تقدم القراءة:

نشيد أهل الجنة ١- يس قلب القرآن

الأحد 29 يونيو 2014مساءًالأحد

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

ورد في الصلوات المستحبّ قراءتها في شهر شعبان: “وَهذا شَهْرُ نَبِيِّكَ سَيِّدِ رُسُلِكَ، شَعْبانُ الَّذي حَفَفْتَهُ مِنْكَ بِالرَّحْمَةِ وَالرِّضْوانِ، الَّذي كانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِه وَسَلَّمَ يَدْأَبُ في صِيامِه وَقِيامِه في لَياليهِ وَأَيّامِه بُخُوعاً لَكَ في إِكْرامِه وَإعْظامِه إِلى مَحَلِّ حِمامِهِ. اَللّـهُمَّ فَأَعِنّا عَلَى الاْسْتِنانِ بِسُنَّتِه فيهِ، وَنَيْلِ الشَّفاعَةِ لَدَيْهِ، اَللّـهُمَّ وَاجْعَلْهُ لي شَفيعاً مُشَفَّعاً وَطَريقاً إِلَيْكَ مَهيعاً، وَاجْعَلْني لَهُ مُتَّبِعاً حَتّى أَلْقاكَ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَنّي راضِياً، وَعَنْ ذُنُوبي غاضِياً، قَدْ أَوْجَبْتَ لي مِنْكَ الرَّحْمَةَ وَالرِّضْوانَ، وَأَنْزَلْتَني دارَ الْقَرارِ وَمَحَلَّ الأخْيار.” *

نبارك لجميع شيعة أمير المؤمنين عليه السلام والمسلمين عامّة حلول شهر الخير والبركة، شهر رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، شهر شعبان الذي تتشعّب منه شجرة طوبى الخير والفضيلة، وطوبى القربى والطهارة، والعفو والمغفرة. وإنّ أفضل ما يختصر هذه المكرمات تلك الصلوات الوادرة عن الإمام عليّ بن الحسين (ع) “اللهمَّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ شجرةِ النبوّة.. اللهمّ صلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ الفُلك الجاريةِ..، اللهمَّ صَلِّ على محمّدٍ وآلِ محمّدٍ الكهفِ الحصين..” وما فيها من مفاصل مهمّة، والمؤكّد على قراءتها في هذا الشهر.

بعد أن تصف الصلوات محمّداً وآل محمّد بأنّهم الفلك الجارية في اللجج الغامرة؛ يدعو الإنسان الله طالبا راجيا أن يكون هو كذلك سفينة تنجي الآخرين أسوة بهم فيقول: “وَارْزُقْني مُواساةَ مَنْ قَتَّرْتَ عَلَيْهِ مِنْ رِزْقِكَ بِما وَسَّعْتَ عَلَيَّ مِنْ فَضْلِكَ، وَنَشَرْتَ عَلَيَّ مِنْ عَدْلِكَ، وَاَحْيَيْتَني تَحْتَ ظِلِّكَ”. ويُمثّل هذا المفصل في الدعاء ما يفترض أن يخرج به المؤمن من شهر شعبان. وهو وإن كان ظاهره المواساة ببذل الصدقة المادّيّة؛ ولكن بالرجوع إلى الآيات القرآنيّة والروايات نجد أنّ الصدقة أعمّ من بذل المال. غير أنّ نظرتنا المادّيّة تحجب عنّا الرؤية، وإلا فالكلمة الطيّبة صدقة، وإصلاح ذات البين صدقة، ونشر المحبّة والمودّة صدقة، وإنقاذ الغرقى الهلكى صدقة.

إنّ التعاملَ مع البعيدين عن الدين والقيم بطريقة تنفّرهم وتزيدهم ضياعا أسلوبٌ بعيد عن منهج أهل البيت (ع)، والصدقة الحقيقيّة هي إنقاذهم من الغرق في بحر الخطايا المتلاطم. الضيق المادّيّ ليس المشكلة الوحيدة التي تخنق الإنسان، وإنّما ضيق الأفق والوقوع في الخطيئة والمعصية، وانعدام الألفة والمحبّة.. هذا هو العسر الحقيقيّ وضيق المعيشة. وبلا شكّ فإنّ من يحيا في ظلّ الله سبحانه وتعالى ليس ذلك الذي يملك الأموال “وَاَحْيَيْتَني تَحْتَ ظِلِّكَ” وإنّما السعة المادّيّة مظهر من مظاهر ظلّ الله. عندما تكون في موقع اجتماعيّ جيّد فأنت في ظلّ الله، وهذا الموقع قد يخوّلك للسعيّ في إصلاح ذات البين، وهذا وجه من وجوه الإنفاق، .. إنّها واحدة من أهمّ الوصايا في هذا الشهر: أن يسعى الإنسان ليكون هو بنفسه سفينة نجاة، تدور بحثا عن الغرقى حتّى تنجيهم، ولا تنتظرهم ليصلوا إليها.

نشيد أهل الجنّة:

(نشيد أهل الجنّة) سيكون بحثا في تفسير سورة (يس)، التي تكشف خصائص شخصيّة الرسول الله صلوات الله عليه وعلى آله.

تعبير (نشيد أهل الجنّة) متصيّد من بعض الروايات، ويمكن اعتباره معنى كنائيّا أو مجازيّا، لكنّه لم يأت من فراغ، وإنّما من ملاحظة بُعد حقيقيّ وواقعيّ في مضمون الرواية. ورد في كتاب الأمالي للطوسيّ -الذي يحوي الصحاح من الروايات- أنّ “أهل الجنّة لا يقرأون في الجنّة إلا سورة يس و طه” ومستبعد أنّ الله تعالى لا يمكّنهم من قراءة سواها من السور، لأنّ المؤمن في الجنّة يقال له اقرأ و ارق، فيقرأ من القرآن بقدر ما يستطيع. فنرجّح أنّهم إنّما يردّدون هاتين السورتين بنحو الاختيار، لا أنّهم تكوينا لا يستطيعون قراءة سواهما. ولعلّ ما يفسّر اقتصارهم على يس وطه هو شدّة تولّعهم بالمعاني الموجودة في السورتين فلا يقرأون غيرهما. فالإنسان إذا أحبّ شيئا تمركز شعوره وتعلّقت أحاسيسه به. فكأنّ المؤمنين بعد دخولهم الجنّة ورفع الحجب عنهم رأوا جمال رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله، وعرفوا أثر فعل رسول الله بعد أن رأوا مقاماته (ص) فتولّعوا وتعلّقوا به. ولأنّ الرسول في مقام أرفع كانت لهم السورتان مثل صورة فوتوغرافيّة أو صورة متحرّكة يديمون النظر فيها، وتعكس لهم شخصيّة رسول الله ومقامه الأرفع، فراحوا يردّدون تلك الآيات حبّا فيه.

خصوصيّة سورة (يس):

تمّ انتخاب سورة (يس) للتناسب بينها وبين شهر شعبان، شهر رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله. وكلّنا يعرف ما لسورة (يس) من أهمّيّة خاصّة بين السور القرآنيّة، تشهد على ذلك الروايات الواردة عند كلا الفريقين، فهي مسألة متّفق عليها.

يقسّم بعض المفسّرين السور القرآنية إلى توائم، بالنظر إلى اشتراك معانيها، كالمدّثر والمزمّل، والبقرة والأعراف، و.. ، أما سورة (يس) فتوأمها سورة الرحمن. ويلاحظ ذلك جليّا في أغلب زيارات المعصومين، حيث يستحب قراءة شيء من سورة الرحمن أو (يس) في مفاصلها.

وجه التوأميّة بين الرحمن و(يس) :

الرحمن عروس القرآن، والعروس لا تطلق على المرأة فقط، بل على كلّ ما له جاذبيّة وتميّز وموقع خاصّ، وله لحن وطرب، فيقال مثلا عروس المحفل وعروس المكان… وهكذا.

سورة الرحمن بدأت باسم الله تعالى فهو الرحمن، ثم أخذت تعدّد آلاء الله ونعمه بإيقاع خاصّ، بعد كلّ مفصل تذكر فيه موهبة وعطيّة من عطايا الله سبحانه، قائلة: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ وهذا النوع من الترجيع قد تفرّدت به الرحمن على سائر السور القرآنيّة. وكلّ نعمة ومنّة وعطيّة تتكرّر في مفاصل السورة تكشف الحجاب عن رحمانيّة الله، وهكذا يزول الحجاب بعد الحجاب، وكلّما زال حجاب قالت السورة ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَان﴾ ومع وصول الإنسان لنهاية السورة تزول كلّ الحجب ويتجلّى له جمال الله وجلاله ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾  الرحمن: 78 كما يقول من يرفع النقاب عن وجه العروس وينكشف له جمالها (تبارك الرحمن).

كلّ أصل له ظلّ، والظلّ كاشف عن الأصل، يقول العرفاء أنّ جمال الله (أصل)، والظلّ الكاشف عن جمال الله ورحمانيّته هو (يس) محمّد بن عبد الله (ص). وبذلك يتّضح أنّ (الرحمن) هو واقع التكوين الذي فيه جمال الله وجلاله، و(يس) هو مظهر الرحمن الذي فعّل أسماء الله وأبرزها وأظهرها، فكأنّه (ص) العين التي انبجست منها كلّ أسماء الله سبحانه على أرض الواقع. وهذا هو وجه التناسب والتوأميّة بين الرحمن و(يس) وذلك ما سيتّضح أكثر في بيان المبحث تاليا.

وكما أنّ رحمانيّة الله مطلقة فإنّ الجمال المحمّديّ مطلق أيضا. سورة (يس) تكشف ألوانا من هذا الجمال المحمّديّ المطلق، وكلّ وجه مختلف عن الوجه الآخر. معان من الجمال ولو أردتَ أن تجمعها في قالب واحد لما استطعتَ. هذه السورة تعطينا صورة لمحبّة رسول الله (ص) وعطفه ولطفه وتحمّله، وامتداد وجوده وانبساطه على هذا العالم(١).

(يس) قلب القرآن:

لم يُعرف يس أو طه كأحد أسماء رسول الله صلّى الله عليه وآله قبل نزول القرآن مثل اسمَي محمّد وأحمد، وإنّما سمّي بها رسول الله بعد نزول القرآن. وهي تندرج تحت عنوان الحروف المقطعة (حم، ألم، كهيعص….) إلّا أنّ (يس) تختلف عنها بحرف النداء (يا) لتخصيص وصف رسول الله وهو صلوات الله وسلامه عليه المقصود بـ (السين) ومجموعهما (يس). أمّا باقي الحروف المقطّعة في القرآن فهي لخصوص توصيف القرآن ﴿حم • تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الحكيم﴾ الأحقاف: 1-2، ﴿ألم • ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ البقرة: 1-2.

وقد ورد عند كلا الفريقين أنّ (يس) قلب القرآن، عن ابن عباس قال، قال رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله: “لَوَدِدْتُ أَنَّهَا فِي قَلْبِ كُلِّ مؤمن مِنْ أُمَّتِي” وورد في فضلها الكثير(٢)، لكن لماذا سميت قلب القرآن؟

نحن نعرف أنّ للقلب معنيين :

  1. العضو الصنوبريّ الموجود في بدن الإنسان وفي كلّ كائن حيّ.
  2. القلب وفق المنطق القرآنيّ.

فبحسب المعنى الأوّل للقلب يكون الوجه في اعتبار (يس) قلب القرآن هو من حيث أنّ القلب هو العاصمة الأساسيّة التي تدير البدن، فهو منطقة الإدارة التي تبعث بالحياة لكلّ الشرايين المتحرّكة. والملفت في (يس) إذا ما قارنّاها بباقي سور القرآن أنّها لا تحوي حكما فقهيّا تشريعيّا، ولا يوجد فيها مسألة أخلاقيّة أو حقوقيّة، ولا حكم تفريعيّ، وإنّما فيها الأصول (التوحيد النبوّة المعاد)، ومنها تجري المعاني إلى كلّ السور، فهي بذلك قلب القرآن، ومنها تنبت الشرايين الأساسيّة التي تضخّ الحياة إلى كلّ آيات وسور القرآن الكريم(٣).

المعنى الثاني: أنّ القلب في القرآن يأتي بمعنى الروح، لا بمعنى القلب الصنوبريّ ﴿…لهمْ قلوبٌ لا يفْقهونَ بها…﴾ الأعراف: 179، ﴿… فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور﴾ الحج: 46.

القرآن يسمّي الروح قلبا ﴿إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ الشعراء: 89. والقلب غير الصدر في القرآن، فكما أنّ الصدر في البدن هو الفضاء المحيط بالقلب، كذلك الصدر في منطق القرآن هو المناخ الفكريّ والمحيط الثقافيّ وطريقة التفكير والفهم التي تؤثّر في القلب، القلب الذي قلنا أنّه يعني الروح بلسان القرآن الكريم.

الروح ليس من طبيعتها الاستقرار، وإنّما من طبيعتها الحركة والتأثّر والتأثير. (يس) هي الروح المتحرّكة التي تجدها في كلّ سور القرآن. فكلّ ما في القرآن أحكام وأمثال وقصص متّصل في معانيه اتّصالا واضحا بسورة (يس). فمن طبع الله في قلبه سورة (يس) كانت لديه كلّ الأصول، ويستطيع أن يعيد الفروع في القرآن إلى أصولها. هذا هو المعنى الثاني لكون (يس) قلب القرآن. بمعنى أنّ ترجمة كلّ الآيات القرآنيّة معتمدة على معرفة سورة (يس).

مع الآيات ..

﴿يس • وَالْقرآنِ الْحَكِيمِ • إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ • عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ • تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ • لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ • لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَىٰ أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾  يس: 1-7.

ظاهر تعبير الآيات دفع رسول الله صلّى الله عليه وآله إلى اليأس من المجتمع الذي حوله، لكنّنا في الواقع نرى ما لهذا التيئيس من أثر روحيّ ورحمانيّ على قلب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وأثر تربويّ على أمّته.

﴿يس • وَالْقرآنِ الْحَكِيمِ﴾

ياء النداء أعقبتها السين التي خوطب بها رسول الله، نحن نسلّم أنّ (يس) أحد أسماء رسول الله صلّى الله عليه وآله كما جاء عن أهل بيته صلوات الله وسلامه عليهم. وهناك قرينة وهي أنّ الآيات بعد (يس) كلّها تخاطب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم. وللعلماء كلام طويل وعريض في تفسير معنى السين في علم الحروف وأسرارها، لسنا بصدد الحديث عنه الآن. وإنّما نختصر ذلك بأنّ (السين) أشبه بالشيفرة السريّة الخاصّة بين الحبيب (الرحمن) وبين المحبوب (محمّد).

﴿إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ • عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾

القسَم في القرآن لا يكون إلّا في الموارد المهمّة، والله تعالى يقسم هنا بالقرآن الحكيم العظيم على (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ)، وهذا يعني أنّ المقسم من أجله مهمّ وتتوقّف عليه سعادة الناس وهدايتهم.

قرآن: مصدر من القراءة ويعني الكتاب الذي يجب قراءته، أو بمعنى جمع الشيء وضمّ بعضه إلى بعض. والحكيم: بمعنى المحكم، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.

قول الله (إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ) هل يجعل النبي في عرض المرسلين؟

الجواب: كان المشركون يواجهون رسول الله بقولهم: ﴿.. لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ الرعد: 43، والآية تقول أنّ ثمّة شاهدين لإثبات كونه من المرسلين:

الأوّل نظريّ: وهو القرآن وهذه من الحقائق الكافية.

الثاني حيّ متحرّك: من رأسه لأخمص قدميه يشهد على أنّ محمّد بن عبد الله من المرسلين وهو أمير المؤمنين صلوات الله عليهما وآلهما ﴿ويقول الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ﴾.

(من المرسلين) لا تجعل نبيّنا (ص) في عرض الرسل، الآية تريد أن تبيّن أنّ الرسل في اتّصال وعدم انقطاع، ولذلك يقول تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً • أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا …﴾ النساء: 150 – 151.

أي أنّ من لا يحترم نبيّا من الأنبياء فـ “أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا” لأنّه يريد أن يفرّق ويفكّك هذه السلسلة، التي هي سنّة الله وسبيله ونظامه وقانونه. وإذا كانت سنّة الله في الهداية ابتعاث المرسلين؛ فرسول الله ليس خلاف تلك السنّة ولا بدعا بينهم. نعم أنت يا رسول الله من المرسلين ولكن ليس في عرضهم، أنت ﴿عَلَىٰ صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ بينما سائر الرسل هم ﴿.. أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّوِيِّ..﴾ طه: 135، وسيأتي في الجزء الثاني بيان الفرق بين من هو (على) صراط مستقيم وبين بقيّة المرسلين السائرين في الصراط المستقيم.

 


 * المحاضرة في الأوّل من  شعبان/ 1435هـ

١. أورد صاحب الميزان رواية جاء شرحها في كتاب الرسائل التوحيديّة أنّ رسول الله صلوات الله عليه وعلى آله كان يمشي ولا ظلّ له، وكان أهل المدينة يستغربون من ذلك، فكلّ شيء له بعد مادّيّ له ظلّ، ويشرح صاحب الميزان ذلك بأنّ الظلّ يتحقّق في الأجسام التي لها نهاية، أمّا رسول الله فإنّ وجوده ليس بمحدود، وروحه طاغية على بدنه، وفضائله وجماله ليس لها نهاية، وهذه كرامة من كرامات الرسول (ص).

٢. ورد في فضلها أنّ من قرأها في يوم أو ليلة أو في صلاة أو على قبر ميت وأهداها إليه فإنّ الله سبحانه يغفر له ولوالديه وينزل الرحمة والعفو بها، وبها  يشافي المرضى ويقضى الحوائج ويهدي الضالّ، و لها كثير من البركات الدنيويّة والأخرويّة المتحقّقة والمؤثّرة والواقعيّة.

٣. يمكن تطبيق آيات (يس) على الآيات الموجودة في سورة البقرة أو القيامة أو …… ولنا أن نرى أنّها ليست إلا تفرّعات عن تلك الأصول. وآياتها إنّما تتغذّى منها، فـ (يس) هي الدماء التي تعطي النبض والحياة والحيويّة لسائر السور. ولولا محمّد بن عبد الله صلوات الله عليه وآله لم يبق التوحيد. يذكر فيلسوف ومفكّر فرنسيّ أنّه عكف على قراءة القرآن فوجد العجب في (يس)، وذكر أنّه ليس هناك شيء تحتاجه البشريّة إلا وهو موجود فيها. ففيها كلّ الحقائق الأصيلة التي تبعث على نجاة وسعادة واستقرار الإنسانيّة.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬948 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها