تقدم القراءة:

عسل مصفّى ٣

السبت 11 مايو 2013مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

عسل مصفّى ٣ / الأشهر الحرم والأئمة الأربعة ( ٢-٢)

 تحدثنا حول أنّ شهر رجب موسم لتحصيل صفات الموالين لأامير المؤمنين ، وبينّا أن اقتران هذا الشهر بأمير المؤمنين ليس اقترانًا اعتباريّا افتراضيّا بل هو اقتران ربانيّ، لذا فينبغي أن نعدّ أنفسنا إعداداً علميّا وروحيّا لاستقبال يوم ميلاده الميمون، ونسعى لتعميق الارتباط به، لتتجلّى لنا قيمة هذا الارتباط، وحتّى لا نظلم أنفسنا بإضاعة الفرصة المتبقيّة من الشهر. ولكن هناك طلب من الحضور بالتوسّع أكثر في معنى ارتباط الأشهر الأربعة الحرم بالمعصومين الأربعة، لذلك سيستمرّ حديثنا حول هذه الموضوع لنصل في يوم ميلاد الأمير عليه السلام للنتيجة النهائيّة.

وصلنا في المحاضرة السابقة إلى أنّ ارتباط أشهر السنة بالمعصومين، واختصاص الأربعة الحرم بالعليين الأربعة (الأمير والسجاد والرضا والهادي عليهم السلام) هو ارتباط حقيقيّ وشرحنا علّة ذلك. والواقع أنّ هناك فارقاً كبيرا ًبين من يدرك بعقيدته حقيقة هذا الاقتران وبين من لا يعتقد بذلك، فهذا النوع من الاعتقاد ينعكس على اللحظات والساعات والأيّام. نحن كمعتقدين بولاية أهل البيت عليهم السلام نجد من حيث الظاهر أنّنا نعيش هذا الشهر جوّا واحد ومناخا مشتركا مع من لا يعتقد بهذه العقيدة، لكنّ هذا غير صحيح، وعدم إدراك هذا التفاوت يعود إلى مسألة أساسيّة وهي فهمنا لحقيقة الزمان.  أمّا إذا دقّقنا في الروايات الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) وفي القرآن الكريم فسنلتفت إلى أنّنا نعيش في جو متقارن لا في جوّ واحد.

الأشهر الحرم ليست كالأشهر التي عاهد فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المشركين في صلح الحديبية والذي حكته الآية ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ ۙ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ [التوبة: 2] تلك كانت معاهدة اعتباريّة قانونيّة سياسيّة، أمّا الأشهر الحرم فلها واقع من أصل الخلق كما ذكرنا في شرح الآية ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 36]. إذن فهذا الزمان الواحد الممتدّ الذي نتصوّر أنّه متشابه هو في الحقيقة ليس كذلك وفق الأصل القرآنيّ الذي حكته الآية السابقة. فهناك من هم زيْن الأيّام، ومن يؤثّرون في الساعات واللحظات، هذه المعاني هي باطن الآية، ولولا تطبيق أهل البيت هذه المعاني في أحاديثهم لما أمكننا معرفتها وإدراكها.

سنورد اليوم رواية أخرى في هذا المعنى (معنى ارتباط أشهر السنة بأهل البيت عليهم السلام) وسنشرح الرواية لبيان تفاصيل هذا الارتباط:

أخبرنا سلامة بن محمّد، قال: حدّثنا أبو الحسن عليّ بن عمر المعروف بالحاجي، قال: حدّثنا حمزة بن القاسم العلويّ العباسيّ الرازيّ، قال: حدّثنا جعفر بن محمّد الحسنيّ، قال: حدّثني عبيد بن كثير، قال: حدّثنا أحمد بن موسى الأسديّ، عن داود بن كثير، قال: دخلت على أبي عبد الله جعفر بن محمّد (عليه السلام) بالمدينة، فقال لي: «ما الذي أبطأ بك عنّا، يا داود؟» فقلت: حاجة عرضت بالكوفة. فقال: «من خلّفت بها؟» قلت: جعلت فداك، خلّفت عمك زيدا، تركته راكبا على فرس متقلّدا مصحفا  ينادي بأعلى صوته: سلوني سلوني قبل أن تفقدوني، فبين جوانحي علم جمّ، قد عرفت الناسخ من المنسوخ، والمثاني والقرآن العظيم، وإنّي العلم بين الله و بينكم. فقال (عليه السلام) لي: «يا داود، لقد ذهبت بك المذاهب» ثم نادى: «يا سماعة بن مهران، ائتني بسلّة الرطب» فأتاه بسلّة فيها رطب، فتناول منها رطبة فأكلها واستخرج النواة من فيه فغرسها في الأرض، ففلقت وأنبتت وأطلعت وأعذقت، فضرب بيده إلى بسرة من عذق، فشقها واستخرج منها رقّا أبيض، ففضه ودفعه إلي، وقال: اقرأه فقرأته وإذا فيه سطران: الأول: لا إله إلا الله، محمّد رسول الله. والثاني: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، الحسن بن عليّ، الحسين بن عليّ، عليّ بن الحسين، محمّد بن عليّ، جعفر بن محمّد، موسى بن جعفر، عليّ بن موسى، محمّد بن عليّ، عليّ بن محمّد، الحسن بن عليّ، الخلف الحجّة. ثمّ قال: «يا داود، أتدري متى كتب هذا في هذا؟» قلت: الله أعلم ورسوله وأنتم. فقال: «قبل أن يخلق آدم بألفي عام». البرهان في تفسير القرآن، ج‏2، ص: 774. 

بعض الروايات قد تبدو لنا للوهلة الأولى مغرقة في الغيبيّة، ولكن إذا قرّبناها بالأدلّة والآيات سوف نجد بأنّ هذه الآية لا تنطبق إلا على هذه المعاني، ونعرف أنّنا إذا كنّا خرجنا من الظلمات إلى النور فببركة الولاية ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ [البقرة: 257].

لنبدأ بالمقارنة بين ما ورد عنهم عليهم السلام وما ورد عن عظماء وفقهاء ومفسّري بقيّة المذاهب، لتتّضح الهوّة بين الهداية والتيه، ولا شكّ أنّ المقارنة هي أحد سبل المعرفة. جاء في تفسير الفخر الرازيّ -وهو من أكبر مفسّري أهل السنّة كما أنّه فيلسوف ولغويّ وفقيه وموسوعيّ- في جوابه عن علّة اختصاص هذه الحرمة بهذه الأشهر الأربعة.. يقول: “كما أنّ هناك أماكن لها حرمة خاصّة ولا يجوز القتال فيها كمكّة؛ وهناك من الناس لهم حرمة خاصّة لا يجوز حربهم كالأنبياء والأوصياء؛ فهناك أيضا أوقات لها حرمة وموقعيّة خاصّة يجب احترامها”. هذا الجواب- كما يقول أستاذنا الشيخ الجواديّ- هو توسعة لدائرة السؤال والإشكال وليس حلّا له! فهو يعقّد الإشكال أكثر ويوسّع من دائرته، فحينما نقول أنّ الله يختار الأيّام والليالي والأمكنة والأشخاص؛ فهذا لا يعدّ جوابا بقدر ما هو تأكيد للسؤال في دائرة أوسع وأكبر، والسبب أنّ قاعدة مدرسة أهل السنّة في فهم القرآن مختلفة عن قاعدة مدرسة أهل البيت عليهم السلام، وهذه القاعدة تتّضح عند التأمّل والمقارنة بين أجوبة المعصومين وتلامذتهم وبين منهج سائر المسلمين. فأهل السنّة يرتكز منهجهم في تفسير كثير من الآيات القرآنيّة على قوله تعالى: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ [الأنبياء: 23] وهذا ما اعتمد عليه الفخر الرازيّ ليأتي بهذا الجواب في شرح الآية التي هي مدار بحثنا ليقول: كما أنّ هناك حرمة لبعض الأماكن والأشخاص فهناك كذلك حرمه لبعض الشهور، وأنّ الله لا يُسأل عمّا يفعل، وهو جواب يوسّع دائرة الإشكال.

أمّا الجواب الحقّ فنجده عند أهل البيت، فهم سلام الله عليهم كما يقوم منهجهم على قاعدة ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ فإنّه يقوم كذلك على قاعدة ثانية وهي ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ [الأنعام: 124]، هؤلاء الذين وضع الله فيهم رسالته هم من يستطيعون الإجابة عمّا لا نستطيع أن نسأل الله عنه، والجمع بين هاتين الآيتين يقدّم الأجوبة الشافية والمقنعة لمثل هذه الأسئلة. هذه الروايات الصادرة عن أهل بيت العصمة والطهارة تؤسّس لهذا المنهج والارتكاز المعرفيّ المتّحد مع المنهج القرآنيّ من جهة؛ ومع وطبيعة الذهن البشريّ التي راعاها القرآن من جهة أخرى.

تطبيق منهج أهل البيت على الآية التي بين أيدينا: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 36] رأينا كيف أنّ تطبيق منهج المدارس الإسلاميّة الأخرى في تفسير هذه الآية لم يوصل لجواب شافٍ، وسنرى منهج أهل البيت الذي يتّحد مع المنهج القرآنيّ ويتوافق مع طبيعة الذهن البشريّ كيف يوصلنا إلى النتيجة.

نظام تداعي المعاني:

سنعتمد من أجل الوصول للنتيجة على نظام تداعي المعاني، ومعناه: أنّ الإنسان كثير ما ينتقل ذهنه بشكل تلقائيّ (أوتوماتيكيّ) من معنى إلى آخر، وقد استفاد القرآن من هذه الطبيعة المودعة في ذهن الإنسان.

كيف استفاد القرآن من نظام التداعي في الذهن البشريّ؟

سنستعرض نماذج من الآيات القرآنيّة ليتّضح نظام تداعي المعاني أكثر، وسنبيّن كيف استفاد منه أهل البيت عليهم السلام من جهة أخرى.

نموذج قرآنيّ: يتحدّث القرآن عن الانتقال في الأرض بركوب الدواب فيقول: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ ۚ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ(9﴾[النحل: 8-9]. من الملفت هنا انتقال القرآن من الحديث عن ركوب الدواب إلى الحديث عن السبيل إلى الله وعن الهداية، هذا الانتقال سببه نوع ارتباط بينهما، هو ما سمّيناه تداعي المعاني في الذهن البشريّ. فالإنسان الذي يضرب في الأرض طلبا لحوائجه، ويركب الدواب للوصول لغايته –  إذا كان إنسانا ذا فكر صحيح – فسينقله ذهنه بنظام التداعي من سيره الأرضي هذا إلى سيره الروحيّ وطريقه الإنسانيّ وحاجته الأساسيّة والواقعيّة، وسيفكّر: ألا أحتاج في سيري المعنويّ إلى الله لمركب ودابة وهادٍ ومرشد وعلامات ومعالم؟! هذه هي قيمة التفكّر الذي هو خير من عبادة سبعين سنة، أو ألف سنة، لأنّه ينقل الإنسان من المحسوس إلى المعقول.الآية تنقل ذهن الإنسان من المراكب المادّية التي سخّرها الله له إلى المراكب المعنويّة ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ.

المنهج القرآنيّ في روايات أهل البيت (ع):

قال تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ [النحل: 16] تتحدّث الآية عن أهمّية النجوم في إرشاد الإنسان في حركته وتنقّلاته الأرضيّة، فقارئ القرآن المتفكّر تتداعى المعاني في ذهنه فينتقل من تلك الحركة الظاهريّة إلى حركة الإنسان الباطنيّة نحو العالم الآخر، الذي يقطع مراحله بالسير في يومه وشهره وسنته. فقد ورد عنهم (ع) في تفسير قوله تعالى ﴿وَعَلَامَاتٍ ۚ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ ما جاء في الكافي عن أبي عبد الله عليه السلام: “النجم رسول الله (ص) والعلامات الأئمّة، كما جاء عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنّ الله جعل النجوم أماناً لأهل السماء وجعل أهل بيتي أماناً لأهل الأرض) [ينابيع المودة: ص20]. فأهل البيت يقولون: حينما يسير الإنسان في البرّ والبحر مهتديا بالنجوم فإنّه ينجو من التيه والضياع، ويفترض من الإنسان أن يربط بين هذا السير وبين سيره إلى الله وحاجته إلى هاد ومعلّم يكون له كالنجم، لذا ورد في زيارة أمير المؤمنين عليه السلام: (السلام على الصراط الواضح والنجم اللائح والإمام الناصح والزناد القادح ورحمة الله وبركاته) [مفاتيح الجنان: 404]. هذا المنهج الذي وضعه أهل البيت هو تفعيل لهذا الاقتدار الفكريّ عند الإنسان. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ هذا الربط إنّما يكون سالما من الانحراف عند المعصومين سلام الله عليهم، لكنّه على كل حال ليس ربطا جزافيا بل هناك مناسبة واقعيّة.

بعد أن فهمنا هذا المنهج القرآنيّ الذي استفاد منه أهل البيت عليهم السلام والمرتكز على طبيعة تداعي المعاني في الذهن البشريّ ننتقل الآن إلى الآية التي هي مورد حديثنا.. حديثنا حول قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ [التوبة: 36]. المناسبة هنا أكثر وضوحاً والربط أكثر جلاءً، تتحدّث هذه الآية عن عدّة الشهور والتي تكوّن السنة، والتي هي بالنسبة للإنسان نقص مقدار من عمره الطبيعي، فهو في كلّ شهر ينفق من الفرصة التي أعطيت له في هذا العالم.

هذا السير في منازل العمر يدعو الإنسان السليم فكريّا للتأمّل، فيتداعى في ذهنه سير آخر غير هذا السير الزمنيّ، وهو السير في منازل القرب والكمال والمعرفة، فينتقل من الظاهر إلى الباطن، ومن حركة بدنه النباتيّة ليلحظ حركته الواقعيّة، ويتأمّل: متى بدأ التحرّك؟ وفي أيّ منزل هو؟ ومن مرشده في هذه المنازل؟ والآيات تكشف عن طبيعة هذه (الدورة) من بين الأشهر، وهي دورة ذات أهميّة في السير والسلوك وتحصيل الصفات والفضائل، ولا تكشف هذه المعاني العميقة في الآيات إلا روايات أهل البيت عليهم السلام. لاحظوا الرواية التي بدأنا بها، يقول الإمام للراوي: “يا داود، لقد ذهبت بك المذاهب؟!” أي لا تحسب أنّ زيداً إماماً، فالإمامة شأن إلهيّ منذ أصل الخلقة ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وهذا ردعٌ من الإمام صلوات الله عليه عن الاعتقاد بإمامة زيد، وهو الأمر المحذور الذي وقع فيه الزيديّة.

ثم استشهد الإمام بهذه الآية مستفيداً من قرائن ثلاث، تبيّن باطن هذه الأشهر، وأنّها لا تقتصر على الزمن الظاهريّ، هذه القرائن تشير إلى واقع تكوينيّ علاوة على الحرمة التشريعيّة، وهذا النوع من التأويل ليس جزافيّاً، هذه القرائن هي:

  • أن عدّة الشهور (عند الله)
  • في كتاب، أي (عند الله)
  • ﴿يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أي قبل خلق العالم وقبل وجود الزمن.

الاثنا عشر شهراً التي هي (عند الله) قبل خلق العالم ليست مرتبطة بالنظام الأرضيّ لتعتمد على حركة الأرض، كما يستفيد الإمام من المنهج المعتمد في القرآن وهو تداعي المعاني في الذهن البشريّ، ليبيّن أنّ هذه الأشهر الأرضيّة تشفّ عن أشهر حقيقيّة وزمان واقعيّ، وما هذه الأشهر الأربعة الحرم إلا بيانات مرآتيّة تكشف عن معان واقعيّة، تتعلّق بزمان الإنسان الواقعيّ، وسنّته الروحيّة المرتبطة بحقيقة هذه الأشهر.

إن شهر رجب الذي يبدو في الظاهر مقطعا من الزمن، وشهرا في السنة هو في باطنه مرتبط بأمير المؤمنين ارتباطا حقيقيّاً – ولذا عُدّ أفضل الأشهر الحرم، فيما عدّ شهر رمضان أفضل أشهر السنة –  هذا الارتباط بين رجب وبين أمير المؤمنين أخرجه عن كونه صرف مقطع زمنيّ في السنة كسائر الأشهر، وجعله موسما لمجاهدة النفس وقطع المسافات.. موسما لتعميق الإيمان بوحدانيّة الله، تقطع فيه الروح عمراً من الفضائل والكمالات، ويمسك المؤمن فيه بحبل ولاية الأمير عليه السلام ليصل ببركته إلى برّ الأمان.

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 80٬058 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها