تقدم القراءة:

تفسير سورة الغاشية ٦

الثلاثاء 22 مايو 2012مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

 

قال تعالى ﴿ وُجُوهٞ 
يَوۡمَئِذٖ نَّاعِمَةٞ ٨ لِّسَعۡيِهَا رَاضِيَةٞ ٩ فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٖ ١٠ لَّا تَسۡمَعُ 
فِيهَا لَٰغِيَةٗ ١١ فِيهَا عَيۡنٞ جَارِيَةٞ ١٢ فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣ وَأَكۡوَابٞ 
مَّوۡضُوعَةٞ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦ ﴾ [الغاشية: 8-16] سننتهي في هذا اليوم إلى البشارة النهائيّة وخاتمة الحديث في هذه السورة وهي قوله جلّ وعلا ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ وهذه أعظم بشرى ونحن في يوم ميلاد أمير المؤمنين(ع).

الحديث عن مظاهر نعيم الجنّة، ولعلّ من أهمّ الأسئلة الواردة في هذا السياق: ما السرّ في حديث القرآن عن النعيم الحسّيّ في الجنّة من شراب وكؤوس ونمارق وزرابيّ … إلخ؟

والجواب : لا يجب أن نقيس مفاهيم هذه النشأة وهذه الحياة الدنيا وأحوالها على أحوال ذلك العالم، لأنّ الله سبحانه وتعالى عندما يتحدّث عن النشأة الثانية يقول ﴿.. وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة:61] إذن نحن أصلا لا نعلم عن تلك النشأة شيئاً، والفارق الفيصل بين تلك النشأة وهذه النشأة هو ما ذكرناه من أنّ تلك النشأة وذلك النعيم نعيم يغشى الإنسان من كلّ جهة، وفهم ذلك يعتمد على فهم فلسفة اللذة عند الإنسان.

فلسفة اللذة في الثقافة الإسلامية

الإنسان إنما يلتذ لذة كاملة عندما يكون هناك اتصال كامل بين حسّه وإدراكه ومعرفته، بين عقله وقلبه، وعدم القدرة على الربط بين الحسّ وبين المعنى هو الذي يجعل اللذّة تفقد قيمتها.

ولتقريب المعنى نقول: في هذه الدنيا نعيش لذائذ مادّيّة، ولكننا نعجز عن ربط هذه اللذّة المادّيّة بتوحيدنا ومعتقدنا، فنعيش دائما في حالة صراع. والسبب في عدم قدرتنا على ربط هذه اللذّة مع توحيدنا ومدركاتنا العقليّة أنّ هذه اللذّة محدودة وليست غاشية.

وإذا وصل الإنسان إلى لذّة أو منفعة معيّنة وإلى سبب من أسباب الراحة فإن الإنسان لا يشعر بهذه اللذّة على نحو الكمال، ذلك أنّه في ذلك العالم وفي تلك النشأة تتفتّح في وجود الإنسان أبعاد أصيلة، فالإنسان ذاتاً عبد لله سبحانه ولكنّه في هذه الدنيا يشغل نفسه وفكره وعقله بالغفلة عن هذه السمة الواقعيّة، لأنّ زمام أمره بيده والدار دار اختيار حرّ. أمّا في ذلك العالم (عالم الآخرة) فالملك لله وليس للإنسان اختيار ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ۖ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ﴾ [غافر: 16]. نعم في كلّ العوالم الملك لله الواحد القهّار لكن حينما تسقط كلّ أقنعة الهوى الزائفة سيرى الإنسان لذّته الواقعيّة وعذابه الواقعيّ، وسيكون أشدّ العذاب هو ﴿.. وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 77] والحال أنّهم في أشدّ الحاجة لنظر لطف منه جلّت قدرته، أما من يكلّمهم ويزكّيهم وينظر إليهم فهؤلاء تغشاهم المتعة من كلّ جهة: حسّية، عقليّة، روحيّة.  لكن لنتصوّر أن تجتمع لدى الإنسان اللذّة الحسّيّة مع الرضا الروحيّ عنها، بالإضافة إلى موافقتها وانسجامها مع معتقده، انسجاما على نحو الاندكاك، فلا شكّ أنّ ذلك الرضا والانسجام بين ما يحسّ وما يعتقد سوف يبدو حتّى في هذا الظاهر الحسّيّ لأنّ الالتذاذ بالظاهر الحسّيّ يترشّح من الروح، وينتقل إلى الحسّ.

إذن عندما يتحدّث القرآن عن تفاصيل تلك الدار والنعيم والسعادة فيها فهو لا يفصِلها عن عبوديّة الله، وهو يربط أوّلا بين النعمة وبين وليّ هذه النعمة، ولذلك يسميها (نعيماً) أي لذّة مرتبطة بصاحب النعمة، لذّة لا تبعدك عن أوليائك، فكلّما تنعّمت في الجنّة بالشراب –مثلا- فأنت في نفس الوقت الذي يتغذّى فيه بدنك فإنّ شخصيّتك تتغذّى بالارتباط أكثر بأوليائك، فلا يعود النعيم صرف مأكل ومشرب، بل هو لذائذ تحقّق اتّصالاً وارتباطاً وتجديداً وتذكيراً وتفعيلا للعلاقة، كما أنّ هديّة المحبوب تصون المحبّة (تهادوا تحابّوا).

ولذا يجد الإنسان في نعيم الجنّة أنّ هناك انسجاماً كاملاً بين مدركاته وبين عقائده وحالته الروحيّة وبين لذائذه الحسّيّة، وإذا أردنا أن نعبّر عن اجتماع هذه اللذائذ وهذا النعيم فإنّ (غاشية) هو التعبير الأدقّ، أي محيطة بكلّ جهة ومن كلّ جهة.

 قوله تعالى ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾

الجنة العالية هي مظهر تغشية نعيم الولاية، وقد ذكرنا في الدرس السابق أن المراد من العلو ليس فقط علوّ المكان وإنّما علوّ المكانة أيضا، استخدم القرآن أسلوب الإطلاق في قوله (عالية)، فقد يسكن الإنسان في قصر لكنه لا يملك مكانة وموقعا حقيقيّا، لذا فلا تعتبر حياته –مع لذّتها- جنّة عالية.

قوله تعالى ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً﴾

السمع يمكن أن يكون أعظم لذّة عند الإنسان، واللغو من أشدّ ألوان البلاء.  إنّ أكثر ما يشوّش على الإنسان تحقيق سعيه وجدّه في الحياة ويعيق نمائه الواقعيّ وكمال شخصيّته هو استماع اللغو والانشغال بمجالس اللغو.  واللغو أنواع : هناك لغو قوليّ ولغو فعليّ، ومن أشدّ ألوان العذاب على العاقل أن يبتلى بجليس لاغٍ، لأنّ ذلك مما يتعب القلب، ويحدث تشويشا على الموجة الروحيّة في أعماق الإنسان، فمن طبيعة الروح أنّها ترسل موجات مستمرّة باتجاه سعادة الإنسان، واللغو هو تشويش على أصل هذه الموجات الروحيّة، وعلى أصل الالتذاذ الروحيّ، وهو أشبه بالتشويش الحاصل على محطّات البثّ الفضائيّ.

فالآية هنا تصف نعيم الجنّة بأنّه خال من كلّ أشكال اللغو، فأصحاب هذا النعيم كما أنّهم كانوا في الدنيا لا يميلون إلى اللغو سواء في علائقهم أو روابطهم وفي مجمل برنامج معيشتهم، فهم ينعمون بنفس ذلك النظام في الجنّة.

قوله تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾

عندما نريد أن نصف مكاناً بأنّه عامر بالحياة نقول أنّ فيه ماء، فإذا وجد الماء وجد إلى جانب هذا الماء الخضرة والعمار والبناء، ولذلك بدأ بوصف هذه الجنّة بأنّ فيها (عين) وأهم ميزة لهذه العين هي أنّها ليست راكدة (عَيْنٌ جَارِيَةٌ) ومن جهة بلاغية فإن تصوّر الجريان يوحي بعدم الحبس والتقييد وعدم الركود، ويشعر بحالة من الاستمرار والتدفق والنمو، وحالة دائمة من الخضرة والنضرة.

