تقدم القراءة:

عسل مصفّى ١

السبت 11 مايو 2013مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

5
(1)

عسل مصفّى١ / رجب وعليّ عليه السلام

شهر رجب شهر النعيم، الذي هو الولاية، وسيكون بحثنا في هذا الموسم حول مواصفات الشيعة، وكيفيّة تحصيل هذه الصفات، باعتبار أنّ الولاية علاقة ذات طرفين الوليّ والمولّى عليه، وقد تحدّثنا في بحث سابق عن الوليّ، وفي هذه السنة سوف نتكلّم عن الموالي، لكي لا نخرج من هذا الشهر إلّا بتصوّر أساس لما كان يؤكّد عليه أهل بيت العصمة والطهارة عليهم السلام من إحراز بعض الصفات التي تحقّق للإنسان هذه السمة والمرتبة.

نحن نعرف أنّ هناك ترتّب بين صفات المؤمن وصفات الشيعيّ، فالإيمان يعتبر مرحلة أولى، أمّا الشيعيّ فمواصفاته أكثر دقّة، وهذا ملاحظ في أحاديث الأئمّة التي تذكر صفات شيعتهم.

الارتباط بين شهر رجب و أمير المؤمنين عليه السلام:

وكمدخل للبحث سنتحدّث حول فضل هذا الشهر العظيم، وحول الارتباط بين شهر رجب وبين أمير المؤمنين عليه السلام.

ورد عن النبيّ صلوات الله عليه وآله (إن الله تعالی نصب فی السماء السابعة ملكاً یقال له الداعي، فإذا دخل شهر رجب ینادی ذلك الملك كلّ لیلة منه إلی الصباح: طوبی للذاكرین، طوبی للطائعین، ویقول الله تعالی: أنا جلیسُ من جالسني، ومطیعُ من أطاعني وغافر من استغفرني، الشهر شهري والعبد عبدي والرحمة رحمتي، فمن دعانی فی هذا الشهر أجبتُه، ومن سألني أعطیتُه ومن استهداني هدیته، وجعلت هذا الشهر حبلاً بینی وبین عبادي، فمن اعتصم به وصل إليّ) [إقبال الأعمال للسيّد ابن طاووس]

سنجيب في سياق حديثنا على سؤالين هما :

ما هو وجه الارتباط بين شهر رجب وأمير المؤمنين عليه السلام؟

كيف تنسب الروايات شهر رجب للأمير عليه السلام، بينما تنسب هذه الرواية هذا الشهر لله سبحانه (الشهر شهري)؟!

في الإجابة على السؤال الأوّل نقول:

هناك أراء حول نسبة هذا الشهر لأمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه نعرض بعضها:

الرأي الأوّل في تفسير الارتباط:

من المفكّرين من نسب ربط شهر رجب بأمير المؤمنين إلى النبيّ والأئمّة صلوات الله وسلامه عليهم.

وكانت الحكمة في ذلك أنّ النبيّ علم أنّ عليّا وشيعته سيظلمون ويبعدون عن موقع القرار والشأن العام، بحيث لا تبقى لهم خصوصيّة، ولا لموقعهم أثر، ولهذا عمد الرسول (ص) لاتّخاذ بعض الإجراءات لإدارة هذا الواقع الذي ينتظر الإمام عليّا وشيعته.  ومن تلك الإجراءات الحكيمة أن يخصّص وقتا ويسمّي زمانا باسم الأمير عليه السلام، كما يقال مثلا يوم العمّال وأسبوع الشجرة وغيره، فهذه من أساليب حفظ الخصوصيّات، خصوصا إذا صدر مثل هذا الإجراء من النبيّ الأعظم صلوات الله عليه وآله. وبهذا الإجراء ثبّت الرسول (ص) موقعيّة أمير المؤمنين و موقعيّة شيعته.

