ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مناسبات ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 أذن الله أن ترفع ٢

تقدم القراءة:

أذن الله أن ترفع ٢

السبت 7 شوال 1433مساءًالسبت

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ • في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه ….﴾ النور: 35-36

أسلفنا أن في معنى “أذن الله أن ترفع” حقيقتين:

1- أن الله سيظهر نوره بالدين الحقّ وليس ايّ دين.

2-أن ظهور النور الإلهي يحتاج إلى جهد بشري. 

ولمزيد من التفصيل في الحقيقة الأولى نقول : 

لقد وعد الله سبحانه وتعالى بأنه سوف يظهر هذا الدين على الدين كله لكن بقيد وشرط، وهو أن يكون هذا الدين مقترنا بالحق. قال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله﴾ التوبة: 33 قد يقال:  كل دين هو حق، ولكن  في الحقيقة هناك فرق بين دين بحق ودين بلا حق. 

ولنفهم ذلك علينا أن نعرّف الحق:

الحق: هو الموجود في الواقع الخارجي . وربما لشدة وضوحه لا يمكننا تعريفه، فمن المعلوم أن من أصعب الصعوبات تعريف البديهيات والواضحات، فـ (الحق) من الأمور الواضحة جدًا التي لا يمكن تعريفها.

والدين الذي وعد الله بإظهاره، و الذي ننسبه لله ولرسول الله ولأهل الحق هو الدين المتحد مع الحق. ولكن هذا لا يعني أن هناك تلازم بين الدين والحق فقد يفترقان ويكون هناك دين بلا حق وبالتالي لا يكون مؤثرا ولا فاعلا، وذلك كالمجالس التي تقتصر على الذكر والوعظ فقط، أو ما نرى من قنوات فضائية تعرض المذهب بشكل سطحيّ وضيّق … كل هذا وإن ظهر باسم الدين إلا أنه مخالف للحق. كما أننا نجد كثيرا من المتدينين لا يتكلم إلا بشعار الدين فلا يغتاب ولا يكذب ولا يسرق.. هو في ظاهره يسلك سلوكًا دينيًا ولكن إذا أردت أن تزن (الحق) في دينه فسوف ترى أن هذا الدين ليس إلا طقوسا ومظاهر.

 بل إن المذاهب التي انتهت إلى مشروعية تهديم البقيع سببه أنها أوجدت دينًا بلا حق، فليست قضية البقيع قضية صراع  بين دين ولا دين، المسألة مسألة صراع بين دين بحق ودين بلا حق.  

كما أن هناك كثير من المفاهيم الدينية الحقّة ولكنها تطبق بغير حق، كالتقية مثلا. فالتقية مفهوم ديني ووظيفة شرعية إلهية، ولكن عندما يستخدم هذا المفهوم بلاحق ويطبق في غير مورده فسيكون دينا بلا حق.

يقال أن معنى الآية ﴿إلا أن تتقوا منهم تقاة﴾ آل عمران: 28 أن التاء تاء الوِحدة، وهذا يفيد أن الإنسان  يحتاج إلى التقية  في موارد قليلة في حياته، إلا أن التقية وظيفة ثانوية كالتيمم، أما الوظيفة الأولى والأساسية  فهي العمل بما أنزل الله سبحانه. وإنما جعلت التقية كمخارج من قبل الشارع فيما لو تعذر العمل بالوظيفة الأساسية بهدف إبقاء المذهب والحفاظ على الهوية، لذا لا يوجد أوسع من موارد تطبيق التقية. لكن افترضوا لو أن إنسانا أراد أن يبني كيانًا اجتماعيًا لمجتمع على امتداد 300 سنة، وعلى مدى أجيال وأجيال وفق قاعدة التقية..  هل يمكن أن نتصور أن يحافظ هذا المجتمع على وظيفته الدينية ويحتفظ بسمته وهويته؟ مستحيل! لأن التقية شرعت لتكون في مورد واحد لا لأن يصطبغ بها منهج الحياة كلها. ويضرب الفقهاء لذلك مثالا فيقولون أن ذلك كمن يريد أن يؤدي صلواته كلها بالتيمم!! ما أردت قوله هو أن التقية حكم ديني لكنه طبّق بلا حق واستخدم بلا حق.

من الملفت أن كلّ عدم توفيق وعدم نصرة من قبل الله سبحانه وتعالى بسبب التفكيك بين الحق وبين الدين.هناك كتاب رائع لكاتب إيراني بعنوان ( لماذا سقط المسلمون ولماذا انتصر الغرب ) يقول فيه ” إن المسلمين سقطوا لتمسكهم بالدين!وذلك لأنهم تمسكوا بدين خالٍ من الحق وخالٍ من الحقيقة والله سبحانه وتعالى يقول ( هو الذي أرسل رسوله بالهدى و(دين الحق) ليظهره على الدين كله )” إذن فالدين المنتصر هو الدين الممتزج بالحق أما الدين مسلوب الحق فلا ينتصر أبدا.

هل تعلمون لماذا تفوق الغربيون – على الأقل – في اكتشافاتهم الحسية وعالم التجربة؟  ليس لأنهم تخلوا عن الدين؛ بل لأن الدين الذي كان عندهم كان دين كنيسة، دينا مخالفا للحق والعقل والواقع، لذا فعندما تركوا هذا الدين المخالف للحق والعقل تفوقوا بهذا المقدار الذي اتبعوا فيه العقل والحق والواقع. فالدين دائما  يتبع الحق وليس العكس، و إذا وجد الحق وجد الدين، ولكن يمكن وجود دين بلا حق.

 الحقيقة الثانية :  أن هذا الإذن بما أنه خطاب للعالم البشري والإنساني، فهو يعني تحمّل وظيفة رفعة هذه البيوت. وكل الآيات التي تتحدث عن ظهور الحق والحقيقة هي بالدرجة الأولى تحدد وظيفة الإنسان الأولى ودوره الأول الذي يجب أن يبني عليه الإنسان هويته.

وقد ضربنا لذلك مثال الملك الذي يأذن ببناء جامعة مثلا فإن نفس هذا الإذن هو تحديد لوظائف المهندسين والعمال وغيرهم، فهذا الإذن الإلهي في الحقيقة هو تحديد للمسؤولية وللدور الأساسي البشري الإنساني في هذه الحياة، وقد خلق الله كل الموجودات بكينونية معينة تستدعي ظهور هذه الحقيقة، وهذا هو المعنى الوارد تقريبًا في المناجاة الشعبانية (وكما أردت أن أكون كنت فشكرتك لإدخالي في كرمك، ولتطهير قلبي من أوساخ الغفلة عنك)  فكل الكائنات تتجه نحو هذا الهدف الإلهي وهي صارفة وجهها باتجاه ما كوّنها الله عليه وما أراده لها. لكن هذه الغاية في العالم البشري تقع بجهد بشري وبفاعلية بشرية وتحمل مسؤولية بشرية.

ومن هنا، إذا كنا نتهم بالظلم من هدم قبور أئمة البقيع، فعلينا أن لا نصرف الوظيفة عن أنفسنا ونتصور أننا غير معنيين بهذا الخطاب ونتصور أننا قد أدينا وظائفنا وننتظر أن تنزل الملائكة من السماء لتشيّد قبور البقيع !!

خصوصية آية النور:

لكي نفهم هذا الشعار الذي اتخذناه لمناسبة هدم البقيع ( أذن الله أن ترفع ) علينا أن نضعه في مكانه. قلنا أن الشعار هو ذيل آية النور، وهذه الآية بالذات لها خصوصية منذ أن نزل القرآن، فقد تعامل معها النبي صلى الله عليه وآله تعاملا خاصا كما فهمها المسلمون فهما خاصا. والأسئلة الواردة من قبل أصحاب النبي عن تفاصيل آية النور كاشفة عن اهتمام خاص وأهمية أساسية قد أفرغها رسول الله (ص) على هذه الآية. 

قد يقال أن هذه الآية فيها بعض المعاني والألفاظ التي يكتنفها الغموض فلذلك كان يكثر السؤال حولها، ولكن المسألة ليست كذلك فلدينا آيات أكثر غموضا وتشابها وتحتاج لأسئلة أكثر. لكن في الحقيقة للآية خصوصية سنسلط الضوء عليها فيما يأتي: 

بشكل مختصر يمكن أن أقول أن هناك قاعدة في توزيع الآيات والسور القرآنية، وهي توزيع الآيات بقسمين كيفي وكمّي.

التوزيع الكمّي: هو المتعارف من تقسيم القرآن إلى أجزاء وأحزاب.

التوزيع الكيفي: وهو توزيع رباني للآيات فمنها آيات بينات وأخرى مُبينات. الآيات المبينات: هي آيات الأخلاق، الفقه، الأحكام، وهي تحتاج لمن يبينها وهو رسول الله (ص)، أما الآيات البينات فهي التي تتكلم عن أصول المعتقد أو فلنقل عن الرؤية الكونية وودائرة المعارف الإلهية.

آية النور هي من الآيات (البينات) لكنها جاءت في سياق آيات (مبينات) فقبل آية النور كان الحديث عن الأحكام العائلية والأسرية، وأحكام المرأة بشكل خاص، وأحكام العفاف والستر وآداب معينة. ثم جاءت آية النور التي هي من الآيات (البينات) في وسط ذلك السياق.

إشارة :

تعدّ سورة النور هي حديث الكساء لكن بلسان رباني. أي أن حديث الكساء بشري إنساني بليغ متكامل، وقصة آية النور هي ذات القصة ولكن ببيان وعرض إلهي رباني وحياني. ومن أوجه الشبه بين الآية والحديث هو أن حديث الكساء يتكلم في البداية عن الأخلاق والآداب والفنون في التعامل الأسري، ثم ينتقل إلى البعد الوحياني والعقائدي (ما خلقت سماء مبنية ولا أرضا مدحية ..) وعن الآثار التكوينية الربانية في عالم الأرض. آية النور جاءت بنفس هذه السياق فهي آية تختص بعالم الأنوار لكنها جاءت في وسط الحديث عن تفاصيل فقهية تخص المرأة والقصاص والنكاح وغض البصر وغيره.

لماذا بدأت آية النور باسم ( الله )؟

لقد بدأت الآية بهذا الاسم لكي تنتقل بنا من عالم الآيات المبينات إلى عالم الآيات البينات، عالم الأنوار وعالم الحقيقة و الواقع، وكأنها أرادت أن تقذف بفكر الإنسان وعقله وروحه قذفا من عالم القوانين وعالم التشريعات إلى عالم الفيض والعطاء واللطف الإلهي والرباني.

قد يقال أن الكلام عن عالم الأنوار يتناسب مع اسم الرحمن، الرحيم، الغفور المعطي، الوهاب، فلماذا بدأت بـ ( الله)؟! وهذا يدعونا للحديث عن معنى اسم ( الله ).

فما معنى اسم  الله سبحانه وتعالى؟ وماذا يفيد؟ وهل يمكن أن يترجم أو يقابله كلمة في لغات أخرى؟

سنشير إلى ثلاثة معان لاسم ( الله) سبحانه وتعالى، ولكن قبل ذلك يجدر الإشارة إلى أن كل عربي في الجزيرة العربية لم يخطر على باله أن يسأل ماذا تعني كلمة الله!  فالله سبحانه وتعالى هو الحقيقة التي لا تنكر، الحقيقة المفيضة التي انبثق منها كل الوجود. يقول تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ۚقُل ِالْحَمْدُلِلَّهِ ۚبَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ لقمان: 25 ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ العنكبوت: 29 المشركون هم في الواقع مشركون وملحدون في أسماء الله، لا في الله سبحانه، لذلك لا يوجد أحد في الدنيا ادعى مرة أنه (الله)، نعم هناك من ادعى الألوهية والربوبية، فالادعاء والانتحال هو لأسماء الله سبحانه وتعالى ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ الأعراف: 180 ولذا الإلحاد هنا ليس بالمعنى الاصطلاحي بل بالمعنى اللغوي. في اللغة: ألحد السهم أي مال عن وجهته. فالإلحاد بمعنى الانتقال من الحق للباطل. 

الإنسان العربي في الجزيرة العربية يعيش في أرض نبي الله إبراهيم، وفي منطقة حملت بقايا نبوّات، فهم مشبّعون بشكل كامل بهذه المعاني فلا يمكن أن يسأل العربي ما هو الله! ولم يكن الشرك بالأصنام في الجزيرة العربية سلوكا اجتماعيا محليا بل هو ناتج عن غزو ثقافي فكري – إن صح التعبير – فقد كانوا يذهبون إلى الهند ويرون هناك آلهة مصطنعة، فأعجبتهم هذه المظاهر واعتبروها حضارة نقلوها إليهم. وبعد انتقال هذه المظاهر إلى الداخل أصبح الإنسان يحتاج الى إزالة الشوش والتعريف بصفات الله. لذا ليس عندنا في القران تعريف بالله لبداهة ووضوح وجلاء هذا المعنى، بل بصفات الله في معرض علاج هذا الغزو الفكري والثقافي وما دخل على الذهنية العربية. يقول تعالى: ﴿اللَّهُ لاَ إِلَٰهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾  ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ .. 

 معنى اسم ( الله ) :

لمعنى اسم (الله) ثلاثة احتمالات:

1- من ( ألِه ) وهي صرفيّا مثل إرث / ورث ، وهو من ( الوله ) ويعني التحيرّ من شدة الوجد(1) ويقول الراغب الأصفهاني ” هو من ألِه أي تحيّر وتسميته بذلك إشارة إلى ما قاله علي ( ع )  “كَلّ دون صفاته تحبير الصفات، وضل هناك تصاريف اللغات “وذلك أن العبد إذا تفكر في صفاته تحير فيها “(2) ولذلك قالوا أن من أعظم أدعية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو ( اللهم زدني فيك حيرة )

2- من ( وِلاه ) يقول الراغب ” فأبدل من الواو همزة وسمي بذلك لكون كل مخلوق والها نحوه “(3) ، و( ولّه فلانا أولهه ) أوقعه في الحبّ الشديد(4) فالله معشوق الإنسان سواء عرف الله أو لم يعرفه وعشقه أو لم يعشقه، لأن ما يستحق العشق والوله والشوق عند الإنسان هو الله سبحانه. وكل ما يحبه الإنسان ويشتاق له بمجرد أن يصل إليه تنطفئ جذوة العشق، لذا قالوا (الوصال مدفن العشق) إلا عشق الله سبحانه وتعالى فكلما يذكر الله سبحانه تنفتح أمامه أبواب الوله والشوق (وألهمني ولها بذكرك الى ذكرك).

3- الله بمعنى تستّر واختفى وغاب، يقول الراغب ” وقيل أصله من ( لاهَ يلوه لهياها ) أي احتجب “(5) وذلك لأنه ليس هناك في الوجود شيء هو غيب محض لا يمكن أن يظهر للحس إلا الله سبحانه وتعالى. وغير الله حتى لوغاب فغيبته نسبية، أما الله سبحانه فهو الغيب المطلق.

ولتوضيح ذلك نضرب مثالا بالملائكة: 

الملائكة غيب بالنسبة لنا في هذا الظرف الزماني والروحي، لكنها في الآخرة لن تكون كذلك، وهي بالنسبة لأولياء الله ليست غيبا، فالملائكة ليست غيبا محضا بل هي غيب نسبي. الجنة والنار أيضا ليستا غيبا مطلقا، بل هما غيب لنا ونحن في هذه النشأة وفي هذا العالم، أما في العالم الآخر فلن تكونا كذلك. وهذا البحث مفصلا يحتاج الى طرح كلامي وعقائدي.

كيف يمكن الوصول إلى الله ؟

أريد أن ألفت إلى حقيقة مفادها: أن الوصول الى الله سبحانه وتعالى يتم عبر طريقين:

  • إما عبر العقل.
  • أو عبر البحث العرفاني الذي هو بالآيات الأنفسية أو الآيات الآفاقية.

و مهما أراد الإنسان أن يتكنّه حقيقة الله سبحانه بعقله فهو لا يرى إلا أمرا مستترا وحقيقة غيبية يغرق فيها، فلا يمكن للبرهان – مهما كان قويا محكما – أن يدرك كنه الله سبحانه، بل كلما أوغل فيه أدرك أن تلك الهوية هي في الحقيقة بعيدة عن هوية الحسيات والمدركات، ويجد أن كل دليل يقيمه على وجود الله سبحانه وتعالى يؤكد له أن معرفة الله سبحانه وتعالى أصعب وأكثر غيبا.

وهنا قد نتساءل: إذا كان الله سبحانه وتعالى غيب كيف يطلب منا بأن نؤمن  بأمر غيبي؟

والجواب: إن الله سبحانه غيب مطلق ولكنه ليس مثل الأمور الغيبية المبهمة التي توجب الابتعاد والقلق والاضطراب لشدة إبهامها، بل هو سبحانه غيب محض لا يزيد غيبه الإنسان إلا انجذابا له وارتباطا به.

لاحظوا .. لو كان الطريق مقطوعا بين الإنسان وبين الله سبحانه وفرض على الإنسان أن يؤمن بأمر غيبي لا يناله فإن هذا لا يمكن أن يسبب طمأنينة، بينما المؤمنون الذين تصفهم سورة البقرة بـ ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ الغيب المحض الذي هو الله  فهو لا يسبب لهم حاله من الإبهام ولا حاله من الإرباك للروح، بل على العكس هو يسبب حاله من عودة الروح الى أصولها وارتباط الروح بأسمائها وصفاتها وبما يسانخها وهذا يعطيها الأمن والاستقرار. بل كلما أدرك ان هذا الوجود الغيبي مستتر عن عالم الوجود قطع إن هذا الوجود استثنائي لا مثيل له ولا نظير، وكل ما يخلق في ذهنه فلا يشبهه أبدا، ويدرك أن فيه من الكمال ما لا يناله وتزداد فيه حالة إدراك إطلاقية هذا الوجود في كماله و عطائه في رازقيته.

نحن نريد أن نصل إلى أن الله، ذلك المعشوق الذي هو غيب في غيب، والذي يريد أن يحقق علاقة عشقية بينه وبين خلقه. ذلك الإله الذي خلق البشر في عالم إنساني له خصائص مادية وحسية فكان لابد أن يتنزل للبشر، ولابد أن يدنو من الإنسان الذي خلقه ضمن قانون بشري. هذا الغيب المحض المطلق دائما في حالة دنو واقتراب واتصال وامتزاج لحظة لحظة وآنا آنا. ومن الخطأ أن نتصور أننا من ندعو ونتوسل ونقترب من الله وهذا تصور خاطئ. إن ذلك الغيب المحض هو في حالة اشتداد وامتزاج واتصال دائم بكل موجود وبالخصوص الموجود الإنساني والموجود البشري (عال في دنوه ودان في علوه).

بعد أن عرفنا معنى كلمة الله سبحانه وتعالى، دعونا نعود للآية ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية تعرّف الله بأنه ( نور ) ولاشك أنها لا تريد النور الحسي، لأن النور الحسي مخلوق ولا يكون المخلوق والخالق شيئا واحدا. فماذا تعني الآية ؟

من أفضل من فسر هذا المعنى هو الإمام الرضا (ع) ( نحن نور لمن تبعنا وهدى لمن اهتدى بنا )(6) النور يحقق الهداية، والخروج من الإبهام، ويحقق لك اكتشاف ما حولك، الله نور بمعنى أن هذا الغيب المحض نور لأن من آثاره الهداية وإيجاد طريق واقعي حقيقي للعودة والاتصال بالحقيقة الربانية الإلهية. فالله نور: بمعنى هادٍ، آخذ باليد، فهو ليس غيبا محضا مجهولا وإنما غيب محض هو دائما في حالة جذب وشد وتقريب للإنسان. 

النور هاد ومرشد، ونحن نعرف أن الهداية نوعان: تكوينية وتشريعية. (7) 

ومثال الهداية التكوينية  حركة النواة عندما نضعها في الأرض فهي تكوينا تقسم وظيفتها فجزء منها يرتفع في السماء ليأخذ النور، وقسم ينغرس في الأرض ليأخذ الرطوبة وهذه هداية تكوينية. وفق هذا القانون هل يتنور الانسان أم لا ؟ نعم، هو يطلب الله اكثر ويعرفه أكثر. فأينما تفتح عينك وأينما تلتفت فسوف ترى الله نورا وأن هذا الغيب نور..

قبل قليل قلنا أن الغيب يسبب حالة من الابهام، إلا أن هذا الغيب لا يسبب حالة من الابهام بل حالة من النور والبيان والوضوح فالله نور السماوات والأرض،  هذا التنوير تكويني داخل في كل الموجودات وكل الكائنات.

ولكن الآية تتكلم عن نور آخر وهداية أخرى تختص بالإنسان، وتتحدث عن نور إضافي أعطي للإنسان وهو موجود في روح الإنسان وعقله وهي لا تعني ما أعطي لبدنه من هداية تكوينية لينبض قلبه وتعمل أعضاءه  .. كما أنها لا تتكلم عن الهداية التي هي شدة ووضوح نورانية الله في الإنسان ولا حتى من جهة العقل ونعني تلك المعرفة التي يدركها الإنسان بالبراهين والأدلة .. الآية تتكلم عن نور آخر نفهمه من قول رسول الله صلى الله عليه وآله (أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر)(8)

ما هي حقيقة هذا النور وماذا يصنع فينا؟

لا يمكن أن يكون عند الإنسان من حالة تسبيح وتقديس ومعرفة للحق في أي لحظة من لحظاته ولا يمكن أن يكتشف أي حقيقة نورية، ولا يكون له أي تماسّ بالله وعبودية لله إلا بسبب هذا الفيض وهذا النور في نفسه.

الرواية المعروفة (فَسَبَّحْنَا فَسَبَّحَتِ الْمَلَائِكَةُ وَ هَلَّلْنَا فَهَلَّلَتِ الْمَلَائِكَةُ وَ كَبَّرْنَا فَكَبَّرَتِ الْمَلَائِكَة)(9) لها عدة معان، والمعنى الأقرب مع مجموع الروايات أن الملائكة والموجودات إنما تحس في داخل أنفسها بانجذاب لله ببركة هذا النور، فليس معنى سبحنا فسبحت الملائكة يعني قلنا سبحان الله فقالت الملائكة سبحان الله، بل معناها أن صدى تسبيحنا لا ينتهي ولا يحدّ، وأنتم حين تسبحون أو تهللون فلأن ذلك النور قد مسّكم، وهو ليس نور العقل والبرهان ،الكلام في الآية ليس عن التنوير العقلي والبرهاني بل عن دليل نوراني وحركة نورانية.

هذه الحركة النورانية نحن لا يمكن أن نتصورها لأننا مع كل ما تعلمناه خلال هذه السنوات وكل ما قرأناه عن العلماء فإن هذا الباب بقي بابا مغلقا لم نقرأه ولم نطالعه، وهذا يحتاج أن ننفتح على ثقافة جديدة وأن نخرج من إدراكنا وتصورنا المحدود واستبعادنا.

عندما نقوم بأي موقف حق فإن اتخاذنا لهذا الموقف مدفوع بنور من أصل الخلقة من محمد وآل محمد. هذه المعاني كم نستبعدها ونحتاج إلى أدلة لمعرفتها ؟!!  ميزة آية النور هي الكلام عن هذه المسألة، وبركة آية النور هو تحديد دائرة المعارف الأساسية التي يفترض أن يعرفها الإنسان المؤمن والمعتقد بالله ،و بيان كيف يتفاعل الله مع خلقه. والذي لا يفهم هذا المعنى سوف لا يفهم معنى إدارة الله وتدبير الله وخالقية الله.

عندما نزلت هذه الآية  ( الله نور السماوات والأرض … في بيوت أذن الله أن ترفع ..)  قام رجل وقال: أيّ بيوت هذه فقال النبي: (صلى الله عليه وآله): إنها بيوت الأنبياء، فقام رجلٌ آخر وأشار إلى بيت علي وفاطمة (صلوات الله عليهما) وقال: أهذه منها ؟ قال النبي: (صلى الله عليه وآله): نعم؛ ومن أفضلها(10).  

عندما تعطى كل هذه الحقائق لموجود بشري وإنساني متمثل في عالم الحس ثم يستطيع أن يدير عالم القلوب والأرواح والنفوس والطاعات والتسبيح منذ قبل الخلق نعلم معنى قوله تعالى: (إني ما خلقت سماء مبنية ولا أرضا مدحية ولا قمرا منيرا ولا شمسا مضيئة ولا … إلا لأجل هؤلاء الخمسة)



1. معجم اللغة العربية المعاصر

2. مفردات الراغب ص 83

3. مفردات الراغب ص 83 

4. معجم اللغة العربية المعاصر 

5. مفردات الراغب ص 83

6. بحار الأنوار 26 / 242

7. الهداية في القرآن نوعان: النوع الأول: الهداية التكوينيّة العامّة وهي التي تتعلّق بالأمور التكوينيّة، كهدايته كلّ نوع من أنواع المخلوقات إلى كماله الذي خلق لأجله وإلى أفعاله التي كتبت له، وهداية كلّ شخص من أشخاص الخليقة إلى الأمر المقدّر له والأجل المضروب لوجوده؛ قال تعالى: (الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى) (طه: 50) ( وسمّى القرآن الهداية التكوينيّة العامّة في الإنسان بالهداية الفطريّة، حيث قال: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَت اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) (الروم: 30(

النوع الثاني: الهداية التشريعيّة : وهي التي تتعلّق بالأمور التشريعيّة من الاعتقادات الحقّة والأعمال الصالحة التي وضعها الله سبحانه للأمر والنهي والبعث والزجر، ووعد على الأخذ بها ثواباً وأوعد على تركها عقاباً. وهي هداية قوليّة من طريق الدعوة ببعث الأنبياء وإرسال الرُّسل وإنزال الكتب وتشريع الشرائع الإلهيّة. ( اللباب في تفسير الكتاب للسيد كمال الحيدر(

8.  بحارالأنوار، ج 15 ،ص 24 

9. بحارالأنوار، ج 24 ،ص 88   

10. بحارالأنوار، ج 23 ،ص 325  :  عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ص فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيها بِالْغُدُوِّ وَ الْآصالِ فَقَامَ إِلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ أَيُّ بُيُوتٍ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ بُيُوتُ الْأَنْبِيَاءِ فَقَامَ إِلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْبَيْتُ مِنْهَا وَ أَشَارَ إِلَى بَيْتِ عَلِيٍّ وَ فَاطِمَةَ ع قَالَ نَعَمْ مِنْ أَفْضَلِهَا .

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتة الآن

إحصائيات المدونة

  • 17٬828 الزوار

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

على أن يأتوا بمثل جعفر ﴿؏﴾ لا يأتون 5 (1)

“إنَّكَ تَدعوني فَأُوَلّي عَنكَ وَتَتَحَبَّبُ إلَيَّ فَأتَبَغَّضُ إلَيكَ وَتَتَوَدَّدُ إلَيَّ فَلا أقبَلُ مِنكَ كَأنَّ ليَ التَّطَوُّلَ عَلَيكَ، فَلَم يَمنَعكَ ذلِكَ مِنَ الرَّحمَةِ لي وَالإحسانِ إلَيَّ وَالتَّفَضُّلِ عَلَيَّ بِجودِكَ وَكَرَمِكَ” دعاء الإفتتاح، فالله ﷻ يتودد لنا بالقرآن الكريم، ويتودد لنا بجعفر بن محمد ﴿؏﴾ وأهل البيت ﴿؏﴾، ولذلك نجد أن العقلاء والمهديين من هذه الأمة يرغبون في الإمام الصادق ﴿؏﴾، كما يشرفهم أن يخالط اسمهم اسمه، ووصفهم وصفه فيكونوا (جعفريين)”

الحمزة أسد الله وأسد رسوله ﷺ  5 (4)

فهو “أسد الله وأسد رسوله” لأن هناك خصائل جمّة قد اجتمعت فيه وفضائل عدة قد تجلت وظهرت على يديه، كقادرية الله ﷻ؛ إذ لم يكن أسد رسول الله وأسد آل بيت محمد ﴿؏﴾ فحسب -وإن كان هذا شرف عظيم-؛ لكنه رقى إلى أن أصبح “أسد الله”.

فلسفة دعاء وداع شهر رمضان ٢ 5 (2)

“وَ تَخَيَّرْتَهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ وَ الدُّهُورِ، وَ آثَرْتَهُ عَلَى كُلِّ أَوْقَاتِ السَّنَةِ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ وَ النُّورِ، وَ ضَاعَفْتَ فِيهِ مِنَ الْإِيمَانِ، وَ فَرَضْتَ فِيهِ مِنَ الصِّيَامِ، وَ رَغَّبْتَ فِيهِ مِنَ الْقِيَامِ، وَ أَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” إذًا بالنسبة للعاشق هذا الشهر -من حيث نسبته لله ﷻ- تكفيه لأن يتعلق به ويحبه ويريده كما يتألم لوداعه، ويكفيه أنه يكشف وينطق بصفات محبوبه فلا شك حينها سيكون فراقه موجع ومؤلم.