقلقهم أمر خطاياهم وذنوبهم، التي تزعجهم وتنغّص عليهم حياتهم. فربّ العالمين يغفرها لهم عاجلا. ووعد بـ ﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ الأجر هو ما يحصل عليه الإنسان مقابل جهده، سواء كان جهدا بدنيّا أو علميّا أو روحيّا. لكن الأجر من الكريم لا يقابل الجهد، يقول الله لرسوله هؤلاء أجورهم لا يؤتيهم إياها إلا الله سبحانه، لأنّ لهم نوع من الأجر لا يوفّيه إلا كرم الله تعالى.

القرآن عندما يتكلّم عن الكريم يعطيه حالة استثنائية يعني حالة واحد تصدرعن واحد. القران عندما يتكلم عن بلقيس ملكة سبأ عرفت أن الكتاب من سليمان ﴿إنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: 30] مع أنّ النبيّ سليمان لم يوقّعه ولم يختمه. عرفت من مفاد الكلام أنّه لا يصدر إلا عن واحد. أكرم الموجودين متشخص ومتعيّن من كرمه. لذلك وصفتْ الكتاب بأنّه كتاب كريم.

القرآن له مناهج وتشريعات وآداب وأخلاق، وهؤلاء سلوكهم هو سلوك اتّباع فقط مقابل أولئك الذين عندهم أغلال، وهؤلاء في الحقيقة أحرار مطلقون تماما، عقبة واحدة واقتحموها. وعندما اقتحموها أخذوا لون القرآن.

أغلب الآيات التي تتكلم عن الغيب تطبّقها الروايات على الإمام الحجّة عليه السلام وفي زمن الغيبة كلّ الأعمال ثوابها مضاعف. ما الداعي أن أؤمن بشيء غير موجود أو غير حاضر؟ ما الذي يحفز الإنسان للانتماء للمذهب الشيعيّ وخدمته؟ ليس إلّا حبّنا لهذا الغائب. هذه النتيجة جاءت من اتّباع القرآن.

إذن يوجد تطابق بين هذه الثلة وبين اتّباع الغيب، وإيماننا بالإمام صلوات الله وسلامه عليه مع غيبته يكشف عن عقيدتنا وإيماننا وتعقّلنا وفهمنا، يكشف عن قوّة إدراكنا وقوة اتّباعنا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 59٬851 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ذلك القريب مني 5 (2)

عندما نزور أضرحة الأئمة ﴿؏﴾؛ نحاول أن ندنو إلى أقرب نقطة من الضريح، وهذه المسألة ليست خاطئة؛ فقرب الإنسان من الضريح أمرٌ حسنٌ في حدّ نفسه؛ ولكن الحديث هنا ليس كيف نكون قريبين بدنيًا وروحيًا من الإمام ﴿؏﴾؛ بل كيف يكون الإمام ﴿؏﴾ قريبًا منّا

عارفًا بحقها 5 (1)

إن نفس حق السيدة المعصومة (ع) هو محبب ومطلوب، والإمام يريد أن يحرك إليه، وأن أصل معرفتها هو المراد سواءً كان الإنسان في زيارتها عن قرب أو عن بعد أو كان في بيته، فالمراد هو أصل معرفة مقامها (ع) وهذا ماتشير له وتفيده الرواية؛ فهي دعوة للتعرف على مقامها

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.