وهذه الأدعية والعبادات والنسك التي اختصّ بها الشيعة في هذا الشهر تمنحهم تميّزا وتكتّلا، وتؤمّن لهم الوجود الاجتماعيّ القويّ المستقلّ بامتياز، فلا يوجد شيعيّ إلا ويشعر بارتباط شهر رجب بأمير المؤمنين، ولا يخفى اختلاف دخول شهر رجب على الشيعة عنه لدى سائر المسلمين الذين لا يعطون اعتبارا لهذا الشهر، رغم أنّه ثابت عندهم كأحد الأشهر الحرم التي عظّمها الله.

وكأنّ رسول الله بربط هذا الشهر بعليّ يريد أن يعطي الشيعة هويّة علويّة علميّة عمليّة تفعيليّة واضحة أينما كانوا، كتعويض عن سلب الموقع الاجتماعيّ لأمير المؤمنين وإبعاده، ولإعادة ربط الشيعة بعليّ عليه السلام، وفعلا كان لهذا الإجراء الحكيم من قبل رسول الله أثر نلمسه إلى اليوم.

لكن الذي يقرأ الروايات يرى أنّ هناك أمرا أعمق وأكثر تأثيرا من مسألة تأسيس مجتمع ذي هويّة وطابع  اجتماعيّ خاصّ، لذا نقول أنّ هذا الغرض ربّما يكون أحد الأغراض والآثار لمثل هذا الربط، ولكن الحقيقة أعمق وأغزر من ذلك، فولاية عليّ ليست محدودة بمستوى تكوين حزب سياسيّ أو مكوّن اجتماعيّ متميّز، بل هناك أمور هي من أصول المباني الاعتقاديّة والقرآنيّة، و هي أكثر وأشدّ فعلا في هذا الكون من الحزبيّة والموقع الاجتماعيّ .           

الرأي الثاني في تفسير الارتباط:

هذا الرأي يذهب إلى أنّ شهر رجب يرتبط بالأمير (ع) وبالولاية ارتباطا حقيقيّا، كارتباط ليلة القدر بإمام الزمان (عج)، وليس ارتباطا اعتباريّا أو اجتماعيّا ينحلّ بانحلال الموقع الاجتماعيّ ويبقى ببقائه.

الجمع بين نسبة الشهر إلى الله و إلى أمير المؤمنين:

وهنا يمكن أن نجيب عن السؤال الثاني الذي عرضناه في أوّل الكلام وهو:

كيف تنسب الروايات شهر رجب للأمير عليه السلام بينما تنسب الرواية هذا الشهر لله سبحانه (الشهر شهري)؟

الجواب: أنّ الرواية حين تقول (وجعلت هذا الشهر حبلا بيني وبين عبادي) تعني أنّ هناك نسبة حقيقيّة بين الله وبين الشهور، فالارتباط بين هذا الشهر وبين الله ليس ارتباطا اعتباريا.. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإنّ النبيّ يؤكد أنّ ولاية أهل البيت حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وحبل الله هو عليّ (ع)، وعلى ذلك دلّت الروايات، منها ما ورد أنّ النبيّ كان جالسا في جماعة من أصحابه، إذ ورد عليه أعرابيّ، فبرك بين يديه فقال: يا رسول الله إني سمعت الله يقول في كتابه: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا” فهذا الحبل الذي أمرنا بالاعتصام به ما هو؟ قال فضرب النبي يده على كتف علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: ولاية هذا، قال: فقام الأعرابيّ وضبط بكفيه إصبعيه جميعا، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنّ محمّدا رسول الله، وأعتصم بحبله، قال، وشدّ أصابعه”.

وروى ابن بطريق في المستدرك عن أبي نعيم بإسناده عن أبي حفص الصائغ قال: سمعت جعفر بن محمّد عليهما السلام يقول: في قوله: “واعتصموا بحبل الله جميعا” قال: نحن حبل الله. و في العمدة: بإسناده، عن أبان بن تغلب، عن جعفر بن محمّد عليهما السلام قال: نحن حبل الله الذي قال الله تعالى: “واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا [ بحار الأنوار ج 36 ص 19] فهل يمكن اعتبار ذلك صرف استعارات فارغة أم إشارات إلى حقيقة واقعيّة؟!

إنّ الملاحِظ لجدّيّة النبيّ صلّى الله عليه و آله في إبلاغ هذه الحقيقة يعرف أنّها ليست صرف استعارة أو حكمة عمليّة لحفظ موقعيّة اجتماعيّة خاصّة لعليّ عليه السلام، بل إنّها روايات كاشفة عن أمر واقعيّ؛ وهو باطن ما يجري من تغيّرات ملكوتيّة في هذه الأوقات. ولكي نفهم هذا الرأي أكثر نحتاج إلى هذا البيان:

الوجه الملكوتيّ للأشياء:  

إنّ عالم الطبيعة الظاهر لحواسّنا (عالم الملك) يقع في مقابله عالم مستور هو (عالم الملكوت)، وعالم الملك ليس إلا ستارًا وحجابًا لعالم الملكوت. لتوضيح ذلك يجب أن نقرّ بمعنى الآية ﴿فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [يس: 83] وهي من أصول الآيات القرآنيّة والتي تعلّمنا أنّ كلّ شؤون هذا العالم لها وجه ملكوتيّ كما يقول المطهريّ عليه الرحمة. فحتّى الساعات والأيّام والأشهر لها وجه مستور عنّا، فليلة الجمعة مثلا وجهها المستور عنّا هو نزول الملائكة وصعودها فيها، وهو نوع خاصّ من إفاضة الرحمة. هذا الوجه المحجوب تكشفه الروايات والأعمال المستحبّة في مثل هذه الليلة من آثارها أن نحسّ بشيء ممّا يجري وراء الستار من آثار واقعيّة.

إذن هذه الرواية تكشف عن أمر واقع، وهو باطن ما يجري من تغيّرات تكوينيّة منذ هلال شهر رجب إلى شهر رمضان، ولاشكّ أنّها حوادث وعطايا وفيض فوق تصوّرنا بكثير، فإذا قالت الروايات من صلّى هذه الصلاة فله هذا المقدار الهائل من الثواب فهي لا تقصد المقدار الكمّيّ فقط، وإنّما تعني أيضا أنّ الكيف مختلف، فمعنى ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الإنعام: 160] أي من جاء بالحسنة فله عشر من سنخها بما أنّها حسنة، ولا تعني عشر نسخ مماثلة لها فقط . فحين تقدّم في سبيل الله بيتا فإنّك لا تحصل في المقابل على عشر بيوت مماثلة أو عشر قصور، بل تحصل على أضعاف الحسنة ممّا تقرّ به عينك واقعا، فقد يؤتيك الله الحكمة، أو ينجيك من الخطايا.. وهكذا، إذن هناك مضاعفة من حيث الكمّ ومضاعفة من حيث الكيف.

لنعد إلى الرواية التي بدأنا بها (إنّ الله تعالى نصب في السماء السابعة ملكاً يقال له الداعي) نصبه في السماء تعني أنّ له وجودا وتأثيرا ملكوتيّا، ودور الأعمال المستحبّة والآداب والشعائر والمناسك الواردة عن أهل البيت (ع) هو رفع الغطاء عن نظرنا لكي نرى أو نتحسّس عالم الملكوت، ولكي تقرب لنا ذلك العالم الذي هو في الحقيقة غائب عنّا.

ما الذي يحدث لأعمالنا في شهر رجب؟

في رجب يحدث في أعمالنا أمر جديد، وهو أنّنا نأتي بهذه القربات والأعمال الصالحة مضمومة إلى جانب ولاية أمير المؤمنين عليّ عليه السلام.

الروايات في الحقيقة تريد أن تقول: إنّ أعمالكم عندما ترتبط بموجود ملكوتيّ سوف يحدث لها تغييرا ملكوتيّا . فصلاتك ودعاءك، زيارتك وعمرتك، آدابك وأخلاقك .. الفضل في تغيّرها في هذا الشهر لا يعود إليك، بل إنّ أعمالك الصالحة ما هي إلا مقدّمات ﴿اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ..﴾ [البقرة: 153] أمّا الفاعل والمؤثّر فهو عنصر الولاية لعليّ عليه السلام.

ولاية أمير المؤمنين الملكوتيّة من المعاني العميقة التي لا يمكننا أن نفهمها بالألفاظ، نحن محجوبون عنها أصلا، ولا يفهمها إلّا أهلها، لكن الأئمّة حاولوا أن يقرّبوا لنا تلك المعاني العميقة بالأدعية والأذكار.

قد يتبادر سؤال هنا وهو: ما الذي يحدث في جوهر هذا العالم المستور عنّا؟

الجواب: نحن لا يمكننا أن نكتشف كلّ حقائق هذا العالم المجرّد ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: 85] فكيف نطمع في اكتشاف عالم فوق حسّنا وإدراكنا، وليس لنا سلّم للصعود إليه؟

نعم، لكي لا نبقى محرومين من بركات ذلك العالم ومنافعه، وحتّى تشملنا آثاره دلّنا أهل بيت العصمة (ع) على أقصر الطرق لنيل هذه الفوائد، بالسبل التي تتناسب وقدراتنا، ومدّوا لنا خيوطا للارتباط به، ومن أهمّها المناسك والآداب والأعمال والأدعية التي ترفع عنّا العمى عن رؤية ذلك الواقع. فالأدعية والزيارات والصوم والصلوات والصدقات والقربات هي اللسان البشريّ والسلّم الطبيعيّ الذي يوصلنا لرؤية ذلك الواقع. ونحن هنا نتأمّل في بعض الأدعية الصادرة عنهم سلام الله في هذا الشهر، لنقرأ ذلك الواقع بلسانهم.

وقفة مع مقاطع من أدعية رجب:

من الأدعية التي يستحبّ قراءتها في كلّ يوم من رجب، وعقب الصلوات هو هذا الدعاء: (يا مَنْ اَرْجُوهُ لِكُلِّ خَيْر، وَآمَنَ سَخَطَهُ عِنْدَ كُلِّ شَرٍّ، يا مَنْ يُعْطِي الْكَثيرَ بِالْقَليلِ، يا مَنْ يُعْطي مَنْ سَأَلَهُ يا مَنْ يُعْطي مَنْ لَمْ يَسْأَلْهُ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْهُ تَحَنُّناً مِنْهُ وَرَحْمَةً، اَعْطِني بِمَسْأَلَتي اِيّاكَ جَميعَ خَيْرِ الدُّنْيا وَجَميعَ خَيْرِ الاْخِرَةِ) لنتأمّل قليلا فيه وفي مضامينه نجدها تصحيحا وتوكيدا وتجديدا وتفعيلا لعقيدتنا ومعارفنا.

هذه الأدعية تتضمّن معانٍ عقائديّة ومعارف قرآنيّة راقية جدّا، ينبغي أن ينفتح عليها ذهن الداعي، فقوله (يا من أرجوه لكلّ خير) فيه إشارة لحياة الإنسان المعنويّة واستمرارها، فإنّ الإنسان يهلك إذا فقد رجاءه للخير، والقرآن يؤكّد أنّ الحياة الإيمانيّة ونماءها يعتمد على هذا الرجاء ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ..﴾ [الإسراء: 57] . 

ثمّ يربط الدعاء كلّ خير بالله، ذلك أنّ الخيرات أمور حقيقيّة وجوديّة.  الهداية، الرشد، العلم،  الرزق.. كلّها لها حصّة واقعيّة في عالم التكوين والملكوت، ولذلك فإنّ أوّل انطلاقة إلى العبادة هي أن ترجو الله سبحانه وتعالى، لا أن تنظر إلى نفسك وأعمالك. (يا من أرجوه) لا لخير واحد بل (لكلّ خير) فكلّ أبواب الخير مفتّحة، و بهذا الرجاء ينمو إيمان الإنسان ويشتدّ، و تقوى اعتقاداته، فيحبّ الله سبحانه وتعالى.