﴿فِيهَا سُرُرٞ مَّرۡفُوعَةٞ ١٣ وَأَكۡوَابٞ 
مَّوۡضُوعَةٞ ١٤ وَنَمَارِقُ مَصۡفُوفَةٞ ١٥ وَزَرَابِيُّ مَبۡثُوثَةٌ ١٦

السرير هو المكان المرتفع الذي يورث السرور. الفرق بين الفراش والسرير هو أن السرير هو المكان الذي يحقّق السرور في الباطن والفراش ليس فيه هذه الخصوصية . والنمارق : هي المتّكأ الموشّى بالزخارف، والزرابي : هي البسط التي تفرش على الأرض ، والآية تتحدّث عن نوع خاص  منها وهو المنقوش نقوشا جميلة.

هذا الالتفات للتفاصيل يوحي باعتناء ربّاني بهذا الضيف (المؤمن) الذي سعى في حياته نحو رضا الله سبحانه وتعالى، وهذا التوصيف لهذه الأمور الدقيقة هو في الحقيقة دلالة على أنّ هناك نوعا من الذوق والفنّ والانسجام في مختلف مظاهر الجمال يعكس كرامة هذا الضيف والعناية واللطف الربّانيّ في ضيافته.

قوله تعالى  ﴿أَفَلَا يَنظُرُونَ 
إِلَى ٱلۡإِبِلِ كَيۡفَ خُلِقَتۡ ١٧ وَإِلَى ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ رُفِعَتۡ ١٨ وَإِلَى 
ٱلۡجِبَالِ كَيۡفَ نُصِبَتۡ ١٩ وَإِلَى ٱلۡأَرۡضِ كَيۡفَ سُطِحَتۡ ٢٠ 
 ﴾  

هذه الآيات تشير إلى أنّ الذي أوصل أهل الجنّة إلى هذه النتيجة وهذا النعيم، والميزة التي تميّزهم عن سائر الناس أنّهم حين ينظرون إلى أيّ شيء فإنّهم ينتقلون من عالم الحسّ والظاهر إلى عالم العقل والفكر والتدبّر، وبهذا انتقل الكلام من وصف أهل الجنّة ونعيمهم إلى الحديث عن طريق الوصول إلى الجنّة الذي هو طريق المعرفة، الإنسان إنّما يصل إلى الله سبحانه وتعالى ويصل إلى حقائق هذا الكون إذا نظر إلى الأشياء نظرة ينتهي منها إلى نظريّة. 

هناك كلام طويل حول سبب اختيار الإبل، بل سبب اختيار هذا اللفظ بالذات، فالإبل تسمى النوق أو الجمال وسنبيّن ذلك على نحو الاختصار:

ورد ذكر الطير الأبابيل في القرآن، وميزتها أنّها تحمل الثقل وتقصد الهدف بلا كلل أو ملل وهي تقاوم من أجل إنهاء مهمّتها، وكلمة (إبل) تستبطن هذه الخصوصيات، فالإبل قويّة المقاومة وتجتزئ بكلّ شيء، ولذا تسمى سفينة الصحراء، وكانت أصلا من أصول المعيشة في ذلك الوقت، ومع كلّ هذه القوّة والاقتدار هي مستسلمة خاضعة للإنسان، والسرّ في ذلك هو أنّ الله سبحانه وتعالى خلقها بكيفيّة خاصّة.

الفرق كبير بين النظر إلى الإبل من حيث حجمها ووزنها وعددها والتفكير في بيعها وشرائها، وبين أن تتأمّل في كيفها. القرآن يدعونا في الحقيقة إلى أن ننظر إلى كيف الأشياء، لأنّه العلم الواقعيّ. هناك رواية ينقلها ابن سينا عن الإمام الصادق (ع) -لكنّ الرواية من المرسلات– وهي: (من لم يعرف الهيئة والتشريح فهو في معرفة الله عنين) الهيئة هو علم الفلك والتشريح هو معرفة نظام البدن، والعنين هو الناقص الذي لا يستطيع أن يؤدّي دوره. ومعنى الرواية أنّ من لا يعرف نظام السماوات وما فيها من نجوم وأفلاك، والذي لا ينظر إلى هذا النظم والقدرة والتدبير والحكمة الإلهيّة في إدارتها، والذي لا يعرف نظام بدنه.. فهذا لا يصل إلى التوحيد الكامل, وهو بهذا عنين في توحيد الله سبحانه وتعالى.

الآيات التي نحن بصددها جاءت تتكلّم عن كيفيّة اكتساب معرفة الكيف، ومعرفة فنّ إدارة نظام الكون، لأنّ من عرف هذا النظام فهو قطعا سوف يصل إلى وجود صانع لهذا النظام، من عرف وجود هذه الصناعات الدقيقة، ووجود هذه القدرة الدقيقة في الموجودات وفي الكائنات سوف يدرك قوّة وقدرة وحسن إدارة الصانع، النظر للإبل يوصل إلى الذي خلق الإبل وأعطاها هذه الخصائص، والذي يتأمّل الموجودات فإنّ ذلك سيخلق عنده كيفا علميّا وهذا معنى ان تكون صاحب نظرية ،النظرية هي العلم الذي ينتهي بك إلى نتيجة قطعيّة .

الذي يرى الإبل ويرى الجبال الشامخة التي هي سبب لاعتدال الجوّ ولثبات الأرض فسينتقل من هذه الحالة من التفكّر إلى معرفة سرّ هذه المخلوقات وارتباطها بالله سبحانه وتعالى، فيبدأ من هذه المخلوقات ثم يتحوّل إلى عارف بالناظم الصانع المبدع، والذي ينظر لمظاهر الكون وينتهي إلى نظريّة فلا يمكن أن يتكبّر على الله سبحانه وتعالى، أو يصيبه غرور ويعطي لنفسه خاصيّة تنصيب من يشاء ورفع من يشاء، أو يتدخّل في أحكام الله سبحانه وتعالى ويضع من تلقاء نفسه نظاما تشريعيّا مقابل نظام التكوين.

الذين أزاحوا أمير المؤمنين كأنّهم يقولون: نحن نستطيع أن نحدّد النظام التشريعيّ الذي يدير الإنسان وينتهي إلى مصلحته، فنحن اجتمعنا واخترنا وعيّنا ونصّبنا. هذا في الحقيقة لأنّهم ينظرون إلى كلّ شيء ولكن لا ينتهون إلى نظريّة، الذي ينظر إلى الإبل كيف خلقت ويرى هذه الدقة في هذا النظام هل يمكن أن يقوم هو مقام الله سبحانه وتعالى بوضع التشريعات أو بتنصيب إمام؟!

 ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾ 

لاحظت أن البعض يستفيد من هذه الآية استفادة خاطئة، ويتصوّر أنّ الحصر هنا حصر واقعيّ، فيفهم أنّ وظيفة رسول الله صلّى الله عليه وآله هي أن يذكّر، والحقّ أنّ الحصر هنا إضافيّ، يعني أنّك يا رسول الله في هذا المورد لست معلما، فالمسألة ليست مسألة معلومات، ذكر الشيء معناه معايشتك له، والإنسان المتذكّر ليس هو الذي توجد معلومات في ذهنه، بل هو من أثّرت تلك المعلومات في سلوكه ومعيشته.

الآية تقول: يا رسول الله لا تجهد نفسك، إنّما أنت في هذا المورد مذكِّر، فالمعرفة والمعتقد لهما طريقان فقط العقل والقلب، لا السلطة والسيطرة والقوّة، لذا فما تستطيع أن تقوم به يا رسول الله هو أن تحرّك الإدراك والقلب، أمّا من ليست لديهم إرادة للمعرفة فلا تنفع معهم القوّة، والسيطرة عليهم لن تؤدّي إلى إيمانهم، لأنّ الإيمان هو وصول المعرفة إلى الفكر والقلب بالاختيار ولذا يقول الله تعالى: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ..﴾ [النساء: 136] , لأنّ السيطرة والجبر والقوّة لاتولّد قناعة. 

فهؤلاء كما يبايعونك اليوم و(يبخبخون) لعليّ (ع) فغدا ينقلبون وينقضون، لأنّ المشكلة أنّ هذه البيعة في الحقيقة ليست إلا صفق بأيديهم، وأمّا مقولة الإيمان التي تتوقّف على العلم وعلى تسليم القلب فلن تتحقّق فيهم.

﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾

بحسب رواياتنا المتضافرة فأنّ المراد من هذه الآية أنّ حساب الناس هو على محمّد وآل محمّد صلوات الله عليهم، والغريب أنّ بعض الفرق الإسلاميّة تستنكر ذلك في حال أنّ مصادرهم تنقل رواية (عليّ قسيم الجنّة والنار) ولا أدري كيف لا تفسّر تلك بهذه، أم كيف يقبلون أن يحاسب الملائكة الناس ويطلعون على كتب أعمالهم، ولا يقبلون لمسجود الملائكة (الإنسان) أن يكون عليه حساب الناس!

الإياب هو الرجوع، ومنه وصف نبيّ الله أيّوب بأنّه (أوّاب) أي أنّه دائم العود والرجوع لله سبحانه، ولكن ما نريد الوقوف عنده في الآية هو التحليل العقليّ لإمكانيّة إعطاء الله لإنسان ما صلاحية محاسبة الناس، بمعنى أن يحاسب البشر والله سبحانه وتعالى يرضى عن حسابه، وليس بمعنى أن يكون الله هو الرئيس والإنسان موظف يحاسب بناءا على حسابات الله، لأنّ هذا في الواقع ليس فيه كرامة، الكرامة أن يحاسب هو حسابات مستقلّة والله يرضى بكلّ ما يقول.

من الروايات التي تؤيّد هذا المعنى ماورد عن عليّ بن إبراهيم بن الإمام الصادق (ع) يرفعه إلى أمير المؤمنين (ع) عن سماعه قال كنت قاعدا مع أبي الحسن -والأقرب أنّه الكاظم- والناس في الطواف في جوف الليل فقال لي يا سماعه إنّ إلينا إياب هذا الخلق وعلينا حسابهم –الخلق يقصد بهم فقط الشيعة– فما كان لهم من ذنب بينهم وبين الله عزّ وجلّ حتّمنا على الله في تركه لنا فأجابنا إلى ذلك، وما كان بينهم وبين الناس استوهبناه منهم وأجابوا إلى ذلك وعوّضهم الله عزّ وجلّ)(1) أي لو كانت بينهم وبين ربّ العالمين معاصٍ فنحن نحتّم على الله سبحانه وتعالى في أن يتركهم، وما كان متعلّقا بحقوق الناس فإنّنا نعطي الناس شيئا ونأخذ ذنوبهم من الناس.

وفي رواية أخرى عن أبي جعفر الباقر عليه السلام: (إذا كان يوم القيامة جمع الله سبحانه وتعالى الأوّلين والآخرين ودعي رسول الله (ص) ودعي أمير المؤمنين (ص) فيكسى رسول الله (ص) حلّة خضراء تضيء ما بين المشرق والمغرب ويكسى عليّ مثلها، ثم يصعد عندهم ذلك النور ثم يدعى بنا – أي الأئمّة (ص)– فيدفع إلينا الحساب، فنحن والله ندخل أهل الجنّة الجنّة وأهل النار النار) وقد جاءت روايات في هذا على نحو التضافر كما أشرنا.

وهنا يتبادر سؤال : أنّ الله جعل نظاما وعد فيه المحسن بالثواب وتوعّد المسيء بالعقاب، فكيف يتصرّف أهل البيت بما يخلّ بهذا النظام؟

والجواب: عن هذا الإشكال يعتمد على قضية لها جذور في مسألة الحسن والقبح العقليّ، ومجملها أنّ الوفاء بالوعد واجب وجميل ولكن عدم الوفاء بالوعيد ليس قبيحا، وبيانها: أنّ الله وعد أن يعطي الجنّة للصالحين، وتوعّد على المعاصي بالعقاب، لكنّه لا يقبح أن لا يعاقب المسيء . 

ولنبين ذلك بمثال: افترض أن تقول لولدك: إذا فعلت هذا الشيء سأضربك، ثم يفعل ما نهيته عنه لكنّك تعدل عن ضربه، فهل يعد فعلك قبيحاً عقلا حينذاك؟ لا، إنّ أصل المراد من الوعيد هو صرفه عن هذا الفعل، لكن لو صدر هذا الفعل فهل هناك ترابط عقليّ بين صدور هذه الخطيئة وبين النتيجة؟ لا، إذن تفسير عدم قبح الوفاء بالوعيد هو أنه لا يوجد ربط عقليّ بين الفعل ونتيجته، ولا ربط هناك بين علّة ومعلول، فالعمل جزء علّة وليس علّة تامّة ومعلوم أن المعلول لا يتحقّق إلا بعلّة تامة.

الذي يحدث أنّ أهل البيت (ع) لهم عنصر أساس يدخل ضمن هذه المعادلة، فيحدث هناك تفكيك واقعي بين أصل الفعل ونتيجته، لأنّه لم يصدر على نحو القبح الذاتي، ثم أنّ من أوكل لهم الحساب هم من كانوا يستطيعون أن يخسفوا الأرض ومن عليها، ولكنّهم لم يفعلوا لأنّهم رحمة للعالمين. 

 

 

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 81٬125 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

فاجعة استبدال الذي هو أدنى بالذي هو خير 5 (2)

من المعلوم أن الإمام الحسن (ع) قد قُتِل بالسم الذي قدمه له معاوية بواسطة زوجته جعدة بنت الأشعث، فهذه النهاية المؤلمة تكشف عن مقدمات وبوادر سيئة جدًا منذ أن استبدلت الذنابي بالقوادم(1)، واستبدل أمير المؤمنين خير البرية بشر البرية؛ حتى وصل الأمر إلى معاوية الذي خان وفجر وغدر وجاء بكل موبقة.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٣ 5 (2)

مما لا شك فيه أن السيّدة زينب ﴿؏﴾ المحتمل في قلبها وفي روحها لعلم أهل البيت ﴿؏﴾، ممن امتحن الله ﷻ قلبها للإيمان؛ لا يصلها ولا يعبث بها الشيطان بأيّ حال من الأحوال، ولذا كان لها أن تواجه تلك الحبائل التي يلقيها الشيطان وأتباعه في الخارج؛ بتلك الرؤية المتماسكة والروح القوية التي لا ينفذ إليها الباطل، والتي تشبه روح الأنبياء ﴿؏﴾ في السعة والقدرة على مواجهة الساحة الخارجية والميادين المشتركة بينها وبين أهل الشر.

الدور الاجتماعي للسيدة زينب ﴿؏﴾ رؤية قرآنية ١٢ 5 (1)

فكانت ﴿؏﴾  تخاطبهم وتوبخهم بقولها: “يا أهل الختل والغدر”؛ وحسب الظرف كان يجدر أن تنفر النّاس من قولها ولا تقبل بتلك التهم، لكن جميع من  كان حاضرًا قد همّ بالبكاء، الصغير والكبير والشيبة!

لأنها ﴿؏﴾ قلبت النّاس على أنفسهم المتواطئة مع الظالم والمتخاذلة والمتقاعسة عن نصرة الحق على ذاتها، فرأوها على حقيقتها رؤية الذي لا لبس فيه؛ فغيرت بذلك أحوالهم وأعادتهم لأنفسهم النورية حيث فقدوها