تقدم القراءة:

ملخص بحث نشيد أهل الجنة

الأحد 29 يونيو 2014مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

(يس) تلك السورة التي جسدت جهود وجهاد رسول الله وعكست مقاماته، ولذا كانت نشيدا ً يترنم به أهل الجنة. 

(يس) قلب القرآن الذي يضخّ أصول الدين في آياته, وتتفرع عروقها لتشكل دستورا معرفيا للأصول الثلاثة: التوحيد والنبوة والبعث. سنمضي هنا مع آياتها: 

{يس}

نداء مشفّر بين محب ومحبوب، ألقى بظلال جماله على كل مقاطع الآيات.

{وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ • إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ • عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ • تَنزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيم}

قسم بالقرآن الحكيم أنك مرسَل من مرسِل فوق الزمان والمكان، برسالة من الغيب، وأنك وإن كنت من المرسلين لكنك لست في عرضهم، فأنت على صراط مستقيم. ونحن نشهد أنه بلغ الرسالة وبالغ في النصيحة.

{لتُنذِرَ قَوْماً مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ}

إنهم غافلون، جاهلون ولا يدركون جهلهم، فما أصعب المهمة! حرث وغرس في أرض سبخة جدبة، ولكنك نور يخترق ظلمات جاهلية جهلاء، فسبحان المحمدية البيضاء.

{لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ}

فلن يذوقوا هذا التغيير الروحي الذي تطمح إليه يامحمد، فقد قيّدتهم أغلال العصبية، وأغشتهم السدود فهم لا يبصرون..

{إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ}

الوحي معك في كل خطوة، فلا تعبأ بهذه الأكثرية فهناك من سيتبع الذكر، فيمضي معه حيث مضى وينعطف معه حيث انعطف، من خشي الرحمن بالغيب هم من سيتخلقون بالقرآن ومن يعطفون الهوى على الهدى وحيث ما كان الذكر يكونون. هؤلاء هم طموحك يا (يس) فبشرهم بمغفرة وأجر كريم لا يعطيه إلا رب العالمين.

{إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}

الموت ذلك العالم الذي لم يدخل في أغواره إلا القرآن، ولم يُعرف إلا من خلال محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله، ومن اتبع الذكر سوف تتفتح لهم آفاق ذلك العالم ليتعرّف عليه وعلى صاحب هذه الرسالة ليحبه ويرتبط به.

نعم، تحدثت الكتب السماوية عن عالم الموت لكن هناك تفاوت كبير جداً بينها وبين القرآن، فحديثها كان عرضا لأصل الكليات فقط، أما القرآن فقد نقل تفاصيل صور ذلك العالم ببيان واضح ومنطقي وعميق. ليعالج الرغبة الإنسانية في البقاء والخلود في حين لا تفعل المدارس الفلسفية غير الإلهية إلا تربية الإنسان على التأقلم على أن الموت واقع لابدّ من التسليم له والرضا به، هذه المسكّنات المؤقّتة لا يستخدمها القرآن بل يعطي تأسيسا جديدا لحقيقة الموت، ليبلغ به إلى أعلى غاية إذ يسميه (لقاء الله).

في هذه المحطة توقفت الأستاذة الفاضلة على حقيقة الموت في القرآن الكريم، الذي هو أمر وجودي يحتاج مثل أي موجود آخر الى الخلق والإيجاد، والموت في القرآن ليس إلا رحلة وانتقال وهجرة أو كما يعبّر ابن سينا (خلع بعد لبس)، والإنسان يموت في كل لحظة وهو متجه للموت مع كل نفَس {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ} [الجمعة: 8] وهو يتحرك باتجاه طولي من عالم الحس إلى عالم العقل، منتقلا إلى مرحلة أرقى وأعلى، إلى حيث لا غفلة ولا مزاحمات ولا ضلال، فمن يموت يشتد وجوده وتشتد كل آثاره ويخلق خلقا جديدا.

{إنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى} 

تعبير بالجمع، لأن الذي يحيى ليس الإنسان وحده، والذي ينتقل إلى ذلك العالم ليس الإنسان المنقطع عن عوالمه الأخرى، فأخلاق الإنسان عالم، وأعماله عالم، وعقائده عالم، كل هذه العوالم تشكّل قافلة مع الإنسان.

{وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا} 

 فنحن نقدم أمامنا أخلاقا أفكارا وعقائد سنراها منشورة مفصّلة في يوم النشور نسخة منها منقوشة في ذواتنا وأخرى تنشر لنا بعد أن كانت مطوية. وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه 

نحيي … ونكتب .. : لا يوجد أي انفكاك بين الموت وكتابة ما قدمه الإنسان وكتابة العمل متزامنة مع مسير الإنسان نحو الموت. 

{وَآثَارَهُمْ} 

لا تنقطع آثار عمل الإنسان بعد موته، بل تترك صدى وراءها وما دام هذا الصدى موجودا فحتى لو خرج الإنسان من عالم الطبيعة فستبقى آثار الأعمال تتبعه. 

وحول معيار دخول الناس الى عالم الموت في القرآن كانت للأستاذة الفاضلة وقفة متميزة، إذ اعتبرت أن معايير القرآن في تقسيم الناس بعد الموت ليست هي معايير وضعت بالأماني من قبيل {وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّامَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى}، [البقرة:111] بل هي معايير حقيقية عالمية قائمة على أول المدركات العقليّة التي لا يختلف فيها البشر.

فمعايير القرآن هي: الظلم والطيٍّب {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنتُمْ ۖ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ ۚ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا ۚ فَأُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} [النساء: 79] و {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ ۙ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [النحل: 32]. هذه الآيات لم تصنّف الناس إلى كافرين ومؤمنين فالكفر والفسق مفاهيم إسلامية، بل استخدمت مفاهيم عالميّة وجعلتها معيار نزع الأرواح، لأن ذلك العالم مرتبط بالبشر جميعا وليس بالمسلمين خاصة، و إدراك قبح الظلم بل هو من الأمور التي يدركها العقل والوجدان الإنساني. 

هذه المعايير معايير واقعيّة في عالم الحق، العالم الذي تسقط فيه الانتماءات والعناوين .. يهودي، نصراني، مسلم، شيعي … الخ. وهذه الانتماءات والأسماء مالم تتضمّن حقا فلا معيار لها، وهي تسقط بمجرد دخول الإنسان إلى عالم الحق. فـ {الْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ} [الاعراف: 8]. هذا مبنى تأسيسي تأصيلي عالمي يضعه القرآن ويزن به الناس في عالم الموت، وفهم هذا المبنى القرآني يؤدي إلى أن نعرف كيف نتعامل مع بقية الديانات والمذاهب وفق معايير الحق والباطل.

{وكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ}

القرآن يتحدث عن ثلاثة كتب:

١- كتاب للفرد: تكتب فيه عباداته، أخلاقه، أعماله.

٢- كتاب للأمة: {وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً ۚ كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰإِلَىٰ كِتَابِهَا} [الجاثية: 28] ويكتب فيه  أثر الفرد في أمته ومجتمعه من خير وشر.

٣- كتاب لكل شيء: وهو اللوح المحفوظ و هو امام الكتب وكل ما يطلق عليه (شيء) قد أحصاه الله سبحانه وتعالى في ذلك الكتاب.

إمام مبين هو أمير المؤمنين (ع) :

الامام: هو المتقدم ومن يؤتم به، وهو الأساس والأصل، ومن هنا قيل إمام الصلاة. وأحد أسباب تسمية الإمام المعصوم بـ (الإمام) هو أنه النسخة الأصيلة للإنسان.

الآية تقول: كل شيء يحدث في هذا الكون فهو في امام مبين، وهي إكمال التسلية للنبي (ص) فهذا الإمام المبين هو النسخة الإنسانية الكاملة وجوهرة الوجود التي صاغتها الرسالة وهو طموح رسول الله صلى الله عليه وآله.

عن ابن عباس عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: (أنا والله الإمام المبين أبيّن الحق من الباطل ورثته من رسول الله صلى الله عليه وآله)

{وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلاً أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ}

يسلّي الله نبيه ويضرب مثلا لهؤلاء الذين حق عليهم القول فهم لايؤمنون فيقول (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية ..) وقد استخدم الضرب للمثل لأنه يراد به التثبيت والبقاء وهو من ضرب السكّة لأن كل أمّة بسلبياتها و إيجابياتها مضروبة ثابتة في تاريخ الانسانية، وبالمثل نكتشف الخصائص المشتركة في تعاطي الناس مع الرسل والرسالات والرساليين. ومنها نأخذ العبر.

{أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ}

والتي يعبّر عنها القرآن في موضع آخر (بالمدينة) هي أنطاكية إحدى مدن بلاد الشام مدينة مهمة جغرافيّا ودينيّا لكن القرآن لا يتكلم عن وضعها الجغرافي ولا التأريخي، فهو لا يهتم بجغرافيا المكان (إذ جاءها المرسلون) المهم هو منهجها في التفكير وردّة فعلها مع المرسلين وتعاملها مع الرساليين وذلك لأن القرآن ليس ناقلا للتاريخ، وإنما ناقد للتاريخ.

{إذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ}

مسؤولية الرسل في هذه القرية ثقيلة جداً، لما فيها من التكبر والغرور وعدم الاستجابة للحق ولذلك أرسل الله اثنين ثم عزز بثالث. ويجدر المقارنة هنا بين حملهم  وحمل النبي هذه الرسالة لوحده في قوم لم تسبق لهم الرسالات وما أنذر آباؤهم من قبل فما أشق مهمة رسول الله (ص) !

هذه قرية سبق لها المرسلون ومع ذلك يعزّز الله سبحانه رسولا برسول وكم تعبوا من أقوامهم وقالوا فيهم ما قالوا .. لكنه صلى الله عليه وآله  يحفر في صخر قلوبهم بماء رحمته وأخلاقه ولا يقول إلا: “اللهم اهد لقومي فإنهم لا يعلمون”

{فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ}

انظروا منطق الأنبياء والرسل، وردّة فعل هذه القرية التي استحقت أن تكون مثلا يضرب، يقولون لهم: نحن مرسلون من عالم الوحي والطهارة، فيجيبون {مَا أَنْتُمْ إِلا بَشَرٌ} لأنهم لا يرون جانب الوحي والطهارة، بل يرون ظاهر الرسل فحسب ! 

وهذا اشكال كل من يقف على الظواهر ويرى البعد البشري فقط في الأنبياء ولا يلتفت الى البعد الانساني الذي فيه اختلاف المراتب والكمالات، المؤسس لهذه النظرة هو إبليس عندما قال: {أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ}[الأعراف: 12]

{وَمَا أَنزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ}

 وجود الرحمن ليس عقيدة ثابتة في أنفسهم بل هم  يتمنطقون بقيمة راجت في مجتمعات الإنسانية عبر من سبق من الأنبياء، “الرحمن”.. تمر على ألسنتهم لا عن اعتقاد ولا إيمان.

{قَالُوا رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ وَمَا عَلَيْنَا إِلا الْبَلاغُ الْمُبِينُ}

للرسل والرساليين وظيفتان:

الوظيفة الأولى: إبلاغ الناس وإيصال البيانات الإلهية إلى أكبر قدر ممكن. البلاغ هو خصوصية في الروح الرسالية، ومن يحمل نفسا رساليا  فإنه يهتم بفهم الناس واهتدائهم ..

الوظيفة الثانية: البيان والوضوح , فالمعلم الرسالي هو من يتكلم في العلوم الوحيانية العميقة ولكن بلسان قومه، وهذا ما يجعل الناس تأتي للدين بلا إكراه.

وكان للأستاذة الفاضلة وقفة هنا مع آية (لا اكراه في الدين) :

قال العلماء في معنى الآية أنه إذا اجتمعت الآليات الرسالية في الدعوة إلى الله فلن يكون هناك اكراه في الدين فالوحي لا يزاحم الفطرة بل هو حكاية الفطرة ولذا هو موقع قبول الناس.

وساقت الأستاذة مثالا للتوضيح فقالت:

يقسّم العرب الغذاء إلى مطبوع ومكروه، الغذاء المطبوع وهو الذي يوافق الطبع فلو عرض غذاء طيب ذو طعم طيب ورائحة طيبة على إنسان جائع فهو موافق للطبع فيسمى مطبوعا، أما الطعام المكروه الذي ينفر منه الإنسان.

يراد من هذا المثال أن كل الحقائق التي يقولها الأنبياء والرسل موافقة للفطرة ومنسجمة معها. 

إذن: من أين يأتي الشعور بالاكراه في الدين؟

الدين ثلاثة حقول:

  • الحقل الاول/ العقيدة: والطريق إليها العقل ولا يمكن أن ينتهي العقل إلى نتيجة قطعية ثم ينفر منها لا يمكن أن يكون الاكراه في العقيدة لأن الجانب العقائدي دائما موافق ومطابق لفطرة الإنسان.
  • الحقل الثاني/ لأخلاق: وهي ايضا ليست مما ينفر منه , هل سمعتم أن أحدا ينفر من كلمة زهد، تقوى، أدب، أخلاق؟!
  • الحقل الثالث/ الفقة: وهنا يمكن أن يأتي النفور والإكراه في الدين وذلك لسببين: 

السبب الأول: أن الفقه قانون، وطبيعته الضبط والإلزام، ولابدّ من الالتزام به. وهذا أمر طبيعي، فكما أن لكل بلد قانون يجب تطبيقه فمدينة الإيمان كذلك من يدخلها عليه أن يلتزم بقانونها. ومن يريد أن يفر من هذا القانون بعد إيمانه بالعقيدة والأخلاق فالمشكلة منه هو {بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ} [القيامة: 5].

السبب الثاني: أن الفقه لا يبنى دائمًا على القطعيات العقلية. ولأنه مبني على الظنيّات لاعتماده على الفهم البشري للنص، فإذا كان هناك حكم فقهي يعارض العقل فهو باطل.

إذن “لا إكراه في الدين” يعني أن الدين مقولة ليس فيها إجبار والإجبار منفي تكوينا وتشريعا. الدين المطابق للواقع فهو مدعاة للانجذاب والقبول ولا ترى الناس أمامه إلا {أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} [المائدة: 83].

{وَمَا عَلَيْنَا إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبِين}

 تكلّف هؤلاء الرساليين كثيرًا، فالرسول ليس رسولا فقط عندما يجلس على المنبر، وهنا يكمن الفرق بيننا وبين بقية المدارس الإسلامية فهم يعتقدون أن الرسول رسول عندما يتكلم عن الوحي فقط، ولكنه ليس معصوما في بقية شؤونه فهو أمين في حمل الرسالة ولذا نزوره بقولنا: (السلام عليك يا أمين الله في أرضه).

{قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ}

التطير سنة جاهلية، حيث يهيج الطير فإذا طار من جهة اليمين تيمنوا به ومضوا فيما عزموا، وإن طار من جهة اليسار تشاءموا ورجعوا عما عزموا عليه.

وكم هو غريب هذا الرد على منطق الانبياء الذين يتحدثون عن الحقائق، ويقابلون بالحديث عن الفأل والوهم والتطيّر، الأنبياء جاؤوا لعلاج الموهومات وهؤلاء يكلمونهم بالوهم.

التطيّر: هو الربط اللامنطقي بين الحوادث والقاعدة الكلية التي نأخذها من هذه الآية هي أن التلاعب بخيال الناس وإيهامهم بخلاف الواقع موجود دائما ويتلبّس في كل زمان بثوب، وكل الحكام المنحرفين يبحثون عن من يربط بين الأحداث ربطا وهميا خياليا، ليفسروا الأحداث ويحللونها تحليلا وهميا لا منطقيا ليحقّقوا أهدافهم. في حين أن الدين ينهى عن التطيّر ويدعوا للتفاؤل (تفاءلوا بالخير تجدوه).

{لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ}

الرجم ليس مجرّد رمي حجر، بل فيه إهانة وتحقير، ولو قارنا بينه وبين الجلد لوجدنا أن الجلد يقوم به واحد لكن الرجم يقوم به مجموعة، هذا التهديد مفاده  أن كل المجتمع سيقف في وجه الأنبياء وسيرجمهم وهذه جرأة في  تأليب الرأي العام ضد دعوة المرسلين.

{قالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَئِنْ ذُكِّرْتُمْ}

رد علمي لا انفعال فيه، لم يدافع المرسلون عن أنفسهم بل ردّوا بمعالجة علمية لنظرهم التوهمي، ذلك لأنهم أطباء، واحدهم (طبيب دوار بطبه) يهددون الأنبياء بالرجم والأنبياء يردّون عليهم ببيان الحقائق. (قالوا طائركم معكم) أي أعمالكم، ونواياكم وما جمعتم في داخلكم، وهل يمكن أن يفر الانسان من ذاته.

الغريب أن الانسان حين يقع في مشكلة فهو يميل إلى القائها على غيره، على من حوله أو على الظرف الذي هو فيه وعلى بيئته ومناخه، ولكن القرآن يقرر بأن كل سوء يقع على الإنسان فهو من عمله، ورد في الحديث (أعمالكم عمّالكم) أي أنها تبني وتهدم فيكم، عندما تنتهي من العمل يكون فاعلا فيك وأنت مفعول بعد أن كنت فاعلا فيه، وقد قلنا أنه لا يمكن التفكيك بين الإنسان وأعماله فهي معه تشكل قافلة ولا يمكن أن يهرب أحد من من ذاته. هؤلاء المرسلون يقرّرون هذه الحقيقة ويقولون لهم أن العمل أصبح جزءا من ذاتكم (طائركم معكم).

{قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ • اتَّبِعُوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُم مُّهْتَدُونَ • وَمَا لِي لاَ أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ • أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَن بِضُرٍّ لاَّ تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلاَ يُنقِذُونِ}

في هذه الآية تكرّرت كلمة الاتباعٍ مرتين على لسان هذا المؤمن الرسالي … كان يكفي أن يقولها مرة واحدة ولكن هناك أصل قرآني مفاده أن الإيمان بالرسل والأنبياء لا يكون له فعلية وتحقق إلا بالاتباع، ومجرد الإقرار باللسان لا يعتبر إيمانا بالمرسلين بل هو صرف شعارات.

إن تكرار كلمة الاتباع  يقسم الناس إلى صنفين:

١- متبعون واقعيون للرسل والرسالة.

٢- مظهرون للإيمان ومبطنون للكفر.

إن إظهار الإيمان بدون اتباع حقيقي هي مشكلة تتكرر مع الأنبياء دائماً عبر التاريخ وهذه المسألة واضحة في سيرة النبي صلى الله عليه وآله والقرآن يتحدّث عن انقلاب واقع بعد وفاة رسول الله فيقول: {أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ} [آل عمران: 144].

ومن أهم مظاهر اتباع النبي صلى الله عليه وآله في القرآن والروايات ولاية أمير المؤمنين عليه السلام والفرق بين كل الأنبياء ورسول الله صلى الله عليه وآله هو أن جميع الأنبياء كانوا يقولون: (قل ما نسألكم عليه من أجر) و لكن رسول الله كان يقول: (ما أسألكم عليه من أجر إلا المودة في القربى) لأنها هي التي تفيد الاتباع.

{وَماليَ لاأَعْبُدُ الّذي فَطَرَني وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ}

هناك اقتران بين الاتباع وعبادة الله تعالى ، وهاتان حقيقتان لا تنفكان عن بعضهما فعبودية الله وطاعته لا تنفك عن اتباع ولي الله بل لا تظهر العبادة الا بالاتباع.

{إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لاتُغْنِ عَنّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً وَلايُنْقِذُونِ}

هناك ثلاث حلقات متصلة: العبودية والاتباع والشفاعة، فالذي يؤمن بالعبودية سيتبع أولياء الله وبهذا سينال شفاعتهم.

{قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَالَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ • بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ}

هذه الآية تحكي الأبعاد الروحية للإنسان الإلهي، فمع أنه قيل له ادخل الجنة إلا أنه ما زال يفكر في قومه وقلبه مليئ بالحسرات على قومه (ياليت قومي يعلمون).

وهذا يجعلنا نشير إلى مسألة مهمة تصحح نظرتنا لعلاقتنا بأولياء الله. فكل العلائق والوشائج التي تنشأ في ظل مصالح هذه الدنيا تفنى معها (فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ) [النور:101] لكن علاقة أولياء الله بنا ليست كذلك، فمحبة المعصوم لنا أشد من محبتنا له، انظروا إلى مؤمن آل يس كيف جاء من أقصى المدينة يسعى لشعوره بالمسؤولية عن هداية الآخرين .. هذه العاطفة الصادقة والحس الرسالي لا ينتهي مع رحيل ولي الله من هذا العالم بل يزداد ويشتد لذا حين رأى مؤمن آل فرعون جنته تذكر قومه وتحسر عليهم.

إلى هنا توقفت بنا سفينة الإبحار في محيط يس مع الأستاذة الفاضلة  … تلك السورة التي هي قلب القرآن النابض بأصوله الثلاثة توحيد ونبوة وبعث، وقلب يس ينبض بمحمد صلى الله عليه وآله، الذي نرى صورته الأجمل تطالعنا بين ثناياها لتحيلها مقطوعة محمدية عذبة، حق لأهل الجنة أن يترنّموا بها وتكون لهم نشيداً.

 


*ملخص لدروس نشيد أهل الجنة في موسمه الأول 1435هـ

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬949 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها