ddp-md-icon|md-dashboard| الرئيسية ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 مواسم ومراسم ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 الأشهر الفضيلة ddp-et-icon|et-arrow-carrot-left|4 تفسير سورة الغاشية ٤

تقدم القراءة:

تفسير سورة الغاشية ٤

الثلاثاء 1 رجب 1433مساءًالثلاثاء

الوقت المقدر للقراءة:   (عدد الكلمات:  )

0
(0)

 وصلنا إلى قوله تعالى ﴿﴿تُسْقَى مِنْ عَيْنٍ آَنِيَةٍ *لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ وقبل الشروع في تفسرها سنتحدث حول الأمثال في القرآن الكريم : 

القرآن وضرب الأمثال:

يخبرنا القرآن عن اليوم الآخر، وهو عالم لم نره بعد فما لم ننتقل لذلك العالم لا يمكن لنا تصوّره، إذ لا معرّفات واقعية لتلك النشأة، والاختلاف بين النشأتين ليس اختلافا شكليا ظاهريا ولا اعتباريا، بل هو اختلاف تمام القوانين ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ﴾ [إبراهيم 48] ولكن كيف لنا أن نتصوّر المشي في الجنّة حيث لا أرض؟ وكيف ستكون الأرض هناك؟ الحقيقة لا نستطيع أن نتصوّر ذلك، ولا يمكن أن تُخلق في ذهن إنسان حقيقة ما دون معرّف أو واسطة، ودون تصوّرات مسبقة أو لغة مشتركة. على سبيل المثال : إذا كان سبق لإنسان ما أن رأى مدرسة، رأى البناء والأثاث والمعلّمين فهذه المعرفة المسبقة يمكن أن يبني عليها معرفة جديدة، فإذا قيل له: يوجد أكبر من المدرسة فحينها يمكن له بناءً على تصوره السابق للمدرسة التي رآها  أن يتصوّر مدرسة أكبر. 

القرآن يتكلم عن عالم مختلف، ويريد أن يساعدنا على تصوّره، ونحن لم يسبق لنا دخول ذلك العالم، فكيف يقرّب لنا صورته؟ لا يوجد طريق إلا المثال. فالتعريف بالمثال أسهل طرق التعريف وأسرعها وقد استخدمه القرآن  كثيرا ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم58] ما يأتي به القرآن هو أمثلة فقط لأنّ آلات التعريف وأساليبه تختلف في العالمين، الشمس في ذلك العالم مختلفة، القمر مختلف، الماء مختلف، الأكل والشرب مختلف، فليس هناك طريقة لتقريب ذلك العالم إلا أن يلبّس لبباس عالمنا الدنيوي مثلما تلبس شخصا ملابس ليست له ولا تظهر شخصيته ولا باطنه، لكنك تتخيّله بهذا اللباس. القرآن يستفيد من موجودات وآلات وإمكانيات هذه الدار ليلبسها للدار الآخرة، وبهذا يجسّم لنا تلك الدار التي ما لم نَردْها، فلا طريقة لمعرفتها والوصول إليها إلا بطريق المثال.

فالقرآن عندما يقول – مثلا – أن أعداء الله يشربون كذا أو يأكلون كذا، وأن المنعّمين من أولياء الله وأحبائه يأكلون ويشربون كذا ، فإن هذا صرف تمثيل، وأما الواقع فهو مختلف تماما. عندما يتكلّم القرآن عن الجنّة يقول ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الرعد35،] فهو (مثَل)  أما الواقع فهو شيء آخر. وعندما يقول ﴿لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ﴾ فهو لا يريد القول بأن أهل النار يأكلون تلك النبتة المعروفة في الدنيا باسم الضريع، وهي نبتة شوكية مرّة المذاق التي لا تأكلها حتّى الدواب،  بل يريد القول بأن طعام أهل النار يضارع تلك النبتة ويشابهها.  وفي الآية استثناء بعد نفي, والاستثناء بعد النفي يفيد الحصر. فكأنه يقول :هؤلاء ليس لهم إلا طعام  واحد هو الضريع.

شجرتان في القرآن 

وهنا يتبادر سؤال : اذا كان الضريع هو طعام أهل النار الوحيد، فلماذا يقول موضع آخر﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ  [الدخان43-44] ؟

الجواب : لهذا لها أصل قرآني . القران تكلّم عن شجرتين:

1-  شجرة الزقّوم: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ. طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُؤُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات37]

2-  شجرة طوبى فقال: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآَبٍ  [الرعد29] 

وبالمقارنة بين هاتين الشجرتين نجد أن الشجرة الأولى تنبت في أصل الجحيم، والشجرة الثانية في بيت علي وفاطمة.  ثم إن شجرة الزقوم لها لقاح كالنطف، تتكاثر وتتوالد وتتفرّع ليصل لقاحها إلى بيوت الأشقياء أعداء الله وأعداء الحقّ أما لقاح  شجرة طوبى فأصلها في بيت علي وفاطمة وفروعها في بيوت المؤمنين.

وضرب المثال بالشجرة لأن أعمال الإنسان  تتغذى من جهة معينة هي العقيدة ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ *تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾  [إبراهيم24-26] فإذا كانت العقيدة صحيحة وسليمة يصبح سلوك الإنسان صحيحا وسليما، وإذا كانت العقيدة منحرفة فإن الإنسان مهما أعطى وعمل فهو غير مقبول لأن المعتقد الصحيح كالنطفة التي تلقّح بقية السلوكيات، وتغذّي الشخصية. وإذا كان المعتقد باطلا كانت النطفة مرّة، ولقّحت أفعال الإنسان وأقواله وعلاقاته بطعمها المرّ. هذه الأمثال تضرب لتقريب الحقيقة.

إذن هؤلاء لهم شجرة يأكلون منها ﴿فَإِنَّهُمْ لَآَكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ﴾ [الصافات66] لأنهم دائما جائعين، ولا طعام لهم غير هذا النبات المرّ العلقم الذي ﴿كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ. كَغَلْيِ الْحَمِيمِ  [الدخان44] فلا تتوقّف مرارة هذا المهل عند الحلق كطعام الدنيا بل يصل للبطون ويغلي ومع ذلك يرجعون ليأكلوا منها، ذلك لأنه طعام ﴿لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ، فهم دائما في حالة جوع، ولأنهم دائما في حالة جوع فهم دائما في حالة طلب وفي حالة أكل لذا هم دائما في حالة عذاب وألم. وهذه هي نهايتهم.

 في المقابل عندما يتكلّم عن نعيم الأبرار فهو يقول: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ [الإنسان6]  يشرب (بها) وليس يشربها أو يشرب منها. لأنه لو قال شربها فإن هذا لا يتضمّن معنى الإرواء، فهو شرب لكن لا يعني ذلك تحقق الإرواء .ولو قال شرب منها فذلك يحتمل أنه شرب منها ومن غيرها،وليس معلوما وصوله للارتواء، أما إذا قال شرب بها فهذا يتضمّن كامل الارتواء.  أما سبب الارتواء فنأخذه من نفس الآية ﴿عِبَادُ اللَّهِ ارتووا لأنهم عبدوا الله وأطاعوا الله فقط. ومهما أوهم الإنسان نفسه بأنه يرتاح ويستقرّ في مجلس أو صحبة أو مكان، ففي الحقيقة إنما تكون هذه الأمور سببا للارتواء فقط إذا ربطها الإنسان بالله وحوّلها إلى عبادة.

أهل النار يواصلون الأكل اضطرارا، وأهل الجنة يعاودون الشرب التذاذا. لاحظوا المقابلة بين اضطرار أهل النار لأكل الضريع المرّ دفعا لجوع لا نهاية له، وبين عودة أهل الجنّة للشرب مرارا وتكرارا مع أنهم في تمام الارتواء، لأنه ارتواء لا يسبب ثقلا، بل يدفعهم لطلب المزيد من المتعة بشربه.

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

كيف وجدت المقال؟ شارك الآخرين ذلك

معدل التقييم 0 / 5. عدد التقييمات 0

لا يوجد تقييم للمقال حتى الآن

اختر تصنيفًا

ما رأيكم بالموقع بحلته الجديدة

إحصائيات المدونة

  • 59٬643 زائر

0 تعليق

إرسال تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

ذلك القريب مني 5 (2)

عندما نزور أضرحة الأئمة ﴿؏﴾؛ نحاول أن ندنو إلى أقرب نقطة من الضريح، وهذه المسألة ليست خاطئة؛ فقرب الإنسان من الضريح أمرٌ حسنٌ في حدّ نفسه؛ ولكن الحديث هنا ليس كيف نكون قريبين بدنيًا وروحيًا من الإمام ﴿؏﴾؛ بل كيف يكون الإمام ﴿؏﴾ قريبًا منّا

عارفًا بحقها 5 (1)

إن نفس حق السيدة المعصومة (ع) هو محبب ومطلوب، والإمام يريد أن يحرك إليه، وأن أصل معرفتها هو المراد سواءً كان الإنسان في زيارتها عن قرب أو عن بعد أو كان في بيته، فالمراد هو أصل معرفة مقامها (ع) وهذا ماتشير له وتفيده الرواية؛ فهي دعوة للتعرف على مقامها

الفرد.. الأمة.. المجتمع.. شاكلة رمضانية. 5 (3)

نحن بحاجة إلى الإنسان السويّ الذي يأخذ استواءه من القرآن الكريم “وَإنْ مِلْنَا فِيهِ فَعَدِّلْنا؛ فإذا مال الإنسان قليلًا، تغيرت فطرته؛ وكي لا يميل فهو بحاجةٍ إلى مرجعية فكرية ودينية وقرآنية، ليبقى كالمرآة الصافية.