وفي مقطع آخر من الدعاء نقرأ (يا مَنْ يُعْطِي الْكَثيرَ بِالْقَليلِ..)

الإنسان في كلّ تعاملاته الماليّة وغير الماليّة يتعامل على أساس تبادل المنافع ذات القيمة المتكافئة، سواء كانت تلك المنافع مادّيّة أو معنويّة، إذ لا توجد علاقة بين طرفين ليس فيها أخذ وعطاء، حتّى الصداقة والعلاقات الاجتماعية. فالإنسان في النهاية يأنس بهذا الصديق وهذه مصلحة معنويّة، لذلك يبذل في مقابل هذه الصداقة.

الوضع المعتاد والمتعارف أنّ الإنسان يشتري الكثير بالكثير ويعطي القليل بالقليل، أمّا الله الغنيّ بالذات والذي لا تطرأ عليه الحاجة والمصلحة والمنفعة فقانون المبادلة معه يختلف تماماً، فعقليّا يستحيل تكميل الكامل، جاء في دعاء عرفة(إلهي اَنْتَ الْغِنيُّ بِذاتِكَ أَنْ يَصِلَ إِلَيْكَ النَّفْعُ مِنْكَ، فَكَيْفَ لا تَكُونُ غَنِيّاً عَنّي)؟

إذن ماذا يعني أنّ الله يعطي الكثير بالقليل؟

هذا حاكٍ عن نظام الفعل العباديّ وردّة الفعل، ففي هذا الكون هناك ترابط بين فعل الإنسان والأثر الذي يعقبه، وفعل الإنسان له أثر ملكوتيّ أوسع من طاقة الإنسان نفسه، العمل الصالح أثره وصداه في الكون بلا عدّ، والقانون نفسه يسري على المفسدة أيضا؛ فإنّ الإنسان الفاسد يخلّف في الكون آثارا تدميريّة.

فكأنّ الدعاء يريد أن يقول: لا تتصوّروا أنّ أعمالكم القليلة هذه بلا أثر، بل أنتم تعطون كلّ الموجودات التي حولكم، أنتم تعملون (القليل)، لكنّ هذا القليل له صدى في الكون، فالأرض تشهد وتشفع لمن يصلّي عليها، صحيح أنّها (قليلة) لكنّ الله سبحانه وتعالى يعطيك مقابلها (الكثير)، ما يحدث في هذا الشهر أنّ أفعالنا لها ردّة فعل ملكوتيّة، وهناك أفعال تحدث في السماء لا يمكن أن نحصيها، وهذا هو ما تحدّثت عنه الرواية .

إذن ما يحدث في شهر رجب الذي هو شهر أمير المؤمنين على نحو الارتباط الحقيقيّ والواقعيّ هو أنّ دعاءنا وأعمالنا تتضاعف في هذا الشهر بشفاعة الولاية التي نضمّها لأعمالنا؛ ويكون تضاعفها عددا ونوعا ومضمونا، لأنّ معها ضميمة أرجح منها (وهي ولاية علي عليه السلام) فتتحوّل إلى حبل ممدود ومتّصل بالسماء، فإذا كانت أعمالنا مشفوعة بالولاية وفي يد من يعطي الكثير بالقليل فكيف يتصوّر عقلنا القاصر هذه المضاعفة وهي فعل الله؟!

يقول تعالى في الحديث عن الأشهر الحرم ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ۚ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ ۚ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: 36]

لاحظوا الآية ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي لا تقصّروا، ، ولا تكونوا محدوديّ الفهم، عندما تقصّر في هذا الشهر فأنت تظلم نفسك، حين لا تريد أن تأخذ الكثير.

فمن ظلم نفسه ولم يتعرّف على هذا الشهر، ولم يجالس صاحب هذا الشهر، ولم يستفد من ملكوت هذا الشهر، فهو في الحقيقة قد خسر فرصة أساسيّة لا تتكرّر إلّا إذا منحه الله البقاء إلى رجب القادم.

وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 5 / 5. عدد التقييمات 1

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬127 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها